في جنوب لبنان، لم يعد الصباح يبدأ بصوت المنبّه، بل بصورة.
صورة تُفتح على عجل على الهاتف، يتوسطها مستطيل أحمر يطوّق أسماء بلدات يعرف أهلها جيداً أن ظهورها هناك يعني ساعات من الهرب والانتظار والخوف. وفي أعلى الصورة، تتصدر عبارة “إنذار عاجل” المشهد بخط صارخ يكفي وحده لرفع مستوى القلق داخل البيوت.
منذ الصباح، تمتد الأيدي نحو الهواتف. تطبيق “إكس” أولاً، ثم حساب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي. بعدها تبدأ عملية البحث المرتبكة بين الخرائط والإحداثيات وأسماء القرى.
بالنسبة لسكان الجنوب والبقاع الغربي، أصبحت الحرب تُقاس بعدد الإنذارات التي يطلب فيها الجيش الإسرائيلي من السكان “إخلاء القرى والبلدات والابتعاد لمسافة لا تقل عن ألف متر حرصاً على سلامتهم”، محذّراً من أن “كل من يتواجد بالقرب من عناصر حزب الله ومنشآته ووسائله القتالية يعرّض حياته للخطر”.
عشرات البلدات الجنوبية شهدت، خلال الأسابيع الماضية، تحذيرات إخلاء وموجات نزوح.
سمر، وهي أم لثلاثة أطفال تعيش في قضاء صيدا، تقول إن علاقتها بالهاتف تغيّرت بالكامل. كان وسيلة لتمضية الوقت، ثم تحوّل تدريجياً إلى ما يشبه جهاز إنذار متنقل.
“مع كلّ إشعار يصل إلى هاتفي، أفتحه وأنا خائفة”، تقول، فيما تحاول أن تُبقي صوتها ثابتاً.
“لا أبحث عن السياسة ولا عن الأخبار، كل ما أبحث عنه هو ما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد نشر إنذاراً جديداً. أخاف أن أرى اسم بلدتنا” تضيف.
داخل منزلها، لم تعد الأشياء تُرتّب كما في السابق. حقائب جاهزة للرحيل. حتى ألعاب الأطفال لم تعد تعود بالكامل إلى أماكنها، كأن البيت نفسه يعيش على احتمال الرحيل.
“تعبنا. نحن فقط نحاول أن نعيش”، تقول بصوت منخفض.
في الجنوب كما في البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، يعرف الناس جيداً كيف تغيّر كل شيء منذ اللحظة التي بدأت فيها الصواريخ تُطلق عبر الحدود تحت عنوان “إسناد إيران”. حينها بدأ النزوح، قبل أن تبدأ إنذارات الإخلاء التي تمددت تدريجياً من القرى الحدودية إلى شمال الليطاني، ثم نحو شمال الزهراني.
“أبو علي”، وهو رجل ستيني نزح من النبطية إلى بيروت، يقول إن أكثر ما يرهقه ليس النزوح وحده، بل الإحساس بأن حياته كلها باتت مرتبطة بقرارات لا يملك أي قدرة على التأثير فيها. يقول: “في النهاية نحن من خسر بيوته. نحن من ترك أشغاله وأرضه”.
في أحد مقاهي بيروت، كان الحديث يدور حول الكهرباء وازدحام السير، قبل أن يهمس أحد الجالسين فجأة “أدرعي نشر“.
خلال ثوانٍ، انخفضت الرؤوس نحو الهواتف. لم يسأل أحد عن عدد القتلى هذه المرة، ولا عن مكان الغارة.
السؤال الوحيد كان “أي بلدات؟”. ساد صمت قصير. بعدها قال رجل خمسيني نازح من صور، وهو يطفئ سيجارته ببطء “كل يوم تقترب أكثر”.
أحياناً، تكفي صورة واحدة لتفريغ عشرات البلدات خلال دقائق.
بعدها يبدأ كل شيء دفعة واحدة: اتصالات متلاحقة، أمهات يجمعن الملابس على عجل، رجال يحملون أكياساً وأدوية ووثائق، سيارات تملأ الطرقات، وأطفال يسألون “إلى أين سنذهب الآن؟”.
“أبو حسن”، النازح من بلدة حبوش، يجلس داخل متجر صغير يملكه أحد أقاربه في بيروت، فيما لا يفارق هاتفه يده. قبل أسابيع، كان يعتقد أن بلدته بعيدة نسبياً عن دائرة الخطر. لكن كل شيء تبدّل يوم الإنذار.
يقول إن الخبر وصله عبر مجموعة واتساب، تبعتها اتصالات متلاحقة بين الأقارب والجيران. خلال دقائق، تحوّل هدوء المنزل إلى حركة مرتبكة وسريعة. “صرخت لزوجتي: جهّزي الأولاد”، يقول.
بدأوا يجمعون ما استطاعوا حمله: بعض الملابس، الأدوية، الأوراق الثبوتية، وشواحن الهواتف. ابنته الصغيرة كانت تبكي لأنها لم تفهم لماذا يُطلب منها مغادرة غرفتها بهذه السرعة، فيما كان ابنه يتنقل بين الغرف مرتبكاً، يحاول أن يأخذ معه أشياء لا يعرف إن كان سيحتاجها أو سيراها مجدداً.
في الخارج، كانت السيارات تملأ الطرقات. أصوات المحركات تختلط بالمكالمات المرتفعة، والقرية كلها تتحرك دفعة واحدة.
يقول” أبو حسن” إن الطريق إلى بيروت استغرقت ساعات طويلة بسبب الزحمة والخوف. “لم يكن أحد يعرف إلى أين يذهب فعلاً”، يقول. “كل الناس كانت تهرب فقط”.
قبل الحرب، كان “أبو حسن” يدير موسماً زراعياً صغيراً ويحاول التمسك بحياة مستقرة رغم الانهيار الاقتصادي. اليوم، يقول إن كل ما بناه خلال سنوات توقف عقب إنذار واحد.
في بيروت، استقبله أحد أقاربه داخل شقة صغيرة مكتظة أساساً بسكانها. خلال أيام، امتلأت الغرف بالحقائب والفرش والوجوه المتعبة. الأطفال ينامون متلاصقين على الأرض، فيما يتابع الكبار الأخبار والخرائط بصمت ثقيل.
“تشعر أنك أصبحت عبئاً حتى على الناس الذين فتحوا لك بيتهم”، يقول بصوت منخفض. يضيف: “لكن ماذا نفعل؟ لا بيت نعود إليه، ولا مكان آخر نذهب إليه”.
في العاصمة، تبدو الحرب أحياناً بعيدة لمن يشاهدها عبر الشاشات. لكن في الأحياء التي استقبلت آلاف النازحين، يمكن رؤية الجنوب في التفاصيل الصغيرة: مدارس تحوّلت إلى مراكز إيواء، شقق امتلأت بعائلات إضافية، وازدحام يومي يزداد ثقلاً مع كلّ موجة نزوح جديدة.
في شقة صغيرة بمنطقة الطريق الجديدة، تعيش عائلة مؤلفة من تسعة أشخاص داخل غرفتين منذ أشهر. “أم محمد”، التي نزحت من صور، تقول إن أصعب ما في النزوح ليس الخوف من القصف، بل الشعور بأن الحياة كلها أصبحت مؤقتة.
“صرنا نعيش على أعصابنا”، تقول وهي ترتب أغطية موضوعة فوق الأرض. “حتى ونحن في بيروت، لا نشعر أننا بأمان. كلّما نزل إنذار جديد، نشعر أن الجنوب كله يركض معنا إلى هنا”.
تقول إن أبناءها لم يعودوا يسألون متى تنتهي الحرب. صار سؤالهم الوحيد “متى نرجع إلى البيت؟”.
بعد إعلان الهدنة، عادت عائلات كثيرة إلى منازلها، لكنها لم تعد بشعور الاستقرار. عادت بخوف ثقيل يشبه انتظاراً دائماً لشيء قد يحدث في أي لحظة.
في الغازية، التي تعرضت سابقاً لغارات، تقول امرأة عادت مع أطفالها بعد نزوح إن أبناءها لم يستعيدوا علاقتهم الطبيعية بالمنزل. “الأطفال تعبوا. ونحن تعبنا أكثر”، تقول.
اليوم، يعيش من بقي من سكان الجنوب على الانتظار.
انتظار الإنذار التالي.
الخريطة التالية.
البلدة التالية.
أكثر ما يمكن أن تبلغه آمالهم هو ألا يجدوا أسماء قراهم داخل المستطيل الأحمر التالي.



