بعد الصدمة.. رسائل من الخليج لطمأنة الأسواق

صورة أرشيفية: منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء، الرياض، السعودية، 28 مايو 2025. رويترز/حمد آي محمد/صورة أرشيفية.

في ظل حالة “لا حرب ولا سلم” بين الولايات المتحدة وإيران، تحاول دول الخليج استئناء نشاطها الاقتصادي. فخلال أسابيع قليلة، أعلنت حكومات المنطقة حزما استثمارية، واتفاقيات عابرة للحدود، وتعديلات تنظيمية جديدة، في محاولة واضحة لإظهار أن الحرب لم تكسر زخم اقتصاداتها، ولم تبدد قدرتها على جذب رؤوس الأموال.

ولا تبدو هذه التحركات مجرد عودة طبيعية إلى مزاولة الأعمال الاقتصادية بعد انحسار التوتر، بل محاولة لإرسال رسالة إلى الأسواق، مفادها أن الخليج لا يزال قادرا على امتصاص الصدمات، ومواصلة مشاريعه الكبرى، والحفاظ على صورته كمنطقة آمنة نسبيا للاستثمار، رغم الحرب وتداعياته المباشرة على الدول الخليج ذاتها.

يقول الاقتصادي الكويتي، الدكتور علي العنزي، إن العودة السريعة بعد الهدنة تعكس حرص دول الخليج على منع التوترات الجيوسياسية من إعادة تشكيل صورتها الاقتصادية. ويرى أن التحركات الأخيرة تحمل إشارات واضحة للأسواق العالمية بشأن قدرة المنطقة على الاستمرار في تنفيذ مشاريعها، وضمان تدفقات رؤوس الأموال.

وتأتي هذه التحركات في وقت أظهرت فيه بيانات حديثة تباطؤا في نمو الربع الأول من عام 2026، مدفوعا بتداعيات الحرب وتراجع الأنشطة غير النفطية، ما يكشف حساسية اقتصادات الخليج لأي اهتزاز طويل في الثقة أو الاستثمار.

ويقول العنزي إن استعادة الثقة لا تنفصل عن مسارات التحول الاقتصادي في المنطقة، من رؤى 2030 و2040 إلى توسع قطاعات التجارة والسياحة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دول مثل الإمارات وقطر والكويت. وهذه القطاعات، يضيف، تحتاج إلى الاستقرار، وتدفقات استثمارية مستمرة، وإنفاق رأسمالي لا يتوقف عند أول أزمة.

من جانبه، يرى الاقتصادي العماني، خلفان الطوقي، أن دوافع هذا التسارع لا تقتصر على تعويض خسائر الحرب، بل تتصل أيضا بترميم السمعة الاقتصادية لدول المنطقة بعد صدمة لم تكن محدودة. ويقول إن بعض النماذج الاقتصادية البارزة، مثل دبي، تأثرت بدرجات متفاوتة، ما جعل إعادة التموضع الاقتصادي والسياسي مسألة عاجلة.

ويضيف الطوقي أن دول الخليج تحاول الاستفادة من الأزمة كفرصة لإعادة ترتيب أولوياتها، مشيرا إلى أن الضرر في مثل هذه الحالات يبقى قائما، لكن الفارق يكمن في سرعة التعافي وإدارة الخسائر.

وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد توقع أن تسجل اقتصادات مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك قطر والسعودية والإمارات، انكماشا في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 5.2 و8.5 في المئة، بما يعادل خسائر بين 103 مليارات و168 مليار دولار.

كما خفضت أوكسفورد إيكونوميكس توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول المجلس لعام 2026 بنحو 4.6 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات ما قبل الحرب، ليتحول النمو المتوقع إلى سالب 0.2 في المئة، نتيجة تراجع إنتاج النفط والصادرات والسياحة.

وخلال فترة قصيرة، أخذت أكثر من دولة خليجية خطوات اقتصادية ملحوظة. دخلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين الإمارات وكوريا الجنوبية حيز التنفيذ، وعدلت دبي شروط إقامة المستثمر العقاري، وأطلقت الإمارات برنامجا لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد. كما بحثت أبوظبي أطر تعاون مع روسيا لإنشاء بورصة حبوب ضمن مجموعة “بريكس”، في مؤشر إلى تزايد الاهتمام بالأمن الاقتصادي وضمان استدامة الإمدادات.

وفي السعودية، أعلنت الرياض إعادة توجيه جزء أكبر من استثمارات صندوق الاستثمارات العامة نحو الداخل، ضمن استراتيجية تركز على تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط.

وبرزت تحركات في قطاع الطاقة في الكويت، شملت ترتيبات تمويلية بمليارات الدولارات مرتبطة بشبكة أنابيب النفط، إلى جانب مناقشات بشأن بيع حصة في هذه الأصول.

أما في قطر، فأقر مركز قطر للمال حزمة تدابير لدعم الشركات المسجلة لديه، شملت تمديد المواعيد النهائية لتقديم البيانات المالية المدققة، وتطبيق آليات مرنة لتعديل جداول الإقرارات الضريبية، وتوفير ترتيبات مؤقتة لمساحات عمل مخصصة للشركات الناشئة، بهدف تمكينها من مواصلة أنشطتها خلال الظروف الاستثنائية.

هذه الخطوات، رغم اختلافها من دولة إلى أخرى، هدفها استعادة الإيقاع الاقتصادي بسرعة، ومنع الحرب من التحول إلى عامل طويل الأمد في حسابات المستثمرين.

يقول الاقتصادي السعودي، عبدالله الجبلي، إن التعافي لا يسير بالوتيرة نفسها في كل دول الخليج، بسبب تفاوت حجم التأثر بالحرب واستمرار بعض التحديات المرتبطة بخطوط الملاحة. لكنه يشير إلى أن السعودية لعبت دورا في دعم استقرار أسواق الطاقة عبر تشغيل خط شرق-غرب بكامل طاقته خلال فترة التصعيد.

ويرى الجبلي أن دول الخليج اختارت خلال الحرب نهجا دفاعيا، وتجنبت الانخراط في عمليات هجومية، بهدف الحفاظ على ثقة المستثمرين الأجانب وتفادي أي إشارات قد تُفهم على أنها مخاطرة برؤوس الأموال.

ويضيف أن مسارات التحول الاقتصادي، خاصة في السعودية، أظهرت قدرا من التماسك خلال فترة التوتر. ويستشهد بأداء سوق الأسهم السعودي، الذي لم يسجل تراجعات ممتدة، بل هبط في بداية الأحداث قبل أن يعاود الارتفاع بنحو 1200 إلى 1400 نقطة من أدنى مستوياته، في مؤشر إلى استمرار الثقة بالسوق، بحسب قوله.

ومع عودة النشاط الاقتصادي، يبرز سؤال قديم: هل تدخل دول الخليج مرحلة جديدة من التنافس الاقتصادي بعد الهدنة، أم أن الأزمة ستدفعها إلى مزيد من التكامل؟

يقول الجبلي إن العلاقة بين السعودية والإمارات لا يمكن وصفها بأنها تنافس اقتصادي بحت، بل تندرج في إطار تكاملي تحكمه المصالح المشتركة داخل نطاق جغرافي واحد، رغم وجود اختلافات في بعض الملفات السياسية.

ويضيف أن المرحلة الحالية قد تشهد نوعا من الفتور، لكنها لا تصل إلى مستوى القطيعة، مرجحا أن تنعكس أي عودة للنشاط السياسي إيجابا على النشاط الاقتصادي بين دول المنطقة.

في المقابل، يرى العنزي أن المرحلة المقبلة قد تحمل ملامح عودة أوضح للتنافس الاقتصادي الخليجي، خصوصا بين السعودية والإمارات، باعتبارهما من أكبر الاقتصادات في المنطقة. لكنه لا يرى هذا التنافس بالضرورة مؤشرا سلبيا، بل تعبيرا عن رغبة كل دولة في تثبيت موقعها كوجهة أكثر أمانا وجاذبية للاستثمار بعد الأزمة.

ويشير إلى أن ملفات الطاقة والاستثمار قد تتحرك بوتيرة أسرع في الفترة المقبلة، مع سعي بعض الدول إلى تعويض تراجع الإيرادات النفطية وآثار الحرب على قطاعاتها الاقتصادية.

أما الطوقي فيرى أن التنافس الاقتصادي الخليجي سيعاد تشكيله، لا إلغاؤه. فبعض القطاعات ستشهد منافسة، بينما ستفرض قطاعات أخرى قدرا أكبر من التكامل.

ويستشهد بمشاريع إقليمية طُرحت سابقا بين سلطنة عمان وعدد من دول الخليج، بينها مشروع أنبوب نفط يربط هذه الدول بميناء الدقم العماني، الذي يتمتع بموقع استراتيجي خارج نطاق التوتر في مضيق هرمز.

ويقول الطوقي إن هذه المشاريع لم تحصل سابقا على أولوية كافية، بسبب افتراض استمرار الملاحة عبر مضيق هرمز من دون انقطاع كبير. لكن التطورات الأخيرة قد تدفع دول الخليج إلى إعادة النظر في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، ومنحها اهتماما أكبر.

في النهاية، لا تبدو الهدنة نهاية للأزمة بقدر ما تبدو بداية اختبار جديد لدول الخليج. فالحرب كشفت هشاشة بعض المسارات، لكنها دفعت أيضا الحكومات إلى التحرك بسرعة لتثبيت الثقة، وحماية صورتها الائتمانية، وإقناع المستثمرين بأن المنطقة لا تزال قادرة على العمل حتى في ظل التوتر.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading