سيحظى الرئيس دونالد ترامب، الذي يصل إلى بكين مساء الأربعاء في أول زيارة دولة له خلال ولايته الثانية، باستقبال ملكي كامل: مراسم استقبال صباح الخميس، وجولة في معبد السماء بعد الظهر، ومأدبة رسمية مساءً، وغداء عمل مع الرئيس الصيني شي جين بينغ يوم الجمعة.
تنظيم برنامج الزيارة دقيق للغاية، ولكن جدول الأعمال متواضع. لقد صُممت القمة لتكون اجتماعًا مُعدًّا بعناية بين أقوى زعيمين في العالم.
الإشارات الصادرة من العاصمتين خلال الأسبوع الماضي تسير في الاتجاه نفسه: هذا الاجتماع يأتي لتحقيق الاستقرار في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، لا لإحداث اختراقات جديدة فيها.
وقالت نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي للصحفيين يوم الأحد إن الزيارة ستحمل “أهمية رمزية هائلة” وتركز على “إعادة توازن العلاقة”. وأضاف مسؤول رفيع آخر في الإدارة أن “كلا الجانبين يريد الاستقرار”، عندما سُئل عما إذا كانت الهدنة التجارية التي تم التوصل إليها في قمة بوسان في أكتوبر الماضي سيتم تمديدها هذا الأسبوع. تلك الهدنة، التي أُبرمت على هامش اجتماع منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك” في كوريا الجنوبية، أوقفت أسوأ مراحل التصعيد الجمركي بين الاقتصادين، وكانت أول لقاء مباشر بين ترامب وشي خلال الولاية الثانية لترامب.
ويبدو أن مسؤولي إدارة ترامب يخفضون سقف التوقعات التي ربما رفعها الرئيس نفسه بتصريحات وصف فيها اللقاء بأنه “قد يكون تاريخيًا”. وقد أثار ذلك بعض القلق من أن ترامب، على سبيل المثال، قد يبدي بعض اللين في الموقف الأميركي إزاء تايوان، الحليف الديمقراطي للولايات المتحدة والجزيرة التي تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها، مقابل الحصول على مساعدة في ملف إيران.
لكن ضيق الوقت المتاح للقمة والإحاطات التي قدمها مسؤولو الإدارة بشأن القمة يشيران إلى أنه من غير المرجّح أن يحدث أي تغيير في سياسات البلدين.
أما الرسالة القادمة من بكين فكانت متسقة أيضًا منذ أسابيع. فقد أشار وزير الخارجية وانغ يي إلى أن الرسائل المتبادلة مؤخرا بين ترامب وشي كانت إيجابية، وابتعد الإعلام الرسمي الصيني عن نبرة المواجهة المألوفة.
هذا لا يعني أن العلاقة هادئة. فكلا الزعيمين يختار ببساطة إدارة الاحتكاك بدل التظاهر بعدم وجوده.
الوفد المرافق من رؤساء أكبر الشركات يعطي ذات الانطباع. فقد ذكرت وكالة رويترز أن البيت الأبيض سيصطحب رؤساء شركات إنفيديا وآبل وكوالكوم وسيتي غروب وبوينغ، إلى جانب كبار منتجي لحوم الأبقار وفول الصويا. وتكشف هذه القائمة الكثير — الرقائق، والتمويل، والطيران، والزراعة. فكل هذه الشركات تضررت من النزاع التجاري وستستفيد من تخفيف التوتر. تراجعت مبيعات إنفيديا في الصين بسبب ضوابط التصدير الأميركية. وتأمل بوينغ باستلام أول طلب صيني كبير منذ 2017. وتعد الصين أكبر سوق لآبل وكوالكوم. هذا ليس وفدًا لمواجهة بكين، بل للتعامل التجاري معها.
يريد الزعيمان الحفاظ على العلاقة. ترامب يحتاج إلى مخرج من حرب إيران وعنوان سياسي خارجي إيجابي بعد ربيع صعب. وشي يحتاج إلى إبقاء واشنطن مستقرة بينما يمتص الاقتصاد الصيني صدمة حرب إقليمية خفضت واردات الصين من النفط الخام من الخليج بنسبة 25 بالمئة على أساس سنوي في آذار / مارس. لا مصلحة لأي منهما في مواجهة علنية.
رهانات الخليج
هذا لا يجعل القمة غير مهمة للشرق الأوسط. بل على العكس، توفر أساسًا واضحًا لما ينبغي مراقبته في الأشهر المقبلة.
النتائج الظاهرة ستكون الأسهل: تمديد محتمل لهدنة بوسان التجارية، حيث تسعى بكين لعام كامل وواشنطن لستة أشهر؛ وآلية “مجلس تجارة” طرحها البيت الأبيض لتحديد مجالات المصالح المشتركة مثل مشتريات الزراعة؛ وطلب طال انتظاره من بوينغ، ربما يشمل 500 طائرة 737 ماكس إضافة إلى طائرات عريضة البدن؛ وربما إعلان بشأن المعادن الأرضية النادرة. لا شيء من ذلك سيعيد تشكيل المنطقة.
العمل الحقيقي سيجري بعيدًا عن الأضواء. فمن المرجح أن تخرج الدولتان من القمة بفهم أفضل لمواقف كل منهما بشأن ثلاث قضايا رئيسية.
القضية الأولى هي إيران، وهنا يبدأ إطار “الاستقرار” في التآكل. منذ أبريل، يدفع ترامب باتجاه أمرين: التزام صيني بعدم تسليح طهران إذا استؤنف القتال، ومساعدة صينية في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. وقد كتب إلى الرئيس الصيني شي الشهر الماضي طالبًا الأمرين، وقال علنًا إنه تلقى ضمانات بشأن مسألة الأسلحة.
وظهر وزير الخزانة سكوت بيسنت على قناة فوكس نيوز الأسبوع الماضي واتهم الصين بشراء 90 بالمئة من نفط إيران و“تمويل أكبر راعٍ للإرهاب في العالم”. وقبل القمة بأيام، فرضت الإدارة عقوبات على ثلاث شركات أقمار صناعية صينية لتوفيرها صورًا مكّنت إيران من استهداف قوات ومواقع أميركية. وقال مسؤول رفيع في إحاطة قبل القمة إن ترامب سيقوم “بممارسة ضغط” على شي بشأن هذه القضايا خلال المحادثات.
ويبقى السؤال ما إذا كان هذا الضغط سيُنتج شيئًا ملموسًا. إعادة تأكيد علنية من شي على تعهد عدم التسليح ستمنح ترامب إنجازًا يعود به. أما إذا جاء البيان مليئًا بلغة “حوار بنّاء”، فستكون بكين قد احتفظت بأوراقها دون تقديم تنازلات تُذكر.
وتشكل زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بكين في 6 مايو مؤشرًا مهمًا. فقد ذهب عباس عراقجي لأن طهران استنفدت كل الأبواب التي يمكن أن تطرقها. روسيا لا تتحرك، وباكستان بلغت سقفها الدبلوماسي، ولا دولة خليجية ستدافع عن إيران. استقبلت بكين اللقاء لأنه بلا كلفة، واستغل وانغ يي اللحظة للدعوة علنًا إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق. الصين لا تصطف لإنقاذ طهران، بل تحاول أن تكون مفيدة لواشنطن قبل القمة.
التكنولوجيا وتايوان
القضية الثانية هي صراع التكنولوجيا، وهذه تتعلق بمنطقة الخليج مباشرة. إذ تطلب بكين، بحسب التقارير، من ترامب الإعلان عن تخفيف ضوابط التصدير الأميركية على معدات تصنيع الرقائق والخوادم المتقدمة، مع تعهد بعدم فرض قيود جديدة مستقبلًا. مراكز الذكاء الاصطناعي في الرياض وأبو ظبي تقع في قلب هذا التوازن. فقد أمضت الحكومتان ثلاث سنوات في بناء منظوماتهما التقنية على مزيج من المكونات الأميركية والصينية. وإذا استبدل ترامب تخفيف القيود التقنية بتعاون صيني في ملف إيران، سيحصل الخليج على هامش تنفس قصير المدى وغموض طويل المدى بشأن من يحدد قواعد قطاعه التكنولوجي.
أما القضية الثالثة فهي تايوان، وهنا يمتلك شي أكبر فرصة للربح. فقد أقرت الولايات المتحدة منذ زمن بتميّز تايوان عن جمهورية الصين الشعبية مع تجنب دعم صريح لاستقلالها — صيغة غامضة متعمدة حافظت على السلام لعقود. هدف بكين في هذه القمة، بحسب دبلوماسيين وخبراء، هو دفع ترامب لتغيير هذه الصيغة من “لا ندعم استقلال تايوان” إلى “نعارض استقلال تايوان”. قد يبدو التغيير طفيفًا، لكنه ليس كذلك. والمخاوف في العواصم الآسيوية والأوروبية لا تتعلق فقط بطلب شي، بل بإمكانية أن يبادل ترامب هذا الموقف مقابل مساعدة في ملف إيران. بالنسبة للخليج، ليست القضية تايوان بحد ذاتها، بل ما الذي يعنيه هذا التنازل بشأن كيفية تقييم واشنطن لالتزاماتها الأمنية الأخرى. فإذا كان بالإمكان إعادة صياغة سياسة أميركية استمرت عقودًا لتحقيق مكسب قصير الأمد في هرمز، فستستخلص الرياض وأبو ظبي استنتاجاتهما الخاصة بشأن قيمة شراكتهما مع واشنطن.
ويوضح “مرصد النفوذ الصيني” التابع لـ MBN أين تكمن رهانات بكين الحقيقية. فقد بلغ حجم تجارة الصين مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 510.2 مليار دولار في عام 2025، وهو ما يعادل نحو ضعفي حجم تجارة الولايات المتحدة مع المنطقة. وتبلغ تجارة الصين مع دول مجلس التعاون الخليجي الست نحو 30 ضعف تجارتها مع إيران. وقد أدانت بكين الهجمات الإيرانية على دول الخليج خلال الحرب، وفي الأسبوع نفسه انضمت إلى روسيا في استخدام الفيتو ضد مشروع قرار في مجلس الأمن قدمته البحرين بشأن الملاحة في هرمز. لقد تم الاختيار بين إيران والخليج قبل وقت طويل من هذه القمة.
ما ستشير إليه أحداث هذا الأسبوع هو أن أكبر قوتين من خارج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتزمان تنسيق مصالحهما بدل التصادم حولها، على الأقل في الوقت الراهن. قد لا يكون ذلك نتيجة مفاجئة، لكنه الإطار الذي ستعمل ضمنه المنطقة بقية العام.
هذا المقال مترجم عن العربية.
مين ميتشل
مين ميتشل شغلت سابقاً منصب رئيسة ومديرة تنفيذية لـ Frontline Media Fund وكانت أيضاً المديرة التنفيذية للتحرير في راديو آسيا الحرّة (Radio Free Asia).


