قال مصدر في القصر الجمهوري اللبناني لـ”الحرة” إن الرهان على التوصل إلى وقف إطلاق نار جديد بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائما، رغم استمرار الضربات الإسرائيلية على مواقع تابعة لحزب الله في الجنوب.
وأكد المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن جهود رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام “مستمرة لتحقيق هذا الهدف”، معربا عن أمله في أن يسهم إدراج لبنان ضمن التفاهم الأميركي ـ الإيراني في إعطاء دفع إضافي لمساعي تثبيت التهدئة ووقف الأعمال العسكرية.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تبقى منفصلة عن المسار الأميركي ـ الإيراني، حتى إذا خلق التفاهم بين واشنطن وطهران “مناخاً مساعدا” لتحقيق أهدافها.
ويجري لبنان وإسرائيل، منذ أسابيع، مباحثات مباشرة برعاية أميركية تتعلق بوقف القتال في الجنوب. وتوصل الجانبان، في أكثر من مناسبة، إلى تفاهمات ميدانية، لكن العنف لم يتوقف.
وعلى الأرض، يبدو الموضوع أكثر تشابكا مقارنة بالأجواء السياسية التي رافقت الإعلان عن التفاهم الأميركي ـ الإيراني هذا الأسبوع. فإيران تقول إن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان أيضا، وأن أي اتفاق دائم ينبغي أن يؤدي إلى انسحاب إسرائيلي. في المقابل، تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات في الجنوب، وتعلن اعتراض قذائف أطلقها حزب الله باتجاه قواتها داخل الأراضي اللبنانية.
لكن التفاهم لم ينعكس بعد على الجنوب، حيث تستمر الضربات الإسرائيلية وتبقى عودة النازحين مرتبطة بما سيحدث على الأرض لا بالنقاشات السياسية.
وبشأن المساعي لاتفاق وقف إطلاق نار، يقول الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب إن “الحروب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل أظهرت أن مفهوم وقف إطلاق النار لدى إسرائيل لا يعني وقف العمليات العسكرية بشكل كامل”.
وفي نوفمبر 2024، توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أنهى حربا واسعة استمرت نحو شهرين. وتضمن الاتفاق انسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء آلية دولية لمراقبة الالتزام بالهدنة.
لكن ملاعب يقول لـ”الحرة” إن إسرائيل واصلت، بعد الاتفاق، تنفيذ غارات وعمليات اغتيال واستهداف عناصر من حزب الله، رغم غياب عمليات برية واسعة. ويرى أن لبنان قد يكون أمام مرحلة مشابهة يكون فيها وقف نار سياسي، وعمليات عسكرية محدودة.
وتعزز المواقف الإسرائيلية هذا الانطباع. فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل ستبقي قواتها في جنوب لبنان من دون سقف زمني محدد، مؤكدا أن هذه المناطق يجب أن تبقى “خالية من السكان”، مع استمرار تدمير ما تعتبره إسرائيل بنى تحتية مرتبطة بحزب الله.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي يوسف دياب لـ”الحرة” إن استمرار الوجود الإسرائيلي في مناطق جنوب الليطاني وشماله يضع حزب الله أمام معضلة، فهو إما أن يتعامل معه كاحتلال يستدعي استئناف العمليات، أو يترك الملف للدولة والقنوات التفاوضية.
ويضيف أن الخيار العسكري سيقود، على الأرجح، إلى ردود إسرائيلية أوسع، فيما يعني الخيار الآخر قبول الحزب، ولو مؤقتا، بمسار سياسي وأمني لا يتحكم وحده بإيقاعه.
ومع الإعلان عن شمول لبنان بمذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، بدأ بعض النازحين العودة إلى بلداتهم وقراهم، فيما فضّل آخرون التريث. ودعا مسؤولون لبنانيون السكان إلى عدم التسرع في العودة، بينما طلب الجيش من المواطنين الالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة في البلدات الحدودية.
ولا ترتبط العودة بالوضع الأمني وحده. فإسرائيل لا تزال تسيطر على عدد من البلدات، فيما خلّفت الحرب دماراً واسعا في المنازل والبنى التحتية والمرافق الأساسية.
ورغم الضجة التي رافقت التفاهم الأميركي ـ الإيراني، لا يتعامل المسؤولون اللبنانيون معه باعتباره المسار الحاسم لمستقبل الحرب في لبنان.
وشدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على أن “التفاوض تقوم به الدولة اللبنانية وهي سيدة قرارها، وما من أحد يأخذ مكانها، وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا”. وأضاف أنه “مع وقف إطلاق النار ومع أي دولة تساعدنا، ومن ضمنها إيران”.
ويقول المحلل السياسي جورج العاقوري إن التفاوض بين واشنطن وطهران قد يساعد في تخفيف التصعيد، لكنه لا يمكن أن يحل محل المسار القائم بين لبنان وإسرائيل.
ويضيف لـ”الحرة” أن الإدارة الأميركية تنظر إلى لبنان على أنه يعيش أساسا حالة وقف لإطلاق النار. لذلك قد تنخفض وتيرة العمليات العسكرية، لكن الحديث عن وقف كامل للحرب لا يزال مبكرا.
وتبقى انعكاسات التفاهم مرتبطة بآليات تنفيذه، وبقدرته على تحويل التعهدات السياسية إلى واقع ميداني في الجنوب، خصوصا بعد التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، المرتقب يوم الجمعة المقبل.
ويبقى سلاح حزب الله العقدة الأبرز أمام أي تسوية محتملة. فالحزب رحب بالتفاهم الأميركي ـ الإيراني، لكنه شدد في الوقت نفسه على تمسكه بـ”حق لبنان في الدفاع عن أرضه حتى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة الأسرى”.
ويأتي ذلك فيما يواصل الحزب رفض التخلي عن سلاحه، رغم قرار الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الدولة، والضغوط الدولية المتزايدة في هذا الاتجاه.
ويعتبر ملاعب أن ملف السلاح لن يبقى خارج أي تسوية مقبلة. ويضيف أن “حصر السلاح لم يعد مجرد مطلب خارجي، بل تحول إلى قرار لبناني رسمي”.
وتبقى انعكاسات التفاهم مرتبطة بما سيحدث بعد التوقيع المرتقب بين واشنطن وطهران يوم الجمعة، وبقدرته على تحول مخرجات التفاهم إلى تهدئة فعلية في الجنوب، من دون أن يطغى على المسار التفاوضي القائم بين لبنان وإسرائيل.