مرحبا بكم في “أميركا والشرق: قصص البدايات”، وهي سلسلة جديدة من MBN تتناول القصص الأقل شيوعا عن علاقة الشرق الأوسط بأميركا في سنواتها الأولى. وبمناسبة الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، تأخذكم هذه السلسلة إلى موانئ المغرب، وأزقة أسواق تونس الضيقة، وحقول التبغ في فرجينيا، والمعارك البحرية في البحار البعيدة، وأبعد من ذلك. لقد أسهمت هذه التجارب في تشكيل نظرة الأمة الأميركية الناشئة إلى الشرق الأوسط وشعوبه. وكما سترون في الحلقة الأولى، وهي عن “قرآن جيفرسون”، فقد كان للمنطقة أيضا دور في تشكيل تلك الأمة الجديدة التي بدأت ترى النور عام 1776، بطرق لا تحظى دائما بما تستحقه من تقدير.
في يوم من أيام أكتوبر عام 1765، دخل طالب حقوق، شاب، إلى مطبعة صحيفة Virginia Gazette في مدينة ويليامزبرغ بولاية فرجينيا.
كانت المطابع، في تلك الأيام، عصب الحياة في المدن الاستعمارية الكبرى، فهي غرفة أخبار، ومكتب بريد، ومكتبة، في مكان واحد.
كان هواؤها مشبعا برائحة الحبر، والشمع الحار، وصمغ تجليد الكتب. وفي أي ظهيرة عادية، كان التجار والمحامون وأعضاء المجالس التشريعية الاستعمارية، يتوقفون فيها، يتسلمون رسائل، أو يشترون كتيبات، ويتجادلون في شؤون الساعة. في تلك المطابع، كان أهل فرجينيا يلتقون بالعالم الخارجي الأوسع.
لم يكن طالب الحقوق، غريبا عن مطبعة الصحيفة. فقد زارها مرارا. وتظهر سجلات الحسابات الخاصة بالمطبعة، أنه زارها ما لا يقل عن ثلاثين مرة خلال عامين، لشراء قرطاسية، أو لتسوية حسابات، أو لاقتناء كتب.
كان طويل القامة، نحيلا، بشعر أحمر كثيف، وكان قارئا نهما. ولم تكن القراءة بالنسبة إليه متعة فحسب، بل كانت ضرورة أيضا، أداة لفهم الأزمات التي كانت تحيط به. كانت أميركا حينذاك تغلي، وكان أبناء المستعمرات على حافة الانفجار من شدة الغضب. إذ فرض البريطانيون ضريبة جديدة على الورق، والوثائق القانونية، والكتيبات، وكل ما كان يمر عبر مطبعة، تقريبا.
في تلك الزيارة تحديدا، دفع الشاب 26 شلنا لشراء مجموعة كتب مجلدة، وصلت حديثا من لندن. لم يكن شراء تلك الكتب أمرا مألوفا لرجل من فرجينيا، بل لأي أميركي في المستعمرات. أحد تلك الكتب كان ملفتا، وعنوانه محفور بحروف مذهبة: القرآن.
لكن المشتري نفسه لم يكن عاديا أيضا. كان اسمه توماس جيفرسون، الذي سيصبح الرئيس الثالث للولايات المتحدة.
في ذلك الوقت، كان معظم الأميركيين يخشون الإسلام. كانوا يسمون المسلمين بـ”المحمديين”. وكان المسلم، في مخيلة الأميركي آنذاك، يعني العثمانيين الأتراك أو قراصنة البربر؛ أناسا يعيشون في عالم خطر، بعيد، ومضطرب، وراء الأطلسي.
في مساء التاسع من ديسمبر عام 1805، وعند غروب الشمس تماما، استضاف الرئيس الأميركي الثالث أعضاء في مجلس الشيوخ والكونغرس، ودبلوماسيين، ومبعوثا من دول البربر، في أول إفطار رمضاني يقام في البيت الأبيض.
أما نسخة القرآن التي اشتراها جيفرسون في ذلك اليوم، فسترافقه لاحقا عبر الثورة، ثم الرئاسة، ثم بقية حياته الطويلة والمعقدة. وفي نهاية المطاف، ستجد مكانَها على رفوف مكتبته الواسعة، تحت تصنيف: “القانون”.
ومع نصوص أخرى، ساعد القرآن جيفرسون على صياغة بعض أكثر أفكاره تأثيرا في تاريخ البلد الذي سيساهم في تأسيسه.
واليوم، يمر الشرق الأوسط نفسه بتحول تاريخي، تؤدي فيه الولايات المتحدة دورا كبيرا على نحو لافت. والتاريخ يساعدنا على أن ننظر إلى الحاضر من زاوية أوسع.
بحلول سبعينيات القرن الثامن عشر، كان توماس جيفرسون قد أصبح رجل دولة وعضوا في نقابة المحامين في فرجينيا. لكن بعيدا عن الحياة العامة، كان الرجل أيضا مصمما للأدوات المنزلية، مثل الكرسي الدوّار وغيره. وكانت يداه مشغولتين دائما بصنع أشياء أو بإعادة صنعها. أما مونتيسيلو، وهو البيت الذي كان يبنيه لنفسه، فتحول مع الوقت إلى مشروع معماري بقي يعمل عليه طوال حياته.
لكن كلُّ ذلك كان أقل أهمية بالمقارنة مع مشروعه الأهم: الجمهورية التي كان يؤسسها لأمته؛ جمهورية لا تستمد شرعيتها من ملك، ولا من كنيسة، بل من شيء آخر.
لكن ما هذا الشيء؟ هذا هو السؤال الذي كان على جيفرسون أن يجد له حلا.
وأيا يكن الجواب، كان لابد أن يتطرق إلى مسألة الإيمان في بلد كان يضم بالفعل ديانات كثيرة وطوائف مسيحية متعددة.
منذ شبابه، كان لدى جيفرسون شكوك بشأن الأديان، كان يؤمن بوجود خالق عقلاني أطلق حركة الكون، لكنه لا يتدخل في شؤون البشر. وكان شديد الارتياب من الدين المؤسساتي. أمضى سنوات يفكك العهد الجديد، محتفظا بالمقاطع التي وجدها قابلة للتصديق، ومستبعدا ما يتعلق بالمعجزات والعناصر الخارقة للطبيعة. ثم جمع ما اختاره في كتاب مستقل عُرف باسم (حياةُ يسوع الناصري وأخلاقُه)، واشتهر لاحقا باسم إنجيل جيفرسون.
قرأ جيفرسون نصوصا لا تحصى، وقارن بين أنظمة الحكم. كان لديه، كما قال أحد المؤرخين، “اهتمام راسخ بأديان العالم”. أما نسخته من القرآن، التي تآكلت حوافها من كثرة الاستخدام، فكانت ملوثة بالحبر من كثرة تعليقاته عليها.
كان يتمعن في القرآن، كما يتمعن مهندس في مخطط، بحثا عن البنية لا عن الإيمان. فالإسلام، بالنسبة إليه، لم يكن تقليدا عقائديا فحسب، بل نظاما قانونيا أيضا. كان ينظم الحرب، والتجارة، والميراث، والحياة الخاصة. وبالنسبة إلى رجل يحاول أن يبتكر مجموعة قوانين جديدة لمجتمعه، كان من المفيد جدا أن يتعلم كيف حكم الآخرون مجتمعاتهم.
وفوق ذلك كله، كان مشغولا على نحو خاص بقضية ملحة، ألا وهي: الحرية الدينية.
في فرجينيا الاستعمارية، كانت كنيسة إنكلترا هي الدين الرسمي. أما المعمدانيون، والكويكرز، والميثوديون، وكل من كان خارج الكنيسة المعتمدة، فكانوا عرضة للغرامات، والمضايقات، وحتى السجن. لم يكن جيفرسون يرى ذلك ظلما فحسب، بل كان يراه منافيا للعقل. فالإيمان، كما كان يجادل، لا يمكن فرضه بالقوة. يمكنك أن تجبر شخصا على حضور القدّاس. يمكنك أن تعاقبه إذا خالف. لكنك لا تستطيع أن تدخل الإيمان بالقوة إلى قلبه. وما قيمةُ الإيمان إن لم يكن نابعا من القلب؟
هاجمه خصومه، من الفيدراليين، بشدة بسبب هذه الأفكار، وخصوصا بعد عبارته الشهيرة، التي قال فيها: “لا يضرني أن يقول جاري إن هناك عشرين إلها أو لا إله على الإطلاق. فهذا لا يسرق من جيبي، ولا يكسر ساقي”.
كان الآباء المؤسسون، الآخرون، أي القادة الأوائل، يرددون أفكارا مماثلة. فعندما كان جورج واشنطن يبحث عن عامل لإصلاح منزله، قال ما معناه إن العامل إذا كان جيدأ، فيمكن أن محمديا، أو يهوديا، أو مسيحيا من أي طائفة، أو ملحدا”. وبالروح نفسها، أعلن بنجامين فرانكلين: “إذا جاء مسلم ليصلي في فيلادلفيا، فيجب أن يُسمح له بذلك. فالزنديق الفاضل يسبق المسيحي الشرير إلى النجاة”. ولم يكتف فرانكلين بالكلام، بل كان يتبرع بانتظام لدور العبادة في حيه، أيا تكن انتماءاتها.
بالنسبة إلى جيفرسون، لم تكن هذه مجرد مشاعر نبيلة. ففي عام 1779، صاغ (قانون فرجينيا للحرية الدينية). نص هذا القانون على أن آراء الإنسان الدينية ليست من شأن الحكومة. وكان القانون، كما قال جيفرسون، يهدف إلى حماية “اليهودي والأممي، والمسيحي والمحمدي، والهندوسي، والكافر من كل مذهب”.
لم يكن في أميركا آنذاك سوى عدد قليل من “المحمديين”. لكن جيفرسون كان يريد أن يبرهن على قضية أكبر. فإذا كانت الحرية الدينية لا تحمي إلا المعتقدات المألوفة أو معتقدات الأغلبية، فهي ليست حرية حقيقية. الحرية الحقيقية يجب أن تشمل الحالات الأصعب. وإلا فهي مجرد موقف انتقائي يتخفى بزي المبدأ.
بعد نحو عقدين، سيضاعف الرئيس توماس جيفرسون مساحة بلاده عبر شراء لويزيانا. لكن بتلك السطور القليلة، كان قد وسع قبل ذلك، وبلا حدود تقريبا، الأفق الفكري والروحي للبلد الجديد، وما يمكن أن تكونه الأمة الأميركية.
المصحف الذي اشتراه جيفرسون في ذلك المساء ظل رفيقه خلال الثورة، وأثناء توليه الرئاسة، وحتى نهاية حياته الطويلة والمعقدة.
ثم جاء الدستور ليأخذ هذه الأفكار خطوة أبعد. فقد ألغت المادة السادسة أي اختبار ديني كشرط لتولي منصب اتحادي. وفي مناقشات المصادقة على الدستور، برز السؤال فورا وبصراحة بين المتشككين في هذه المادة: هل يمكن لمسلم، أو “تركي” كما كان الناس يسمون المسلمين آنذاك، أن يتولى منصبا عموميا؟
كانت الإجابة: نعم.
وقد صاغ أحد مندوبي ولاية نورث كارولاينا، واسمه وليام لانكستر، المسألة بهذه الطريقة، قائلا “لنتذكر أننا نشكل حكومة لملايين ليسوا موجودين بعد. أنا لست عرافا. ولا أعرف كيف سيكون الأمر بعد أربعمئة أو خمسمئة سنة. لكن المؤكد أن الكاثوليك قد يجلسون على ذلك الكرسي، وأن المحمديين قد يجلسون عليه أيضا”.
ومع أن جيفرسون دافع بشجاعة عن “المحمديين” في كتاباته، فإنه تغاضى عنهم في حياته العملية. فقد كان هناك بعض المسلمين الذين عملوا لديه عبيدا في مونتيسيلو. لكنه لم يلتفت إليهم؛ كانوا، في سجلاته، مجرد ممتلكات.
لكن في ديسمبر عام 1805 وجد جيفرسون نفسه أخيرا في لقاء مباشر مع المسلمين.
كانت الولايات المتحدة في نزاع متوتر مع دول البربر، وهي القوى الشمال أفريقية، التي كانت تسيطر على طرق الملاحة في البحر المتوسط. وكان جيفرسون رئيسا للولايات المتحدة في ذلك الوقت، وكان عليه أن يجد حلا لهذه المشكلة. لذلك دعا سيدي سليمان المليملّي، مبعوث تونس، للتفاوض معه.
كان جيفرسون يستضيف كثيرا من عشاءات العمل في مقر الرئاسة، بحضور مشرعين ودبلوماسيين وسياسيين. وكانت هذه اللقاءات تبدأ عادة قرابة الثالثة والنصف بعد الظهر، بعد انتهاء جلسات مجلس النواب أو مجلس الشيوخ.
فأرسل روبرت سميث، وزير البحرية حاملا الدعوة، إلى ميليميلّي، الذي كان مقيما في Stelle’s Hotel قرب مبنى الكونغرس.
استقبل مليملّي الوزير بكل احترام. كان يؤدي صلاته عندما دخل عليه الوزير. نهض من سجادته بهدوء واتزان، واستمع إليه، ثم أجابه بأنه لا يستطيع أن يأكل في ذلك الشهر إلا بعد غروب الشمس.
ففي ذلك العام، صادف رمضان شهر ديسمبر. وعندما نقل الوزير جواب مليملّي إلى جيفرسون، فهم الرئيس أن ضيفه صائم.
فعدّل الدعوات لتقول: “يوضع العشاء على المائدة عند غروب الشمس تماما. نرجو التفضل بالرد”.
في مساء التاسع من ديسمبر، وبينما كانت شمس الشتاء تهبط خلف التلال فوق نهر البوتامك، تجمع الضيوف: أعضاء في مجلس الشيوخ، ونواب، ودبلوماسيون. جاءوا يتوقعون عشاء سياسيا عاديا. لكنهم وجدوا أنفسهم أمام حدث غير مسبوق على مائدة الرئيس: إفطار رمضاني.
وصل الطعام مع خفوت آخر ضوء من النهار.
في الخارج، كانت واشنطن باردة ومعتمة. أما في الداخل، فكان هناك ضوء الشموع، ودفء الاستقبال الخاص والحفاوة التي قابل بها توماس جيفرسون ضيفه المسلم.
وكان جون كوينسي آدامز، الذي سيصبح لاحقا الرئيس السادس للولايات المتحدة، حاضرا في ذلك العشاء، فسجله في يومياته. كتب أن العشاء جاء “في عز رمضان، حين يصوم الأتراك ما دامت الشمس فوق الأفق”.
بفضل دراسة جيفرسون الجادة للأديان، أصبح الإسلام جزءا من المشهد الفكري لتأسيس أميركا. فعلى مدى عقود، ناقش كبار مفكري أوروبا ما إذا كان تأسيس مجتمع قائم على حرية دينية حقيقية أمرا ممكنا. لكن جيفرسون نجح في تحويل هذه الفكرة إلى واقع، وجعلها جزءا من الأساس الذي قامت عليه الولايات المتحدة الأميركية.
وما زالت هذه الفكرة، حتى اليوم، واحدة من أعمق إنجازات أي ثورة في التاريخ.
___________________
ساهم هنري رايشمان، وجوشوا إبستين، ولوكا غيرزوني في إنتاج هذه القصة.