دخلت الحرب على إيران مرحلة جديدة تتخذ مسارات وتكتيكات مختلفة عما كانت عليه عند بدء العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في الـ28 من فبراير الماضي.
يقول مايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إنه عندما اندلعت الحرب قبل نحو أربعة أشهر تركزت العمليات على تدمير منظومة الصواريخ الباليستية، وأسطول الطائرات المسيرة، وتدمير القوات البحرية والقاعدة الصناعية الدفاعية لإيران.
ويضيف في تصريحات لـ “الحرة”: “كان الهدف حينها هو تقويض قدرة إيران إقليميا، وربما تغيير النظام في طهران.”
وتولى السعي لتحقيق هذا الهدف الأخير في الأساس القوات الإسرائيلية التي ضربت مراكز قيادة على أمل إسقاط النظام.
لكن بدا أن هذا الهدف لم يتحقق على أرض الواقع، حتى مع مقتل رأس النظام، علي خامنئي.
من جانبها، قصفت الولايات المتحدة آلاف المواقع من أجل تقويض قدرات إيران البرية والبحرية.
لكن شيئا هاما لم يحدث: تعطيل قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الأهم.
ومنذ شهر أبريل، دخل الجانبان الأميركي والإيراني في مفاوضات لتهدئة الحرب، وبالفعل تم توقيع مذكرة تفاهم في الـ17 من يونيو، يفترض أنها تسمح بحرية الملاحة في المضيق الذي تمر منه 20 في المئة من صادرات العالم النفطية.
لكن طهران استمرت في تهديد حرية الملاحة، وأطلقت نيرانها على السفن العابرة التي لا تمتثل بمسارات العبور التي حددتها هي، وأعلنت صراحة أنها تريد السيطرة على المضيق وفرض رسوم.
ولا تحتاج إيران سوى قوة صغيرة من الطائرات والزوارق المسيرة والصواريخ لتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حسب آيزنشتات.
وهذا بالضبط ما فعلته في شهري مارس وأبريل ثم الآن.
وهذا الأمر يتسبب في اضطرابات كبيرة للنشاط الاقتصادي العالمي، وإلحاق أضرار جسيمة بقطاع إنتاج النفط والغاز في دول الخليج.
السيطرة على المضيق؟
تركزت الموجة الأخيرة من الضربات والاشتباكات العسكرية على الحرب البحرية، إذ يتمحور الصراع هذه المر ة حول السيطرة على المضيق.
ويتجلى هذا التركيز على الجوانب البحرية والساحلية بوضوح عبر عدة محاور، حيث استأنف الجيش الأميركي فرض حصار بحري رسمي على السفن التجارية المتجهة إلى الموانئ الإيرانية والقادمة منها.
وكثفت الولايات المتحدة استهدافها للدفاعات الساحلية الإيرانية، مع توجيه الضربات على مواقع الرادار الساحلية الإيرانية، والقدرات البحرية، وأنظمة الدفاع الجوي، ومنشآت تخزين صواريخ “كروز” على امتداد ممرات الشحن الرئيسية.
وفي تصريحات إعلامية، قال تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية إن الأهداف شملت “منشآت لوجستية عسكرية إيرانية تتيح لطهران توجيه الأسلحة والذخائر والإمدادات العسكرية الأخرى إلى أكثر مناطق الصراع سخونة وتنازعا”.
وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومسؤولون أميركيون آخرون بأن الحملة الحالية قد تستمر لعدة أسابيع.
ولتحقيق هذه الأهداف، استخدمت القوات الأميركية في العمليات طائرات مقاتلة وسفنا، ونشرت للمرة الأولى مسيرات بحرية انتحارية (أحادية الاتجاه) لتحييد التهديدات البحرية الإيرانية.
وهذه المسيرات البحرية من طراز “كورسير” (Corsair) وتنتجها شركة شركة سارونيك تكنولوجيز الأميركية، وتعد من أحدث الابتكارات في الأنظمة البحرية غير المأهولة.
ويبلغ طول “كورسير” حوالي سبعة أمتار، وهو رخيص التكلفة نسبيا (حوالي مليون دولار للقطعة)، ما يسمح بإنتاج ضخم، وقد وقعت البحرية الأميركية عقداً بقيمة 392 مليون دولار مع الشركة المصنعة لإنتاج المئات منه.
وفي الموجة الأخيرة، تم إطلاق هذه الزوارق مع مسيرات جوية لضرب منشأة لصيانة الغواصات والسفن في قاعدة بندر عباس البحرية، وهي عملية قال البنتاغون إنها “أدت إلى إضعاف قدرة إيران على مواصلة مهاجمة السفن التجارية”.
ومنذ استئناف الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، حولت القوات الأميركية مسار سفينتين تجاريتين حاولتا اختراق الحصار، وفق أحدث بيانات القيادة الأميركية المركزية.
وردا على الحملة الجديدة، واصل الحرس الثوري الإيراني مهاجمة ناقلات النفط التجارية وهدد بوقف بعرقلة صادرات الطاقة في المنطقة.
وأورد معهد دراسات الحرب في آخر تحديثاته عن الوضع في الـ14 من يوليو، أن إيران هاجمت ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ما يشير إلى أنها لا تزال تمتلك القدرة والاستعداد لتعطيل حركة الملاحة التجارية.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
ويرسم الخبير العسكري الأميركي، آيزنشتات، ثلاثة سيناريوهات محتملة في مستقبل الحرب: الأول أن يسيطر الجيش الأميركي على مضيق هرمز ويوقف الهجمات التي تستهدف حركة الملاحة البحرية والمنشآت النفطية في دول الخليج.
لكن هذا السيناريو يصطدم بحقيقة سهولة أن تعطل طهران حركة الملاحة “بقدرات محدودة للغاية”.
والسيناريو الثاني هو التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، أي التوصل إلى نسخة معدلة من مذكرة التفاهم.
والثالث هو أن تنسحب الولايات المتحدة من المشهد، لكن هذا سيعني أن إيران قد حققت نصرا، وستتحمل الولايات المتحدة تكاليف باهظة، ورأى أن ترامب لن يوافق على ذلك.