واشنطن العاصمة 06:50 AM

السلام الغائب عن هرمز.. ماذا بعد تجدد الهجمات؟

أعادت الهجمات الأخيرة في مضيق هرمز إشعال الوضع في منطقة يفترض أنها خرجت من حرب، وتختبر فرص السلام باتفاق مؤقت.

· 8 دقيقة قراءة
سفينة تعبر مضيق هرمز قرب بندر عباس الثلاثاء 30 يونيو.
سفينة تعبر مضيق هرمز قرب بندر عباس الثلاثاء 30 يونيو. رويترز

ضربات جديدة، وطلب نجدة، وخطر انفجار ناقلة غاز مسال قطرية بعدما أصيبت بمقذوف في مضيق هرمز.. تطورات تلاحقت لتشعل الموقف في المنطقة من جديد.

أعادت الهجمات الأخيرة على الناقلة القطرية، وعلى أخرى سعودية، التوتر في منطقة يفترض أنها خرجت للتو من حرب، وكانت تختبر فرص السلام باتفاق مؤقت.

تساؤلات عدة فرضت نفسها: لماذا تصر إيران على استمرار الهجمات؟ وما مصير الاتفاق بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه “انتهى”، وهل تستطيع الأطراف الدولية التدخل بشكل فعال بعدما أعلنت رغبتها في إطلاق بعثة دولية إلى الممر المائي الهام؟

طوال الفترة التي تلت إعلان الاتفاق المؤقت في 17 يونيو ظلت إيران تهدد الملاحة في المضيق، وهاجمت بالفعل سفنا عابرة، بل وأعلنت مرارا رغبتها في السيطرة عليه وفرض رسوم.

وفي تصعيد لافت، الثلاثاء، قالت طهران إنها استهدفت مواقع عسكرية أميركية في البحرين والكويت، بعد أن ضربت القوات الأميركية أهدافا إيرانية ردا على هجمات استهدفت ناقلات نفط وغاز في مضيق هرمز. من بينها الناقلة”الركيات” القطرية و”وديان” السعودية.

وتلقت الناقلة القطرية المحملة بغاز طبيعي مسال ضربة على جانبها الأيسر مساء الثلاثاء، فيما ذكر مصدر لرويترز أنها أرسلت على الفور إشارات استغاثة، وأنها معرضة لخطر الانفجار بسبب حريق في غرفة المحركات.

عقب ذلك التصعيد ألغت واشنطن إعفاء كان يسمح لإيران ببيع النفط.

وفي تطور لاحق، قال ترامب، قبل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، إن: “مذكرة التفاهم انتهت (..) إذا أبرمنا اتفاقا مع إيران، فإنني لست متأكدا من أنه سيستمر، لأنني وجدت أنهم أناس غير شرفاء على الإطلاق”.

كما أكد أنه لا يرغب في الدخول في مفاوضات مع طهران، وحذر من شن ضربات إضافية.

لكن، وفيما بدا تخفيفا في نبرته، عاد الرئيس الأميركي وقال إنه سيسمح للمفاوضين بمواصلة عملهم، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه غيّر رأيه بشأن عقلانية القادة الإيرانيين، بعد أن تعرف عليهم.

وأدى التصعيد الأخير إلى زيادة المخاوف المتعلقة بالسلامة والأمن في مضيق هرمز، وأظهرت بيانات شحن أن 4 ناقلات نفط وغاز على الأقل عادت أدراجها، بدلا من محاولة عبور المضيق.

وكانت حركة الملاحة عبر الممر المائي شهدت انتعاشا، خلال الأسبوع الماضي، لكن أعداد السفن بقيت دائما أقل من المتوسط ​​اليومي الذي كان قبل بدء الحرب على إيران في 28 فبراير، مع استمرار الهجمات وزيادة حجم المخاطر المحيطة بالملاحة، على الرغم من إدراج بنود تتعلق بالعبور الآمن ضمن الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران.

وقفزت أسعار النفط، الأربعاء، مع ارتفاع الخام الأميركي 6.86 في المئة إلى 75.27 دولار للبرميل، وارتفع خام برنت إلى 79.50 دولار للبرميل، بزيادة 7.2 في المئة خلال اليوم. وزادت أيضا عوائد سندات الخزانة الأميركية.

ولم يقل الرئيس الأميركي صراحة إن واشنطن ستستأنف الحرب الشاملة، ولم يتضح على الفور ما إذا كانت المفاوضات بين الجانبين لتحويل وقف إطلاق النار إلى اتفاق دائم ستستمر أم لا.

ويعتقد عماد جاد، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر، أن إيران لا تبالي بالاتفاق الذي يسمح بحرية الملاحة، لأنها مقتنعة بأن الولايات المتحدة لن تشن عليها حربا أخرى.

وقال جيمس هولمز، الباحث في كلية الحرب البحرية الأميركية، لـ”الحرة” إن الهجمات التي شنتها إيران خلال الأسابيع الأخيرة توجه رسالة بأنها ترغب في فرض سيطرة دائمة على حركة المرور عبر المضيق، بما في ذلك الحق في إصدار تصاريح للسفن بالعبور وفرض رسوم مرور أو “إتاوات”، أو “أياً كانت التسمية الملطفة التي يطلقونها”.

وكانت الولايات المتحدة حددت مسارا بديلا للسفن بمحاذاة الساحل العماني، لكن طهران ترغب في استخدام مسار شمالي محاذي لساحلها لفرض سيطرتها، ولذا فهي تحاول ردع السفن عن استخدام المسار الجنوبي، أو دفعها للإبحار دون تشغيل أنظمة التعرف الآلي (AIS) وغيره من أنظمة الملاحة، بحسب هولمز.

وجهة النظر الإيرانية، بحسب ما يقول إيان رالبي، وهو باحث أميركي متخصص في قضايا الأمن المائي، أن الولايات المتحدة “انتهكت” مذكرة التفاهم بإطلاق تهديدات، إذ قال ترامب إنه “سينجز المهمة” في حال عدم التوصل إلى اتفاق سلام ضمن الإطار الزمني المحدد.

وفي الوقت ذاته، تقول طهران إنها تريد السيطرة على المضيق وتواصل تهديد السفن العابرة إذا لم تلتزم بمساراتها، وقد جاء استهداف السفن خلال الساعات الماضية ليعكس هذا الموقف الذي تتبناه طهران منذ فترة طويلة، يقول رالبي لـ”الحرة”.

مطامع إيران في هرمز

بموجب الاتفاق المؤقت، وافقت إيران على السماح للسفن بالمرور من المضيق لمدة 60 يوما دون رسوم، لكنها تقول إن صياغة الاتفاق تسمح لها بتحديد السفن المسموح لها بالمرور والطريق التي تسلكها.

ومن المنظور الأميركي، يقول الضابط العسكري هولمز لـ”الحرة” إنه لا يبدو منطقيا أن تواصل طهران نهجها الحالي، لأنه يأتي بنتائج عكسية تضر بمصالحها.

والدليل على ذلك، أن البحرية الأميركية تمكنت من فرض حصار فعال بعدما عطلت بالفعل صادرات إيران إلى العالم الخارجي، وألحقت بها أضرارا اقتصادية جسيمة.

وحتى مع قدرة الحرس الثوري الإيراني على تهديد الملاحة في الممر المائي، تستطيع الولايات المتحدة خنق الاقتصاد الإيراني انطلاقاً من بحر العرب أو خليج عمان. ومن شأن ذلك أن يدفع طهران إلى إبداء مرونة لإبرام اتفاق سلام وفق الشروط الأميركية.

غير أن الواقع يشي بغير ذلك، وفق هولمز، فقادة الجمهورية الإسلامية يرون أنهم خرجوا منتصرين في الجولة الأولى من الحرب، وفقاً لمفهومهم الخاص بالنصر.

وبالنسبة إلى جاد، فالنظام العقائدي في إيران لن يقر بهزيمة، وهو لذلك “يحاول كسب نقاط لتمكينه من ادعاء الانتصار وأن إيران تظل القوة الأهم إقليميا”، ومن هذا المنطلق، فهو يحاول التلاعب بالمفاوض الأميركي عبر تصريحات متضاربة، تهدف فقط إلى تحقيق مكاسب سياسية.

يتمحور الأمر بالنسبة لإيران حول “المقاومة”، بعدما ظل النظام صامدا رغم كل ما تعرض له من ضربات عنيفة، وهو يدرك جيداً أنه يتمتع بميزة إستراتيجية في مضيق هرمز.

ويرى هولمز أن الحملة الجوية الأميركية على إيران، رغم فعاليتها، لم تدمر كافة القدرات والوسائل التي يستخدمها الحرس الثوري لتهديد الملاحة، وما دام الحرس الثوري يحتفظ بجزء من ترسانته الصاروخية وطائراته المسيرة، وزوارقه البحرية، سيظل قادراً على التهديد بإغلاق المضيق.

وهذا الوضع كفيل بإثارة مخاوف شركات التأمين وملاك السفن، وبالتالي تعطيل حركة الملاحة خشية التعرض لهجمات.

ويعتقد جاد أن طهران ستبقى على هذا الموقف طالما لم تحسم الولايات المتحدة الأمر عسكريا، خاصة أنها تتعامل مع نظام عقائدي لا يقبل بالحلول الوسط.

كما تراهن طهران أيضا على أن تفضي انتخابات الكونغرس الأميركي في نوفمبر إلى أغلبية ديمقراطية قد تقيد تحركات ترامب، يقول جاد.

انقسام النخبة الإيرانية

وتأتي هذه التطورات بينما تشهد النخبة الإيرانية حالة من الانقسام بشأن وقف الحرب، ففي حين يسود توافق على ضرورة انتزاع مكاسب اقتصادية وإنهاء الضربات، تبرز هوة عميقة بين التيار البراغماتي، الذي يفضل الحلول الدبلوماسية التوافقية لإنهاء الحصار، وبين التيارات المتشددة (مثل الحرس الثوري) التي تعارض تقديم أي تنازلات بشأن ملفات تمنح إيران أوراق ضغط قوية، مثل قضية مضيق هرمز.

وبدت الهوة أكثر وضوحا في التصريحات العلنية، فحين أعلن وزير الخارجية، عباس عراقجي، فتح الممر، شنت منصات متشددة هجوما عنيفا ضده باعتبار أن مثل هذه التصريحات تضعف إيران استراتيجيا.

ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في تقرير لها الشهر الماضي، عن مسؤولين مطلعين على المفاوضات أن صراعا داخل السلطة في طهران يهدد محادثات السلام، إذ يسعى قادة مدنيون للحصول على مليارات الدولارات من الأصول المجمدة، بينما يضغط مسؤولون عسكريون متشددون من أجل السيطرة على المضيق.

ووفقاً للتقرير، فإن أولوية الرئيس، مسعود بزشكيان، تبقى إنعاش الاقتصاد الإيراني عبر الحصول على الأموال المجمدة في قطر، بينما يسعى الحرس الثوري إلى فرض سيطرة على المضيق، وفرض رسوم تستخدم في تعزيز القدرات العسكرية لبلاده ووضعها الإقليمي.

وذكرت الصحيفة أن مسؤولين إيرانيين قدّروا أن تلك الرسوم قد تجلب عائدات بنحو 40 مليار دولار سنويا.

وبصرف النظر عن الخلافات، يعتقد هولمز أن إيران تتخذ موقفا إستراتيجيا واضحا، إذ كانت “ثابتة في مطالبها بالسيطرة على المضيق، حتى عندما وافقت على مضض على إبقائه مفتوحا”.

وبالنسبة إلى رالبي، لا يبدو واضحا مدى وحدة الموقف الإيراني، وقد يشير هذا إلى أن “التجاذبات الفصائلية” داخل البلاد تخلق أشكالا جديدة من الخلاف وحالة من عدم اليقين، لكن يبدو أن المضيق ورقة ضغط “ستظل حاضرة” في المستقبل.

وقال: “ستكشف الأيام عما إذا كان صبر الأطراف نفد، أم أن هذه الخطوة مدروسة وستؤدي في النهاية إلى تحقيق مزيد من المكاسب الإستراتيجية لإيران، تماشياً مع رغبتها في الحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز”.

بعثة دولية

في خضم التطورات، كشفت دول أوروبية عن رغبتها في المساعدة في تأمين المضيق، عبر تشكيل تحالف من 12 دولة لضمان المرور الآمن بمجرد انحسار التوترات أو تسوية النزاع.

لكن هذه الرغبة تصطدم بموقف إيراني ضد أي وجود عسكري في المنطقة.

ورفضت طهران، الأسبوع الماضي، تصريحات للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ألمح فيها إلى دور هذه البعثة.

وقال دبلوماسيون لرويترز إن باريس ولندن تأملان في إطلاق بعثة أولية في خليج عُمان، وهو ممر مائي مجاور يربط بحر العرب بمضيق هرمز، تطل عليه كل من إيران وسلطنة عُمان والإمارات.

وجاء في بيان مشترك فرنسي-بريطاني صدر في 3 يوليو: “وافقت سلطنة عُمان على العمل مع المملكة المتحدة وفرنسا لضمان سلامة الملاحة في مياهها الإقليمية السيادية”.

ويعتقد خبير الأمن المائي رالبي أنه سيتم تعليق هذه المهمة بعدما شمل التصعيد الأخير أهدافا أميركية أيضا، وليس فقط سفنا عابرة للمضيق.

وما لم يُحسم الصراع العسكري، يستبعد رالبي، أن تُقدم القوى الأوروبية على دخول المنطقة والعمل فيها باستخدام أي شكل من أشكال القوة العسكرية، حتى لا تبدو متورطة في الصراع، وبالتالي توسيع نطاق الحرب.

ويشكك هولمز في قدرة هذه البعثة في التأثير على إيران، بعدما خاضت حربا مريرة ضد القوات الأميركية والإسرائيلية.

 ويقول: “هل ستشعر (إيران) بالرهبة أمام البحرية الفرنسية، وهي أسطول يمتلك مجموعة قتالية واحدة لحاملة طائرات، أو أمام البحرية الملكية البريطانية التي واجهت صعوبة في إرسال مدمرة واحدة فقط لفترة وجيزة إلى شرق البحر المتوسط ​​خلال ذروة القتال العنيف؟”

كما سيعتمد تحرك هذه المهمة بفعالية إلى حد كبير على كيفية سير عملها، بحسب ما يقول الباحث الذي يتوقع أن تعمل إما بنظام القوافل، أو من خلال وضعية أكثر ثباتا تتمثل في نقاط حراسة ومراقبة.

ولم تبد البحرية الأميركية حماساً كبيراً لفكرة القوافل، لذا يرجح أن تميل إلى نهج الحراسة والمراقبة، لكن المشكلة تكمن في أنه حتى مع وجود مهمة من هذا النوع، “يكفي أن تهدد إيران حركة الملاحة لتشل حركة المرور”.

 وفي حال استشعرت شركات الشحن والتأمين قلقا من الوضع الأمني، ستظل السفن بلا حراك راسية في مواقعها.

ويبدي هولمز تشككاً في أن تكون المهمة متعددة الجنسيات فعالة بنسبة 100 في المئة في التصدي للزوارق السريعة أو الطائرات المسيرة أو صواريخ الحرس الثوري.

مع العلم أن هذا التصدي ضروري لطمأنة السفن التجارية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة