بعد أيام من توقيع السعودية وباكستان وتركيا اتفاقا للدفاع المشترك في مكة، قللت إيران من أهميته واعتبرت أنه لا يشكل مصدر قلق لها.
ويهدف الاتفاق الثلاثي، حسب بيان التأسيس، إلى تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عمل عدائي، وينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعد هجوما عليها جميعا.
أما في طهران، فاعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، يوم الاثنين، أن إيران لا ترى سببا للقلق من أن يكون اتفاق أمني جديد بين باكستان وتركيا والسعودية موجها ضدها.
ويثير هذا الموقف الإيراني تساؤلات عما إذا كان التحالف الجديد لا يمثل أهمية لطهران بالفعل، أم أن الإشارات الصادرة من طهران مناورة ومجرد تصريحات دبلوماسية.
جاء الاتفاق في ظروف حرب إقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث تعرضت السعودية ودول خليجية لهجمات إيرانية بالصواريخ الباليستية والمسيرات بذريعة استضافة تلك الدول لمصالح أميركية.
ورغم أن “اتفاقية الدفاع المشترك في مكة” أكدت على الردع الجماعي، وأن الهجوم على أي طرف موقع عليها سيكون بمثابة هجوم على الأطراف الثلاثة (على غرار المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو)، إلا أنها لا تشير إلى إيران صراحة باعتبارها خصما أو عدوا.
ولدى إيران روابط تاريخية ودبلوماسية مع كل من تركيا وباكستان، مما يقلل من فرص أن يتحول التحالف إلى جبهة معادية لإيران.
المحلل الإيراني المقيم في بريطانيا، علي نوري زادة، قال في تصريحات لـ”الحرة” إنه رغم أن الموقعين تعهدوا بالدفاع عن السعودية، فالوثيقة هي فقط بمثابة اتفاق رمزي وليس اتفاقا فعليا، “لأن باكستان مرتبطة بإيران وتركيا مرتبطة بإيران أيضا”.
هذا الأمر، بحسب المحلل، يفسر تقليل طهران من أهمية الاتفاق.
وشددت أنقرة على أن الاتفاق لا يستهدف أي دولة بعينها، وقال مسؤول تركي إن الاتفاق دفاعي بحت، ولا يلغي أي اتفاقات قائمة بين هذه الدول ودول أخرى.
وعلى الرغم من أن باكستان أبرمت اتفاق دفاع مشترك مع السعودية العام الماضي، فإنها لم ترد عسكريا على الهجمات الإيرانية على المملكة.
وقللت باكستان أيضا من شأن التكهنات بأن مظلتها للردع النووي قد تمتد إلى حلفائها مؤكدة العام الماضي، لدى الحديث عن اتفاقها مع السعودية، أن الأسلحة النووية ليست مطروحة للنقاش.
يقول نوري زادة إن هناك اتفاقات مشابهة قائمة بالفعل بين السعودية من جهة، والولايات المتحدة ودول أوروبية، من جهة أخرى، وبين دول مجلس التعاون ودول أوروبية والولايات المتحدة، وهناك تواجد أميركي في هذه الدول.
ويستبعد المحلل أي تحرك مستقبلي للدفاع عن السعودية عسكريا، لأن السعودية إذا تعرضت لهجوم، باستطاعتها الدفاع عن نفسها، ويعتقد أن باكستان وتركيا سيواصلان دورهما كوسيطين للسلام .
وتعتبر إيران أيضا أن الاتفاق في الأساس يعكس تحرك بعض دول المنطقة للعمل بمعزل عن الولايات المتحدة، بعدما تراجعت ثقتها في واشنطن باعتبارها ضامنا أمنيا موثوقا، حسبما تراه.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن الاتفاق يعكس تحولا في نهج دول المنطقة تجاه الأمن، مع اعتماد أكبر على قدراتها الذاتية بدلا من القوى الخارجية.
وتابع قائلا “أي خطة تستند إلى الحقائق الجيوسياسية والتاريخية للمنطقة وتتسم بالشمول والعمق وتحدد العدو والتهديد بالشكل الصحيح، يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن ومنع زعزعة الاستقرار”.
لكن مارك كاتز، خبير شؤون الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي في واشنطن، يعتقد، وفق ما قاله لـ”الحرة”، أنه “يجب على إيران أن تكون أكثر حذرا، فرغم أن المتحدث أراد تصوير الاتفاق في أفضل صورة ممكنة، من ناحية أنه لا يشمل الولايات المتحدة أو قوة أخرى من خارج المنطقة، يجب أن يكون مصدر قلق لطهران.”
وقد يمثل الموقف العلني لطهران جهدا دبلوماسيا يهدف إلى إظهار القوة وتصوير التحالف على أنه توجه إقليمي مستقل وليس محاولة استقواء موجهة ضد إيران.
وكانت باكستان وتركيا قد عبرتا عن دعمهما لتحالف دفاع بحري أعلنت السعودية تشكيله لحماية خطوط الملاحة ومسارات نقل الطاقة في المنطقة. ولم تتوقف هجمات الحوثيين المدعومين من إيران حتى بعد تشكيل هذا التحالف.
وقدمت باكستان على مدى عقود التدريب والمساعدة التقنية للقوات السعودية، وتبادلت تركيا وباكستان السفن الحربية وطائرات التدريب.
ووافقت الرياض في 2023 على شراء طائرات مسيرة تركية في صفقة وصفتها أنقرة بأنها الأكبر في تاريخ صادراتها الدفاعية.
لكن ربما تشعر طهران بالقلق من أن أي هجوم يشنه وكلاؤها على البنية التحتية السعودية قد يجر تركيا وباكستان رسميا إلى صراع أوسع نطاقا.
يقول كاتز، خبير شؤون الشرق الأوسط، إن التحالف يضم ثلاثا من أهم القوى السنية في المنطقة، ويمكن لهذه الدول إذا تحركت بتنسيق مشترك، أن تفعل الكثير للحد من نفوذ إيران أو تقييد حركتها. ويتمثل السيناريو الأسوأ بالنسبة لإيران في احتمال خوضها حربا على جبهتين ضد كل من تركيا وباكستان، بتمويل من السعودية.
يقول كاتز : “من المؤكد أن هذا الاحتمال قد طرأ على ذهن الجانب الإيراني”.