العراق.. الزيدي يبدأ ولايته من دون حلفاء إيران

منذ ساعات الصباح الأولى، بدت المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد على غير عادتها. أُغلقت الطرق المؤدية إليها بالكامل، واقتصر الدخول على حاملي البطاقات الخاصة، فيما انتشرت قوات أمنية إضافية في محيطها تحسبا لأي طارئ، بالتزامن مع جلسة التصويت على حكومة علي الزيدي.

الإغلاق الأمني لم يكن إجراءً روتينيا فقط، بل عكس حجم التوتر السياسي الذي سبق الجلسة. فالعراق، بعد أشهر طويلة من الانسداد والصراع بين القوى السياسية، كان على موعد مع واحدة من أكثر جلسات البرلمان حساسية منذ سنوات.

داخل المنطقة الخضراء وخارجها، استمرت الاجتماعات حتى الساعات الأخيرة قبل انعقاد الجلسة. قادة كتل يدخلون ويخرجون من مقار الأحزاب، واتصالات متواصلة بينهم. عندما بدأت الجلسة أخيرا، لم يكن هناك شعور بأن القوى السياسية ذاهبة نحو اتفاق كامل، بل نحو تسوية مؤقتة تمنع تجاوز المهلة الدستورية المحددة بـ30 يوماً للزيدي من أجل نيل الثقة داخل البرلمان.

منح البرلمان الثقة لـ14 وزيرا من أصل التشكيلة الكاملة، بينما بقيت 9 وزارات معلقة، بينها الداخلية والدفاع والتعليم العالي، في إشارة واضحة إلى أن الخلافات الحقيقية لم تُحسم بعد.

من أصل 14 وزارة تم التصويت عليها، كانت حصة الشيعة 7 وزارات، بينما 3 وزارات للسُنة، ومثلها للأكراد. ومتبقي أربع وزارات للشيعة لم يتم التصويت عليها، أبرزها الداخلية والتعليم العالي، ووزارة للأكراد، وثلاث للسُنة.

وعلى الرغم من أن وزارة النقل كانت من حصة منظمة بدر بزعامة هادي العامري وهي قريبة من إيران، لكن لم يرد أنها من المنظمات المشمولة بالـ”ڤيتو” الأميركي.

ويجري تقاسم المناصب في العراق بناء على مبدأ المحاصصة بين المكونات الرئيسية، الشيعة والسنة والأكراد، وفقا لعدد المقاعد التي يحصلون عليها في الانتخابات العامة.

علي الزيدي، الذي وصل إلى رئاسة الحكومة بوصفه شخصية “تكنوقراط” قادمة من عالم المال والأعمال، بدا خلال الجلسة وكأنه في حيرة من أمره بسبب الضغوط الداخلية والدولية على حكومته. الرجل الذي لم يعرفه العراقيون عبر الخطابات الجماهيرية أو الصراعات الحزبية، وجد نفسه فجأة في قلب أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ النظام السياسي العراقي.

خلت الوزارات التي صوت عليها البرلمان العراقي من أي حصة للجماعات المسلحة الموالية لإيران، رغم حضور زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي الجلسة. والخزعلي وفصيله المسلح مصنف إرهابيا من قبل الولايات المتحدة.

قال مصدر في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم وكان حاضرا في جلسة التصويت على حكومة الزيدي إن “الساعات التي سبقت التصويت شهدت خلافات كبيرة جداً بين القوى السياسية، خصوصا بشأن الوزارات الأمنية والخدمية ذات الموازنات العالية، تحديداً وزارتي الداخلية والنفط”. وأضاف لـ”الحرة” أن “بعض الخلافات لم تنتهِ، وإنما تم تأجيلها فقط”.

وقال أيضاً إن “الكتل وافقت على تمرير جزء من الحكومة مقابل وعود بحسم الوزارات المتبقية بعد عيد الأضحى”.

وقال شخص مقرب من الزيدي قال لـ”الحرة” إن “وزارة الداخلية ما تزال تمثل العقدة الأكبر داخل الإطار التنسيقي، بسبب الصراع بين أكثر من طرف شيعي على المنصب، فيما بقيت وزارة الدفاع رهينة الانقسامات داخل القوى السنية”.

وخلال الجلسة، ظهرت علامات التوتر أكثر من مرة، مع اعتراضات على بعض الأسماء، ومشادات بين نواب من كتل مختلفة، قبل أن تتدخل قيادات سياسية لاحتواء الموقف ومنع انهيار الاتفاق بالكامل.

حضر الجلسة رئيس الجمهورية نزار آميدي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وكذلك رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني وزعامات سياسية أخرى.

ورغم تمرير الحكومة جزئيا، إلا أن المشهد داخل البرلمان لم يكن مشهد انتصار سياسي بقدر ما كان محاولة لتجميد أزمة مفتوحة.

وقال مستشار في حكومة السوداني المنتهية ولايتها إن “جزءا كبيرا من تعقيد المشهد مرتبط بالموقف الأميركي من بعض الفصائل المسلحة المشاركة في العملية السياسية”.

المستشار الذي دخل في جولات تفاوض مع القِوى السياسية ممثلاً عن السوداني، قال لـ”الحرة” إن “بعض الفصائل المسلحة بدأت فعلياً خلال الأيام الماضية البحث عن وساطات إقليمية ومحلية لترتيب أوراقها مع الولايات المتحدة، على أمل العودة للمشاركة في الحكومة أو الحصول على مواقع تنفيذية خلال المرحلة المقبلة”.

بحسب المستشار، فإن هذه الفصائل تدرك أن واشنطن تراقب شكل الحكومة الجديدة بشكل مباشر، خصوصا ما يتعلق بالمناصب الأمنية والاقتصادية”، مشيرا إلى أن “هناك محاولات لفتح قنوات تهدئة غير معلنة عبر وسطاء عراقيين وإقليميين”.

هذا الحراك جاء بعد حديث متصاعد داخل بغداد عن اعتراض أميركي على مشاركة شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة في الحكومة الجديدة، وهو ما دفع “عصائب أهل الحق” إلى عدم المشاركة حتى اللحظة في الحكومة، رغم أنها حصلت على منصب نائب رئيس مجلس الوزراء وإحدى الوزارات. هذا الأمر شمل جماعات شيعية مسلحة أخرى.

وكان متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية قال لـ”الحرة”، الخميس، إن الولايات المتحدة تواصل مراقبة عملية تشكيل الحكومة العراقية عن كثب، وإن “العراق لديه خيار يتعين عليه اتخاذه” في ما يتعلق بمشاركة فصائل مسلحة في الحكومة المقبلة.

وشدد المتحدث على أنه “يجب ألا يكون للميليشيات الإرهابية التابعة لإيران أي دور في مؤسسات الدولة، ويجب ألا تُستخدم أموال الحكومة العراقية لدعم هذه الميليشيات الإرهابية بأي شكل من الأشكال”. وأوضح المتحدث أن الولايات المتحدة “ستقوم بمعايرة نهجها تجاه الحكومة الجديدة على هذا الأساس”.

وفي الخارج، بقي زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر حاضرا رغم غياب تياره عن الحكومة. رسائله الأخيرة بشأن السلاح والفصائل ما تزال تضغط على المشهد السياسي، فيما تخشى قوى عديدة من أن يؤدي أي فشل حكومي جديد إلى عودة الشارع للاحتجاج، خصوصا مع استمرار الأزمات الاقتصادية والخدمية.

أما الزيدي، فيحاول حتى الآن تقديم نفسه كرجل إدارة أكثر من كونه رجل صراع سياسي. في خطابه أمام البرلمان تحدث عن الإصلاح الاقتصادي، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات، وهي عناوين تكررت كثيرا في الحكومات السابقة، لكنها تصطدم اليوم بواقع أكثر تعقيدا وأقل استقرارا.

ومع انتهاء الجلسة، بدأ العراق مرحلة جديدة مع حكومة غير مكتملة، والخلافات أُجلت فقط، والقوى السياسية ما تزال تتعامل مع الوزارات المتبقية باعتبارها معركة نفوذ لا تقل أهمية عن تشكيل الحكومة نفسها.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading