تتسبب حوادث التسرب النفطي المتكررة في مياه الخليج، وسط الحرب الأميركية الإيرانية، في مخاطر بيئية تهدد النباتات والحيوانات البحرية، وتمتد تداعياتها إلى البشر، فضلا عن تكاليفها الاقتصادية.
ومنذ بداية الحرب، كشفت صور الأقمار الاصطناعية سلسلة من البقع النفطية في مياه الخليج ارتبط بعضها مباشرة بالعمليات العسكرية، فيما ظهر بعضها الآخر وسط إغلاق مضيق هرمز وتكدس السفن وتعثر أعمال الإنقاذ والمراقبة.
وتشير دراسة أعدها باحثون في جامعة جنوب فلوريدا، إلى أن المساحة التي غطتها التسربات النفطية في الخليج في مارس 2026 بلغت نحو أربعة أضعاف المساحة المسجلة في الشهر نفسه من عام 2025، ورصد الباحثون تسربات من سفن عالقة وأخرى قرب منشآت نفطية وسفن غارقة، مع صعوبة احتواء التلوث في ظل الحرب.

بدأ أحد أبرز التسربات بعد استهداف حاملة المسيرات الإيرانية “شهيد باقري” وجنوحها قرب جزيرة قشم في مارس، وأظهرت صور جوية تسرب زيت الوقود منها باتجاه محمية حرا، أكبر مناطق أشجار المانغروف على ساحل الخليج وموطن الطيور المهاجرة والسلاحف.
وفي مايو ظهرت بقعة يشتبه بأنها نفطية، مساحتها نحو 45 كيلومترا مربعا غرب جزيرة خارك، مركز الصادرات النفطية الإيرانية، من دون تحديد مصدرها، ثم رصد في أغسطس تلوث قرب جزيرتي قشم وسيري، وقدّر معهد الأمم المتحدة مساحة المياه المتأثرة بنحو 100 كيلومتر مربع. وربط تحليل لبيانات السفن جزءا من هذا التلوث على الأرجح، بسفينة الشحن “مينوان بايونير”، التي تضررت قرب مضيق هرمز في الثالث من أغسطس.
وبالتزامن تطورت أزمة منفصلة قبالة جزر الحلانيات في ظفار العمانية، بعد انفجار غير معروف السبب وجنوح ناقلة كارولاين بيزينجي، التي كانت تحمل قرابة 800 ألف برميل من الخام، ووصلت آثار التسرب إلى أجزاء من الساحل العماني، مهددة مواطن السلاحف والطيور والحوت الأحدب العربي، ولا يوجد دليل معلن يثبت ارتباط انفجار الناقلة بعمل عسكري، لكنه وقع داخل بيئة إقليمية أصبحت فيها الملاحة والإنقاذ والتأمين أكثر تعقيدا وكلفة.

ولا يواجه الخليج هذا الخطر للمرة الأولى ففي عام 1983، وخلال الحرب العراقية الإيرانية تسببت الحوادث والهجمات على منشآت حقل نوروز الإيراني في تسرب نحو 733 ألف برميل من إحدى الوقائع، واستمر أحد الآبار في تسريب النفط حتى 1985 بسبب صعوبة السيطرة عليه داخل منطقة القتال.
أما الكارثة الأكبر فوقعت خلال حرب الخليج عام 1991، عندما تدفق نحو 8 ملايين برميل نفط إلى المياه، وفق الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي، ووصل التلوث إلى سواحل الكويت وشمال شرقي السعودية.
ويقول أستاذ العلوم البيولوجية والإيكولوجيا في الكويت إبراهيم خليل إبراهيم لـ”الحرة” إن آثار التلوث النفطي تقسم إلى محورين: الأحياء البحرية ومياه التحلية.
ويقول إن الضرر يبدأ من الكائنات الدقيقة والعوالق التي تمثل قاعدة السلسلة الغذائية، إذ تتغذى عليها القشريات والأسماك الصغيرة، التي تصبح بدورها غذاء للأسماك الأكبر، وعندما تتضرر العوالق وتتراجع أعدادها، ينقص الغذاء المتاح للأسماك ويحدث خلل في السلسلة الغذائية البحرية.
كما يمكن للطبقة النفطية أن تعيق تبادل الغازات وتخفض الأكسجين المذاب، بينما تلحق المركبات السامة أضرارا بخياشيم الأسماك وأنسجتها، وتتأثر الأعشاب والطحالب بتلف أغشيتها الخلوية وتعطل النمو والتمثيل الضوئي، بما ينعكس على الكائنات التي تعتمد عليها غذاء أو موطنا.
وتزداد خطورة الضرر عندما يصل النفط إلى الأعشاب البحرية والمسطحات النباتية، إذ قد يبقى داخل الرواسب وبين الجذور بعد اختفاء البقعة المرئية.
لكن التهديد الأكثر ارتباطا بحياة البشر هو وصول النفط إلى مصادر محطات التحلية، وتشير تقديرات حديثة إلى أن التحلية توفر نحو 90 في المئة من مياه الشرب في الكويت، و86 في المئة في عمان، و70 في المئة في السعودية.
يقول إبراهيم إن وصول التلوث إلى مصادر المياه المستخدمة في محطات التحلية من أخطر الآثار المحتملة، وقد يستدعي اقتراب البقع إيقاف بعض المآخذ مؤقتا أو إضافة تقنيات لمعالجة الملوثات النفطية.
ويرى الدكتور علاء سرحان، أستاذ البيئة في جامعة عين شمس في القاهرة في تصريحات لـ”الحرة” أن خطر التلوث النفطي على محطات التحلية في الخليج حقيقي ومباشر، إذ يمكن لتسلل النفط إلى الأنظمة الميكانيكية والمرشحات وأغشية المعالجة أن يسبب أعطالا معقدة، تتطلب وقتا وكلفة مرتفعة لإصلاحها وإعادة التشغيل.
ويشير سرحان إلى أن تقنيات المكافحة الشائعة قد تنجح في احتواء جزء من البقع الظاهرة، لكنها لا تضمن منع قطرات الزيت الدقيقة من الوصول إلى مآخذ المحطات، ما قد يفرض إغلاق بعض المرافق ويؤثر في إمدادات مياه الشرب، محذرا من خطورة ذلك على دول مجلس التعاون، التي تعتمد بصورة رئيسية على تحلية مياه البحر.
وعن كلفة معالجة مثل هذه التسربات النفطية، يوضح الباحث القانوني والمحامي العماني عبدالعزيز بن محمد الرواس أن الدولة التي يصل التلوث إلى مياهها أو سواحلها تستطيع المطالبة بتكاليف الاحتواء والتنظيف وإعادة تأهيل البيئات النباتية والمائية، إضافة إلى الخسائر المثبتة في التحلية والصيد والسياحة والموانئ، لكن وجود البقعة لا يكفي لإثبات المسؤولية، إذ يتعين تحديد مصدر النفط ومساره وربطه بفعل منسوب إلى جهة معينة.
وتضع الاتفاقيات البحرية المسؤولية في الحوادث المعتادة على مالك الناقلة، مع وجود تأمين أو ضمان مالي وإمكان تدخل صناديق دولية في بعض الحالات، لكن أضرار الحرب والأعمال العدائية قد تكون مستثناة من نظام التعويض المدني، ما يدفع المتضررين إلى مسار مسؤولية الدول الأكثر تعقيدا.
ويقول الخبير الاقتصادي الإماراتي حسين القمزي، إن فاتورة التسربات النفطية تتوزع بين تأمين هيكل السفينة وتأمين الشحنة ونوادي الحماية والتعويض، التي تغطي عادة مسؤولية المالك عن الاحتواء والتنظيف والأضرار الساحلية ضمن حدود معينة، وإذا نتج التسرب عن عمل عسكري، فقد تستبعده بعض الوثائق العادية، ليصبح التعويض مرتبطا بتغطية مستقلة لأخطار الحرب.
ويحتاج إثبات المسؤولية إلى مطابقة البصمة الجزيئية للنفط المتسرب مع شحنة السفينة، وفحص الشظايا والتوقيع الانفجاري، ودمج ذلك بصور الأقمار الاصطناعية وبيانات التتبع الملاحي ونماذج حركة البقعة.
ويقول الرواس إن ما تحتاجه الدول المتضررة هو آلية مشتركة توثق الأضرار منذ لحظة وقوعها، عبر عينات موحدة، وصور أقمار اصطناعية، وبيانات للسفن والتيارات، لتكون الأساس الذي تبنى عليه لاحقا المسؤولية والمطالبة بالتعويض.