خبز ينفد وطوابير تطول.. كيف يخوض فقراء إيران حرب المعيشة؟

تتسوّق امرأة إيرانية في متجر في طهران، إيران، 28 أبريل 2026. مجيد عسكري بور/وكالة أنباء غرب آسيا (WANA) عبر رويترز.

وسط الحرب، يجد إيرانيون كثيرون أنفسهم في مواجهة ضائقة معيشية خانقة، مع تسارع الانهيار الاقتصادي واتساع أثره على تفاصيل الحياة اليومية، من الخبز إلى الأجور.

وبحسب متابعات “الحرة” داخل إيران، ومحادثات مع عدد من الإيرانيين من خلفيات مختلفة، تحاول السلطات التخفيف من وقع الأزمة في خطابها العام، فيما تتفاقم الأوضاع المعيشية منذ أشهر تحت ضغط إغلاق مضيق هرمز والعقوبات الأميركية المفروضة على النظام.

“لم أحصل على رغيف خبز، رغم أنني وقفت أكثر من أربع ساعات بعد انتهاء عملي في طابور طويل أمام أحد المخابز المدعومة حكوميا التي تبيع الخبز بالسعر الرسمي. الخبز نفد من المخبز”، يقول سليمان حشمتي لـ”الحرة”، وهو مواطن إيراني من طهران.

ويضيف حشمتي، الذي يعمل في أحد المطاعم الشعبية في العاصمة الإيرانية بأجر يومي لا يتجاوز خمسة دولارات، أنه اضطر في النهاية إلى شراء خبز السنكك، المصنوع من دقيق القمح الكامل، بسعر مرتفع من أحد المخابز التجارية.

وبعد استكمال قائمة احتياجات المنزل اليومية، التي خلت من أي نوع من اللحوم ولم تشمل السكر أو الأرز، لم يبق في جيب حشمتي سوى مبلغ بسيط لا يتعدى بضع سنتات.

ومع ذلك، لا يعد دخل حشمتي الأسوأ بين العمال الإيرانيين. فالعامل الذي لا يمتلك خبرة كبيرة يتقاضى، وفق الزيادة الأخيرة التي أعلنتها السلطات، نحو ثلاثة دولارات يوميا، مقابل ساعات عمل قد تصل في كثير من الأحيان إلى 12 ساعة. أما حشمتي، بحكم خبرته في عمله، فيحصل على أجر أعلى قليلا.

ومع بداية العام الإيراني الجديد في مارس الماضي، دخلت زيادة زيادة العاملين بنسبة 60 في المئة، التي أقرتها السلطات، حيز التنفيذ. لكنها لم تعكس أي تحسن في أوضاعهم المعيشية، إذ سرعان ما ابتلعها ارتفاع الأسعار الحاد والانهيار السريع في قيمة العملة المحلية.

ولا تقف معاناة الإيرانيين عند ارتفاع الأسعار وانهيار العملة وتراجع قيمة الأجور، إذ فقد كثيرون وظائفهم خلال حرب الأربعين يوما الماضية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وزاد استمرار قطع السلطات للإنترنت منذ أكثر من 60 يوما من صعوبة العثور على عمل أو إدارة الأعمال الصغيرة التي تعتمد على التواصل اليومي مع الزبائن.

“كنت أعمل في مشغل خياطة في مدينة مريوان بأجر يومي قليل جدا، بالكاد كان يوفر القوت اليومي لعائلتي المكونة من أربعة أفراد. لكن المشغل أغلق أبوابه منذ شهر، وفقدت عملي، وراتب زوجي لم يعد يكفينا في ظل ارتفاع الأسعار”، تقول سيما مريواني لـ”الحرة”، وهي مواطنة من مدينة مريوان في كردستان إيران.

وبحسب موقع “آفتاب” الإيراني، قال نائب وزير العمل والضمان الاجتماعي الإيراني، غلام حسين محمدي، خلال اجتماع ضم مدراء الوزارة في 19 أبريل الماضي، إن “التقديرات الأولية تشير إلى أن الحرب تسببت في فقدان أكثر من مليون وظيفة، ووصول عدد العاطلين عن العمل بشكل مباشر وغير مباشر إلى مليوني شخص”.

من جانبه، يقول فرزين كرباسي، وهو محلل سياسي إيراني كردي معارض يقيم في إقليم كردستان، إن ارتفاع التضخم فرض ضغطا كبيرا على المواطنين في إيران، قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر مع إغلاق أعداد كبيرة من المعامل والورش وتسريح العمال والموظفين.

ويضيف كرباسي لـ”الحرة”: “يقف الحرس الثوري خلف هذه الأزمات، بسبب احتكاره قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني، وتحكمه في السياسة الاقتصادية والأمنية، وإبرامه صفقات تجارية تصب في مصلحته، خصوصا عبر التركيز على استيراد البضائع من الصين مقابل النفط الإيراني الذي تحصل عليه بكين بأسعار متدنية”.

ووفق كرباسي، فإن أحد الأسباب الرئيسية لإغلاق كثير من الصناعات المحلية الإيرانية هو تدفق البضائع الصينية إلى الأسواق بأسعار زهيدة، على نحو لم تتمكن معه الصناعة المحلية من الصمود والمنافسة.

ويشير إلى أن الأزمة الاقتصادية في إيران تعمقت كثيرا بعد الحرب، وبات الشارع الإيراني يواجه اختلالا متزايدا بين الدخل والنفقات. فالبضائع متوفرة في الأسواق، لكن كثيرين لم يعودوا قادرين على شرائها، بسبب تراجع الدخل مقابل ارتفاع الأسعار واتساع كلفة المعيشة.

ويقول كرباسي إن هذه الأزمة دفعت أصحاب الدخل المتوسط إلى حافة الفقر، فيما أصبح كثير من الفقراء في وضع أقرب إلى العوز الكامل. ويلفت إلى أن إيران، وفق إحصاءات رسمية، تخسر يوميا أكثر من 70 مليون دولار جراء إغلاق شبكة الإنترنت، إلى جانب الخسائر المرتبطة بتعمق الأزمة الاقتصادية وتداعيات الحرب.

ويتابع أن “قادة الحرس الثوري ومسؤولي النظام الإيراني يخشون الآن اندلاع انتفاضة الجياع والفقراء”. ولذلك، تسعى السلطات، بحسب رأيه، إلى استثمار المفاوضات للوصول إلى نتيجة تصب في مصلحتها وتساعدها على تفادي انفجار اجتماعي واسع.

وفي تقرير نشره موقع “ايكو إيران”، المتخصص في تحليل الاقتصاد الإيراني، بلغ معدل التضخم السنوي في أبريل الماضي 73.5 في المئة، وهي نسبة قال التقرير إنها الأعلى في البلاد خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

“تشهد إيران حالة انهيار داخلي صامت، بعد 40 يوما من صراع عسكري ألحق بها أضرارا جسيمة. ويمكن اعتبار ما تمر به إيران الآن أسوأ أزمة داخلية تواجه النظام، في ظل تزامن الخسائر العسكرية مع انهيار اقتصادي واسع وتصاعد الاحتقان الشعبي”، يقول الباحث في العلاقات الدولية والمختص بالشأن الإيراني، علي الشمري، لـ”الحرة”.

ويشدد الشمري على أن إيران تواجه حزمة متداخلة من الأزمات، تبدأ من الانهيار الاقتصادي والمالي، مع تهاوي العملة الإيرانية إلى مستويات غير مسبوقة، وما رافقه من شبه توقف في الأنشطة التجارية وتضخم قياسي.

ويضيف أن الأزمة تمتد إلى البنية التحتية، بعد تضرر منشآت صناعية رئيسية، خصوصا في قطاعات البتروكيماويات والمعادن، جراء ضربات عسكرية أدت، بحسبه، إلى انخفاض حاد في إيرادات التصدير التي كانت تمثل أحد شرايين الاقتصاد الإيراني.

“تعيش إيران بعد الحرب وضعا خطرا. فقد تحولت من قوة إقليمية إلى دولة تواجه خطر التفكك الداخلي، وسط صراع بقاء حاد للنظام أمام غضب شعبي عارم وانهيار اقتصادي لا يمكن احتواؤه”، يؤكد الشمري.

ووفق مواطنين وناشطين إيرانيين تحدثوا لـ”الحرة”، يزيد الحضور العسكري الكثيف في شوارع إيران، إلى جانب عسكرة المدن ونشر الأسلحة والمسلحين في المناطق والمباني الحيوية وبين المدنيين، من وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية على الحياة اليومية.

فالوصول إلى العمل أو السوق، أو زيارة الأقارب، أو مراجعة المستشفيات، بات يتطلب وقتا أطول بسبب نقاط التفتيش والحواجز والدوريات الجوالة، إضافة إلى مسيرات الدعم التي ينظمها الحرس الثوري عبر قوات الباسيج، ضمن ما يصفه بـ”الدفاع المقدس”.

ويلفت الأمين العام لمركز بلوشستان للمناصرة والدراسات، قمبر مالك، الى  أن النظام الإيراني يخشى بشدة من انتفاضة شعبية في ظل الظروف الراهنة، مشيرا الى أنه من الصعب للغاية للنظام مواجهة جبهتين في آن واحد، جبهة خارجية واضطرابات داخلية.

ويرى مالك أن عدم خروج الايرانيين في انتفاضة ضد النظام خلال الحرب ناجم عن أن الإيرانيين يرون الاحتجاجات المتكررة وحدها لن تُسقط النظام، بل قد تؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا المدنيين، خاصة في ظل غياب الوحدة بين جماعات المعارضة في الخارج الامر الذي وضع عامة الناس وخاصة الشباب داخل البلاد، في حالة من الإحباط واليأس.

ويقول مالك لـ”الحرة” إن ما قد يدفع الإيرانيين نحو ثورة واسعة هو فرض عقوبات دولية شاملة على النظام، وهو ما تخشاه السلطات بشدة، لأنها قد تصبح عندها عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الاقتصادية والصحية للسكان، أو دفع رواتب موظفي القطاع العام، أو تمويل الميليشيات التابعة لها.

ويؤكد مالك أن المعلومات التي ترد إليه من ناشطين داخل إيران، إلى جانب متابعته للأوضاع الداخلية، تشير إلى تنامي الغضب الشعبي من الظروف المعيشية الصعبة، ومن سياسات الحرس الثوري وأنماط الحياة المترفة التي تتمتع بها عائلات المسؤولين، في وقت يعاني فيه الشباب الإيراني من وطأة الفقر.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading