يبدأ أبو خالد، وهو لاجئ سوري في لبنان، يومه قبل أن يستيقظ الآخرون، ينظف المداخل ويسقي النباتات حيث يعمل حارسا لمبنى في أحد أحياء بيروت، منذ عشر سنوات.
يعرف أبو خالد أسماء معظم السكان، لكن قلة منهم يعرف شيئاً عن حياته، أو لماذا لا يزال في لبنان بعد نحو سنة ونصف على سقوط نظام بشار الأسد.
لا يحمل أبو خالد إقامة قانونية، لذلك يتجنب التنقل إلا عند الضرورة، ويحسب كل خطوة خارج المبنى خشية توقيفه وترحيله. ورغم ساعات العمل الطويلة، يبقى دخله محدوداً، فيما تعمل زوجته في تنظيف المنازل، ويتمكنان معاً بصعوبة من تأمين احتياجات أطفالهما الثلاثة.
عقب سقوط النظام، ظنّ أن الفرصة التي انتظرها سنوات قد حانت. لم يعد يخشى الاعتقال بسبب مشاركته في التظاهرات المناهضة للأسد، فعاد إلى مدينته جرابلس في محافظة حلب عبر المعابر غير الشرعية، آملاً أن يبدأ حياة جديدة.
لكن الواقع بدد تلك الآمال سريعاً. وجد منزله مدمراً، وفرص العمل شبه معدومة. حاول أن يبدأ من جديد، لكنه لم يجد ما يمكّنه من إعالة أسرته أو إعادة بناء حياته.
بعد أقل من شهرين، عاد إلى لبنان بالطريقة نفسها. لم يعد لأنه يفضّل اللجوء على بلده، بل لأنه لم يجد فيها وضعا أفضل.
يقول أبو خالد لـ”الحرة”: “هنا أعيش في غرفة صغيرة، وأعمل من الفجر حتى الليل، وأخاف من أي حاجز أمني، لكن أولادي يأكلون كل يوم. هناك، كنت أنام في بيت أخي، ولا أعرف كيف سأؤمن رغيف الخبز لهم”.
ولا تبدو قصة أبو خالد استثناءً. فمنذ سقوط نظام الأسد، عاد عدد كبير من السوريين من لبنان إلى بلادهم، فيما فضّل آخرون البقاء، رغم تراجع أحد أبرز أسباب اللجوء، والمتمثل في الخوف من الملاحقة الأمنية.
عودة بطيئة
عاد أكثر من 634 ألف لاجئ سوري مسجل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، طوعاً من لبنان إلى سوريا بين يناير 2025 ومايو 2026، وفق أرقام حصل عليها موقع “الحرة” من المفوضية، التي شطبت أسماءهم من سجلاتها. وبذلك، انخفض عدد اللاجئين السوريين المسجلين لديها في لبنان إلى أقل من مليون.
ووفقا للسلطات السورية، عبر ما يقارب 700 ألف شخص من لبنان إلى سوريا بين 2 مارس و24 يونيو 2026 هرباً من النزاع في لبنان وفي ظل ظروف قاهرة، من بينهم أكثر من 548 ألف سوري و142 ألف لبناني. وتشمل هذه الأرقام اللاجئين السوريين، ومواطنين سوريين آخرين كانوا يقيمون في لبنان، إضافة إلى مواطنين لبنانيين.
هذه الأرقام تكشف أن تبدل المشهد السياسي في سوريا لم يكن وحده كافياً لدفع جميع اللاجئين إلى العودة، إذ لا يزال القرار بالنسبة إلى كثيرين مرتبطاً بقدرتهم على استئناف حياتهم، أكثر من ارتباطه بالتطورات السياسية.

وترى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن التغيرات التي شهدتها سوريا خلال الفترة الماضية وفرت “فرصة أكثر إيجابية” أمام أعداد متزايدة من اللاجئين للتفكير في العودة والتخطيط لها بصورة مستدامة، إلا أنها تؤكد، في الوقت نفسه، أن الظروف داخل البلاد لا تزال تحول دون اتخاذ كثيرين هذا القرار.
وتوضح المفوضية، في حديثها لموقع “الحرة”، أن الأوضاع الأمنية لا تزال غير مستقرة في بعض المناطق، فيما تبقى الاحتياجات الإنسانية واسعة، “فالملايين ما زالوا بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والمأوى والرعاية الصحية والخدمات الأساسية الأخرى” وهو ما يجعل كثيراً من اللاجئين مترددين في العودة.
وتشير إلى أن أبرز المخاوف التي يعبّر عنها السوريون تتعلق بالأمن والسلامة، وفرص العمل، والرعاية الصحية، والتعليم، والسكن، وقضايا السكن والأراضي والممتلكات، فضلاً عن مدى توافر الخدمات والمساعدات الأساسية بعد العودة.
وفي أبريل الماضي، وافق البنك الدولي على تقديم منحة بقيمة 225 مليون دولار لدعم سوريا في قطاعي المياه والصحة، في خطوة قال إنها تهدف إلى تحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الظروف التي تسهّل اندماج اللاجئين والنازحين العائدين.
وأوضح البنك أن 14 عاماً من الصراع أدت إلى تضرر أكثر من نصف شبكات المياه ونحو 70% من محطات معالجة الصرف الصحي، فيما تعرض القطاع الصحي لأضرار واسعة شملت تدمير المرافق الصحية ونقص الكوادر.
وتختصر اللاجئة السورية سناء هواجس العودة بقولها إن قدرة زوجها وأبنائها على العمل وتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة هي ما يدفعهم إلى البقاء في لبنان، رغم كل الصعوبات التي يواجهونها.
وتضيف أن الأوضاع الأمنية في سوريا لا تزال مقلقة، ولا سيما بعد الهجمات الأخيرة، فيما تكاد فرص العمل تكون معدومة، والأسعار مرتفعة، والخدمات الأساسية محدودة، معتبرة أن غياب الاستقرار يجعل العودة في الظروف الحالية خياراً بالغ الصعوبة.
ولا تختلف قراءة مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، كثيراً عن هذا التوصيف، لكنه يلفت إلى أن دوافع البقاء تختلف باختلاف الفئات.
ويقول عبد الرحمن لموقع “الحرة” إن اللاجئين السوريين في لبنان يمكن تقسيمهم، بصورة عامة، إلى فئتين رئيسيتين “الفئة الأولى تضم عدداً كبيراً من السوريين الذين عارضوا النظام السابق، وقد عاد كثير منهم إلى سوريا واستقروا فيها، بينما يواصل آخرون العمل في لبنان لأسباب اقتصادية، في حين عادت عائلاتهم إلى سوريا. كما يقتصر بعضهم على زيارات متكررة دون استقرار دائم، بسبب عدم توفر فرص عمل كافية أو مسكن مناسب”.
أما الفئة الثانية، فيوضح أنها “تضم أعداداً من أبناء الأقليات، مثل العلويين والمسيحيين والدروز وبعض الأكراد، وهؤلاء ما تزال نسبة كبيرة منهم مترددة في العودة، بل إن التطورات الأمنية التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء وبعض مناطق ريف دمشق عززت مخاوف قسم منهم وأدت إلى استمرار بقائهم خارج البلاد”.
وشهدت سوريا خلال عام 2025 موجتين داميتين من أعمال العنف، الأولى في الساحل خلال مارس، حيث اندلعت اشتباكات أعقبتها عمليات قتل واسعة استهدفت مدنيين، معظمهم من الطائفة العلوية. أما الثانية فشهدتها محافظة السويداء في يوليو، مع تصاعد المواجهات بين مجموعات مسلحة، قبل أن تتطور إلى أعمال قتل وانتهاكات بحق مدنيين من أبناء المحافظة من الأقلية الدرزية.
ورغم التحسن النسبي الذي شهدته معظم المناطق السورية، مع تحسن بعض الخدمات وبدء نشاط اقتصادي محدود ومشاريع لإعادة الإعمار، يؤكد عبد الرحمن أن “لا تزال هناك تحديات تختلف من منطقة إلى أخرى، ما يجعل ظروف العودة متفاوتة”.
ويرى أن “الاعتبارات الأمنية تمثل الأولوية بالنسبة لشريحة واسعة من أبناء الأقليات، بينما تشكل الظروف الاقتصادية، وفرص العمل، ومستوى الخدمات، العامل الأكثر تأثيراً بالنسبة لكثير من السوريين الذين غادروا خلال سنوات الصراع، ولا سيما ممن عارضوا النظام السابق”.
من جهته، يرى واثق حلاق، مدير مديرية السياسات الاجتماعية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا أن الأوضاع الأمنية والاقتصادية في سوريا تتحسن، ويتحدث عن سبب مختلف قد يمنع اللاجئين السوريين من العودة.
ويقول لـ “الحرة” إن العديد من هؤلاء وضع خططا اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد في بلاد اللجوء، وبنى مشاريعه الخاصة وعمل على إيجاد فرص استقرار مستدامة، بما يجعل التخلي عنها واتخاذ قرار العودة إلى سوريا “قرارا يصعب اتخاذه في ظل التجارب السلبية العديدة التي عاشها السوريين.”
حوافز
تعمل الحكومة اللبنانية مع الأمم المتحدة على تسهيل إجراءات عودة اللاجئين، عبر خطة أقرتها في يونيو 2025، وبدأ تنفيذها في الأول من يوليو من العام نفسه، بعد توقيع اتفاق مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتقوم الخطة على مسارين: عودة ذاتية حيث يغادر النازح بمفرده، ويتم شطبه من قاعدة بيانات الأمن العام اللبناني، وعودة منظمة حيث يتم تنسيقها بين المفوضية، منظمة الهجرة الدولية، والأمن العام.
وفي كلتا الحالتين، يجب أن يكون النازح مسجلاً لدى المفوضية ليحصل منها على الحوافز التي تشمل مبالغ مالية إضافية للعائلات الأكثر هشاشة، بحيث تحصل العائلة المؤهلة على 300 دولار إضافة إلى 100 دولار لكل فرد.
وتقول وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد لموقع “الحرة” إن الظروف الأمنية والهجمات الإسرائيلية أدت إلى إقفال بعض المعابر الحدودية الأساسية في شمال لبنان (العبودية والعريضة)، والإقفال المؤقت لمعبر المصنع خلال الحرب، مما أثر على حركة عودة اللاجئين.
بالنسبة إلى “أبو خالد” وكثيرين، فإن العودة إلى سوريا أو الرجوع إلى لبنان خياران أحلاهما مرّ، وهذا ما اضطره لاختيار الأقل مرارة.