مستشار الأمن القومي العراقي يتحدث لـ”الحرة” عن الحرب والشرع ودول الخليج

في بغداد، حيث تتقاطع حسابات واشنطن وطهران ودول أخرى في المنطقة، بدا مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، حريصا على إعادة التأكيد على رسالة محددة: العراق لا يريد أن يكون ساحة لحروب الآخرين.

خلال مقابلة مع قناة “الحرة”، تحدث الأعرجي عن حساسية اللحظة التي تمر بها بلاده والمنطقة عموما. فالعراق، الذي يتشارك حدودا طويلة مع إيران، ويرتبط في الوقت نفسه بعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، يجد نفسه مرة أخرى في قلب صراع إقليمي مفتوح.

الأعرجي، القيادي السابق في منظمة بدر، بدأ مساره السياسي بعد عام 2003 من الحكومة المحلية في محافظة واسط، قبل أن يصبح نائبا في البرلمان لثلاث دورات، ثم وزيرا للداخلية في حكومة حيدر العبادي، وصولا إلى منصبه الحالي مستشارا للأمن القومي منذ عام 2020.

ورغم خلفيته السياسية المرتبطة بقوى يُنظر إليها تقليديا على أنها قريبة من إيران، تحدث الأعرجي خلال المقابلة عن سعي العراق لإبقاء نفسه خارج صراعات المنطقة، من دون أن يقطع صلاته بأي من أطرافها، أو يسمح بتحول أراضيه إلى منصة للهجمات وتصفية الحسابات.

كانت إحدى أكثر القضايا حساسية تلك المتعلقة باتهامات خليجية بأن صواريخ وطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه دول في الخليج.

لم يقلل الأعرجي من أهمية مخاوف تلك الدول، بل تحدث بلغة حذرة عن “عتب” و”زعل بين الأشقاء”، مؤكدا أن بغداد طلبت من هذه الدول تزويدها بالأدلة والإحداثيات الدقيقة لتحديد المسؤولين عن تلك الهجمات. لكن اللافت في حديثه كان إقراره بأن السلطات العراقية اعتقلت بالفعل أشخاصا يشتبه بتورطهم في هذه الهجمات، وأن التحقيقات ما زالت مستمرة. ومع ذلك، قال إن دول الخليج لم تقدم، حتى الآن، أدلة تساعد بغداد على استكمال المسار الأمني والقانوني.

في الملف الإيراني-الأميركي، قال الأعرجي إن العراق لن يقف مع طرف ضد آخر. إيران جارة تمتد الحدود معها لأكثر من 1400 كيلومتر، والولايات المتحدة شريك مهم ساعد العراق في الحرب ضد تنظيم داعش. وبين هذين الطرفين، تحاول بغداد أن تبقي مسافة سياسية وأمنية كافية لتجنب الانزلاق إلى مواجهة لا تريدها.

وقال الأعرجي إن العراق لا يريد أن يكون “ساحة حرب”، بل “ساحة تواصل”. وهي عبارة تختصر، إلى حد بعيد، المقاربة التي يحاول العراق تسويقها منذ سنوات: بلد يتوسط بين المتخاصمين. لكنه لا يملك دائما الأدوات الكافية لمنع امتداد صراعاتهم إلى أراضيه.

وفي جانب آخر من المقابلة، سعى الأعرجي إلى إبراز صورة مختلفة للعراق؛ ليس بوصفه بلدا يتلقى المساعدة الأمنية فقط، بل بوصفه شريكا موثوقا في الحرب الدولية على الإرهاب. وكشف أن بغداد ساعدت ألمانيا قبل عامين في إحباط هجوم إرهابي كان يستهدف بطولة أمم أوروبا، بعد تزويد الأجهزة الألمانية بمعلومات عن خلية متشددة.

بالنسبة للأعرجي، يمثل ذلك دليلا على تحول في موقع العراق داخل المنظومة الأمنية الدولية: من دولة كانت في قلب الحرب على الإرهاب، إلى دولة تقدم معلومات تساعد على منع هجمات إرهابية في دول تبعد عنها آلاف الأميال.

لكن العبء الأمني الأكبر يبقى، بحسب حديثه، مرتبطا بملف تنظيم داعش. فقد كشف الأعرجي أن العراق تسلم 5704 مقاتلين مرتبطين بالتنظيم من سوريا، ينتمون إلى 52 دولة، بينهم قيادات بارزة. وقال إن غالبية هؤلاء من سوريا، وإن التعامل مع هذا الملف لا يمثل مسؤولية عراقية فقط، بل جزءا من الدفاع عن المجتمع الدولي. وأشار إلى أن العراق يتحمل عبئا أمنيا يتجاوز حدوده، وينتظر اعترافا أكبر بهذا الدور، وربما مساعدة أوسع في التعامل مع تداعياته.

أما في الملف السوري، فقد تحدث الأعرجي عن احترام “إرادة الشعب السوري” والاستعداد للتعاون مع حكومة أحمد الشرع.

وردا على سؤال بشأن ماضي الشرع، وما إذا كان مطلوبا للسلطات العراقية، قال الأعرجي: “لا توجد لدينا مشكلة حاليا مع رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع، وليس لديه أي ملف في العراق”. وبذلك أوضح أن بغداد لا تتعامل معه بوصفه مطلوبا لديها في هذه المرحلة.

في المقابل، بدا الملف التركي وحزب العمال الكردستاني أكثر حساسية. فقد أكد الأعرجي أن الحزب ما زال موجودا في جبال قنديل وسنجار، وأن الحكومة العراقية تريد “تطهير الأراضي العراقية من أي وجود أجنبي مسلح”. وهو موقف يعكس محاولة بغداد الموازنة بين رفض استخدام أراضيها من قبل جماعات مسلحة، وبين رفض استمرار العمليات العسكرية التركية داخل العراق.

لكن الأعرجي لم يحاول التكتم على هشاشة الوضع العراقي الأمني في العراق. “الأجواء العراقية مستباحة،” يقول.

وتحدث عن طائرات أميركية وإسرائيلية وأخرى آتية من جهات مختلفة إلى أجواء العراق، وعن صعوبة تحديد الجهات التي تقف خلف بعض الضربات أو مسارات انطلاقها.

وفي ملف أقل حضورا في النقاش العام، تحدث الأعرجي عن عراقيين يقاتلون في الحرب الروسية الأوكرانية. وقال إن السلطات العراقية اعتقلت أشخاصا متورطين في تجنيد شبان عراقيين للقتال مقابل المال، مؤكدا وجود قتلى وأسرى عراقيين على الجبهة الأوكرانية، وأن الحكومة تعمل على إعادتهم.

أما في قضية الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون، التي اختطفت في بغداد في 31 مارس 2026 ثم أطلق سراحها بعد أسبوع، فقد نفى الأعرجي وجود “صفقة” أو “مقايضة”، مؤكدا أن الحكومة العراقية أصرت على إطلاق سراحها “من دون شروط مسبقة”.

مصطفى سعدون
مصطفى سعدون صحافي عراقي عمل في مؤسسات إعلامية دولية وعربية عديدة. يُركز في كتاباته على السياسة وحقوق الإنسان.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading