في الخامسة من فجر الثلاثاء، السادس عشر من يونيو الماضي، استيقظ معدّنون سودانيون في منطقة شمال الوادي في ولاية البحر الأحمر السودانية، على وقع انفجارات متتالية وأزيز مقاتلات حربية.
الهدوء المعتاد في ساعات الصباح الأولى، تحول إلى مشهد صادم. كان أحد العاملين يحتمي بجانب صخرة في الجبل، ويصور ما يحدث عبر كاميرا هاتفه، وهو يصيح محذرا رفاقه “الطيران المصري. الطيران المصري.
انهارت آبار الذهب التي تنتشر حولها خيامهم في لحظات، اشتعلت النيران ولف الغبار سماء الجبل.
خلال الساعات التالية للحادثة، توغلت قوات مصرية وحاصرت الجبل، وأظهرت مقاطع فيديو متداولة أعدادا كبيرةً من المعدّنين الفارين عبر طريق جبلي إلى منطقة المطار بين سلسلة جبال الأنصاري على بعد عشرات الكيلومترات، حيث وصل عدد كبير من المصابين إلى مستوصف صحي صغير في المنطقة.
وبالتزامن مع وصولهم، انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو يطلب فيها العاملون إغاثة المصابين والمفقودين في الجبل.
وتفتح الحادثة سؤالا يتجاوز موقع القصف نفسه. فالمنطقة جزء من حزام ذهب حدودي يصعب ضبطه، في بلد أصبح الذهب فيه موردا أساسيا بعد الحرب وفقدان السيطرة على كثير من مسارات الإنتاج والتصدير. ومن هنا تتداخل حسابات الأمن المصرية مع اقتصاد الذهب السوداني وشبكات بيعه وتهريبه، بما في ذلك الأسواق التي ظلت تمر عبرها كميات من الذهب السوداني، وعلى رأسها دبي.
وتعقّد الحرب موضوع الذهب السوداني إذ لم يعد موردا اقتصاديا فحسب، بل أصبح جزءا من اقتصاد حرب تتداخل فيه مناطق سيطرة الجيش، والدعم السريع وشبكات التهريب والتصدير. وتقول تقارير دولية إن قوات الدعم السريع استفادت من تجارة الذهب، خصوصا في دارفور، وبنت قوتها ونفوذها من أمواله، فيما بقيت الإمارات سوقا رئيسية للذهب السوداني، سواء عبر المسارات الرسمية أو عبر شبكات غير نظامية.
القوة العسكرية أخلت موقعها قبل الضربة
“فقدنا الكثير من الرفاق، ناهيك عن المفقودين داخل الآبار، وعدد العمال كان كبيرا يصل إلى آلاف تقريبا”، يقول أحد المعدنين في جبل العقيدات، طلب عدم كشف اسمه لأسباب أمنية.
ويضيف أنه قبل يوم من الهجوم، رأى طائرة مسيرة كبيرة تحوم فوق الجبل.
“سمعت من زملائي أن بعض العمال تسللوا قبل يوم لمنطقة مخصصة لشركة تعدين مصرية تعمل بالقرب منا في الجبل، وحدث احتكاك مع عناصر الشركة، وهذا يحدث بشكل متكرر، والجبل كانت تحرسه مجموعة تابعة للقوات المشتركة (تتبع لحركات دارفور المسلحة المؤيدة للحكومة السودانية) ولكنها انسحبت قبل يوم من الهجوم”.
ونقلا عن شهود عيان، تحركت سيارات الأهالي بعد الحادث، لإنقاذ العمال، ولكن بقي كثير من المصابين والمفقودين في الموقع، وحضرت قوات تابعة للجيش السوداني في اليوم الثالث بعد الحادثة، ووصلت إلى المناجم ونقلت المصابين والعالقين وجمعت الجثث الملقاة بجوار الخيام والصخور، ولكن بقي عدد غير من معروف من الجثث المطمورة داخل الآبار وفق إفادات العمال.
الجيش المصري.. استهداف بؤر الإجرام
بعد خمسة أيام أعلن المتحدث باسم الجيش المصري ، أن قوات إنفاذ القانون نفذت حملة مكبرة بقطاع المنطقة الجنوبية العسكرية ضد عدد من “البؤر الإجرامية التي تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية لممارسة أنشطة غير مشروعة منها الإتجار بالمواد المخدرة والسلاح – التنقيب غير المشروع عن الذهب – الهجرة غير الشرعية”. وأضاف في البيان أن الدولة المصرية تحتفظ بكافة الخيارات المتاحة للتعامل مع كافة التهديدات.
صمت رسمي.. ولا حصيلة للقتلى والمصابين
رغم مرور نحو ثلاثة أسابيع على الحادثة، لم تصدر أي إحصائية موثوقة عن عدد القتلى والمصابين في الضربة على عمال التعدين الأهلي، في جبل العقيدات والجبل – الأحمر – وجبل الحريق، المعروفة بوجود الأنشطة التعدينية، والتي تشهد أنشطة التهريب بين البلدين، ورغم وجود إفادات من بعض الناجين من القصف بمقتل وإصابة عدد كبير ممن كانوا في الجبل لا تزال الأرقام غامضة، ويعزز ذلك غياب أي تحقيق حكومي يكشف عن نتائج الهجوم على الأقل.
رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان دعا أثناء مخاطبته حشدا عشائريا منطقة “الرتج” القريبة من الحدود الشمالية إلى عدم تعدي الحدود لتجنب المشاكل.
بينما أدانت أحزاب سياسية سودانية الهجوم، ووصفته بأنه يعكس تراجع قدرة الدولة على حماية حدودها. ومن ناحيته أدان تحالف السودان التأسيسي الذي يضم قوات الدعم السريع الهجوم، واتهم من سماهم بـ”جيش الحركة الإسلامية” بـ”التنسيق مع الجيش المصري للهجوم”.
وأثارت مغادرة القوات المشتركة مواقعها في الجبل قبل الضربة ورد الفعل “الحكومي الفاتر”، بحسب العمال/ شكوكهم في أن العملية المصرية جاءت بالتنسيق بين الحكومتين لإجبار المعدنين على هجر المناجم وإفساح المجال لـ”الشركة المصرية”.
ضرب.. تحت حزام الذهب
على طول شريط المناطق الحدودية بين السودان ومصر يمتد حزام تعدين أهلي ورسمي، ينشط فيه آلاف من العاملين في التعدين الأهلي، ويحتل جبل العقيدات، أو العيقاد كما يسمى محليا، مساحة تتراوح بين 12 و 14 كيلومترا ويقع في عمق الأراضي السودانية بنحو 20 كيلومترا.
يقول الصحفي والباحث في الشؤون المصرية والسودانية محمد الهادي لـ”الحرة” إن نشاط التعدين الأهلي في الجبل مستمر منذ عام 2014، وإن مؤشرات أولية تؤكد غناه بالذهب. ويضيف أنه يتفهم المخاوف الأمنية المصرية، لكنه لا يراها مبررا للهجوم على المعدنين بهذه الطريقة، مرجحا أن يكون الأمر مرتبطا باتفاقات غير معلنة مع الحكومة السودانية، خصوصا بعد تصريحات مصرية أخيرة عن اتفاقات للتعدين في شمال السودان.
ونفت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، في بيان في العشرين من يونيو صحة ما جرى تداوله على بعض صفحات التواصل الاجتماعي حول إبرام عقود استثمارية تتضمن إنشاء 108 مناجم للذهب والمعادن النفيسة في شمال السودان.
وجاء بيان الوزارة على خلفية جدل أثارته تصريحات نسبت إلى وزير البترول والثروة المعدنية المصري، على مواقع التواصل الاجتماعي حول إبرام اتفاقات لإنشاء مناجم للذهب في شمال السودان.
وتأتي الحادثة في وقت أصبح فيه الذهب أحد أهم موارد السودان بعد فقدان النفط عقب انفصال الجنوب، ومع تراجع قدرة الدولة خلال الحرب على ضبط الإنتاج والتصدير. ويقول خبراء إن جزءا من الذهب السوداني يجد طريقه إلى الأسواق الخارجية عبر دبي أو عبر شبكات تهريب ووسطاء، ما يجعل مناطق التعدين الأهلي جزءا من اقتصاد حرب يصعب ضبطه.
حدود مصر الجنوبية.. الأمن أولا
وفي حديث مع “الحرة”، يقول المحلل السياسي المصري محمد شعث إن السياسة الخارجية المصرية لا تقوم على خرق سيادة دول الجوار أو التدخل في شؤونها، رغم التوترات على أكثر من حدود. ويضيف أن التحركات المصرية تهدف إلى حماية الأمن القومي والحدود، مشيرا إلى جهود القاهرة في رأب الصدع داخل السودان ودفع الحلول السياسية هناك.
ويرى شعث أن اتهام مصر بانتهاك السيادة السودانية “يتنافى تماما” مع سياستها تجاه السودان. وردا على اتهامات تحالف “السودان تأسيس” بأن العملية تمت بالتنسيق مع ما سماه “جيش الحركة الإسلامية”، يقول إن التحرك المصري، وفق الرواية الرسمية التي تؤكد أن الضربة وقعت داخل الأراضي المصرية، كان استجابة لتهديدات أمنية، ويعد “قانونيا ومشروعا” إذا تعلق الأمر بحماية الحدود والسيادة.
وبعد أسبوع من حادثة قصف المعدنين السودانيين في جبل العقيدات نشرت منظمة مناصرة ضحايا دارفور وهي منظمة حقوقية سودانية تحقيقا كشفت فيه عن توغل قوة عسكرية مصرية كبيرة قُدرت بنحو ستين عربة مسلحة، نحو مواقع التعدين التي يعمل فيها مدنيون سودانيون في منطقة شمال الوادي.
ونقلت عن شهود أن القوة قامت بمحاصرة المعدنين وإطلاق النار أثناء تنفيذ عملية الاعتقال، وتعرض عدد من المدنيين للضرب وسوء المعاملة خلال احتجازهم.
الذهب.. أعظم ثروات البلاد
بعد إعلان استقلال دولة جنوب السودان، فقد الاقتصاد السوداني قسما كبيرا من موارده النفطية التي يعتمد عليها، وحل الذهب في المرتبة الأولى في سلم موارد البلاد، ليحرز أعلى نسبة عائدات مالية، وفق تقرير الموجز الإحصائي للربع الأول من العام الجاري الصادر عن بنك السودان، في وقت انعكست فيه ظروف الحرب وعدم الاستقرار سلبا على قدرة الدولة في التحكم بصادرات الذهب.
في عام 2025، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية التابعة لوزارة المعادن تحقيقها طفرة في إنتاج الذهب ونقل موقع الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن إجمالي إنتاج الذهب بلغ 70 طنا بنسبة إنجاز وصلت إلى 113 بالمئة مقارنة بالمستهدف، وهي أعلى نسبة إنتاجية خلال السنوات الخمس السابقة.
صادرات الذهب للإمارات
ورغم اتهام السودان الإمارات بالوقوف وراء الدعم السريع في الحرب السودانية، بقيت الخلافات بعيدة عن مسارات تصدير الذهب إلى أسواقها وظلت أسواق دبي وجهة مهمة لصادرات الذهب السوداني رغم الضغوط الشعبية والانتقادات التي وجهت لوزارة المالية السودانية نتيجة استمرار نشاطها التجاري مع الإمارات.
في المقابل تعاظمت قوة الدعم السريع بالاستفادة من عائدات ذهب جبل عامر الذي يقع في ولاية شمال دارفور، حيث بدأت قوات الدعم السريع بالتعدين التقليدي فيه قبل أن تطوره من خلال تأسيس شركة الجنيد للمناجم التي ورد اسمها في كثير من التقارير الدولية مقروناً بدولة الإمارات، وفي ينويو 2023 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شركة الجنيد الملوكة لمحمد حمد دقلو ، كونها ذراعا استثمارياً ييسر الموارد المالية التي يستفيد منها الدعم السريع في الحرب.
وزير التعدين السوداني السابق، عادل إبراهيم، قال في حديث لـ”الحرة” إن “هناك مشاكل فنية كبيرة تتعلق بتصدير الذهب من بينها أن الذهب الخارج من المصفاة الموجودة في السودان، إذ إن المصفاة ليست دولية وهي غير معترف بها ولا بختمها، كما أنها لا تملك “كود” معترفا به، وبالتالي لا يوجد طريق ولا سبيل للذهب السوداني غير المنطقة الحرة في دبي، بوابة الاقتصاد العالمي للذهب، وإلا سيسلك الذهب طريقا مكلفا وشاقا وهو طريق التهريب والوسطاء، وعن طريق الوساطة عبر دول الجوار والدول الصديقة، وفي هذه الحالة لن تكون الأسعار مجزية.
التعدين الأهلي.. مغامرة محفوفة بالموت
بالنسبة للاقتصاد السوداني في زمن الحرب، يشكل الذهب سلاحا ذو حدين، إما أن يكون موردا ماليا يعظّم قيمة صادرات البلاد ويعيد إنعاش قطاعاتها الخدمية المترنحة، أو أن يذهب مباشرة لتمويل الحرب من الطرفين، وفي كل الأحوال فإن ذلك لا يعني شيئا بالنسبة للمشترين الدوليين، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو عبر الوسطاء، خصوصا في ظل تهريب كميات كبيرة عبر دول الجوار، بحثا عن الأسعار المجزية والأموال المباشرة بعيدا عن تحكم البنك المركزي في عوائد الصادرات.
أما بالنسبة للعاملين في قطاع التعدين الأهلي، فإن الذهب أصبح ملاذا أخيرا لكسب أرزاقهم، ولكن التنقيب عنه ظل محفوفا بخطر الموت تحت أنقاض الآبار المنهارة أو غياب الأمن أو حتى قتلهم للاستيلاء على ما بحوزتهم من ذهب، ولأن الخيارات أضحت أكثر ضيقا بسبب الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل، يرى كثير من العاملين في قطاع التعدين الأهلي أن التنقيب مغامرة تستحق خوضها.