واشنطن العاصمة 01:10 PM

خاص بـ"الحرة": بنك الأهداف السعودي الأميركي في العراق

تفاصيل جديدة عن الضربة الأميركية السعودية وتداعياتها داخل العراق.

· 5 دقيقة قراءة
بالقرب من آثار دمار في موقع تابع لقوات الحشد الشعبي، عقب غارات في برطلة بمحافظة نينوى في العراق، 29 يوليو 2026. رويترز/خالد الموصلي
بالقرب من آثار دمار في موقع تابع لقوات الحشد الشعبي، عقب غارات في برطلة بمحافظة نينوى في العراق، 29 يوليو 2026. رويترز/خالد الموصلي

لم تكن الغارات التي استهدفت سبع نقاط عراقية فجر الأربعاء الماضي ضربة عشوائية على مقار تابعة لهيئة الحشد الشعبي، بل عملية مخططة بدقة، وُزّعت أدوارها بين الرياض وواشنطن، وانحصرت في 3 فصائل بعينها، لكلٍّ منها ملف منفصل ومحدد.

ووفق مصدر عراقي أمني وآخر سياسي، مطّلعين عن قرب على مجريات الأزمة، فإن الفصائل التي أُدرجت على قائمة الأهداف هي منظمة بدر وحركة النجباء وكتائب حزب الله.

ورغم أن منظمة بدر لم تهدد بتوجيه أي ضربات للولايات المتحدة أو غيرها، فقد أدرجت على خلفية استهداف الأراضي الأردنية، بينما أُدرجت حركة النجباء على خلفية استهداف إقليم كردستان العراق، فيما أُدرجت كتائب حزب الله على خلفية الهجمات التي طالت الكويت والسعودية.

وأوضح المصدران أن النيران جرى تقاسمها جغرافيا: الضربات في الجنوب نُفّذت بطيران سعودي، أما في الشرق والشمال فكان القصف أميركيا.

ويتفق ذلك مع روايات عراقية أكدت أن مقاتلات سعودية وأميركية اخترقت الأجواء العراقية ونفذت الهجمات بشكل متزامن، وأن الضربات تركزت في منطقة شمل الدير في البصرة، والصويرة بواسط، وناحية عون بكربلاء، وقضاء الدبس بكركوك، وقضاء آمرلي في صلاح الدين، والحمدانية في سهل نينوى، وأطراف المدائن جنوبي بغداد، ومعسكر أبو منتظر المحمداوي (معسكر أشرف سابقا)، في ديالى.

وكان بين القتلى في معسكر المحمداوي، خمسة مستشارين في الحرس الثوري الإيراني كانوا يديرون الهجمات من داخل المعسكر.

وإذا وضعت خريطة الأهداف فوق خريطة النفوذ الميداني اتضحت المطابقة: معسكر أشرف وآمرلي والدبس تقع في العمق التقليدي لانتشار بدر في ديالى وصلاح الدين وكركوك، بينما تقع النقاط الجنوبية والفراتية في نطاق ما وصفه المصدران بالقصف السعودي.

وللفصائل الثلاث سجلات مختلفة تماما. فمنظمة بدر، التي تأسست عام 1982 في إيران بإشراف رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق محمد باقر الحكيم، هي الأقدم والأكثر اندماجاً في مؤسسات الدولة، بكتلة برلمانية وحضور في وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، ويقودها هادي العامري الذي شغل سابقاً منصب وزير النقل سابقاً، وهو قيادي في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم.

أما حركة النجباء فتأسست عام 2013 انشقاقاً عن عصائب أهل الحق بقيادة أكرم الكعبي، وهي مصنّفة منظمة إرهابية لدى الولايات المتحدة، فيما أُدرج الكعبي على قائمة الإرهابيين الدوليين بموجب الأمر التنفيذي الأميركي رقم 13224.

وتأسست كتائب حزب الله عام 2003 على يد أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، الذي اغتيل بضربة أميركية مع قاسم سليماني مطلع عام 2020.

المعلومة الأكثر حساسية في رواية المصدرين، تفيد بأن الضربات جاءت بعد أربعة أيام من تسليم الجانب الأميركي معلومات إلى الحكومة العراقية بشأن المقرات التي انطلقت منها الهجمات، وأن الحكومة لم تتخذ إجراءً على الأرض، فتحركت الرياض وواشنطن إلى التنفيذ المباشر.

وتجد هذه الرواية سندها في المعلن. فبعد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الوطني برئاسة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، أشار البيان الصادر إلى أن الهجوم جاء “في الوقت الذي كانت الحكومة العراقية تتواصل فيه مع الأطراف المعنية للتحقق والمعالجة لكل ما أثاره الجانبان السعودي والأميركي فيما يتعلق باستهداف الأراضي السعودية”.

أي أن بغداد لا تنفي وجود ملف مطروح عليها قبل الضربة، بل تُقرّ ضمناً بأنها كانت في طور التحقق حين وقع القصف. وذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبعد من ذلك، إذ أعلن أن الضربات على الفصائل جاءت بالتنسيق مع الحكومة العراقية، وهو ما زاد الضغط على الزيدي.

ويكشف المصدران أن الجانبين الأميركي والسعودي أبلغا الحكومة مسبقاً بأن ضربات ستوجَّه إلى عدد من المقار، وطلبا إخلاءها حتى لا تتصاعد الأحداث، على أن تنحصر الضربة في المعدات والأسلحة. وعلى إثر ذلك تواصل الزيدي مع رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض. لكن الأميركيين والسعوديين لم يحددوا المقار التي سيستهدفونها.

ويفسر ذلك الفجوة بين الروايتين في اليوم التالي، إذ أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنها نفذت بالشراكة مع القوات المسلحة السعودية “ضربات دقيقة في العراق” استهدفت موالين لإيران وجّههم الحرس الثوري لمهاجمة القوات الأميركية والبنية التحتية للطاقة في المملكة، رداً على أكثر من 30 هجوماً بالمسيّرات خلال الساعات الـ72 الماضية.

بينما أعلن الحشد الشعبي أن الحصيلة غير النهائية بلغت 20 قتيلاً و32 جريحاً، فيما قدّرت مصادر أمنية عدد المواقع المستهدفة بنحو 10 مقار.

وطلب الإخلاء من دون عنوان محدد على امتداد 6 محافظات يبقى عملياً صعب التنفيذ خلال ساعات.

أما المعلومة الأخيرة، وهي الأهم في قراءة ما بعد الضربة، فهي أن الزيدي أوصل رسالة إلى السعودية مفادها أن بغداد تنتظر منها أي معلومات مستقبلاً إذا ما تعرّضت لأي ضربات، وأنها ستتخذ الإجراءات الرادعة بنفسها، وفقاً لمصدر على علم بالاتصال تحدث لـ”الحرة”.

وتنطوي هذه الرسالة على تعهد بالغ الكلفة داخليا، إذ يعني أن الحكومة مستعدة لاتخاذ إجراءات ضد جهات محلية استناداً إلى معلومة خارجية، في وقت لم تكمل فيه حكومة الزيدي 3 أشهر على تشكيلها.

لكن تلك المعادلة انقلبت بعد القصف، إذ دعت الفصائل فوراً إلى إلغاء زيارة الزيدي إلى السعودية، وربطت ذلك بوقف إجراءات حصر السلاح، وأمهلت الجهات الحكومية التي طالبت بنزع سلاحها حتى 8 أغسطس، مؤكدة أن ردها على الولايات المتحدة “آتٍ لا محالة” بعد انتهاء مراسم زيارة الأربعين، وألمحت إلى أن الرد “قد يطال أدوات العدو الأميركي في السعودية إذا اقتضت الظروف ذلك”.

وبالفعل، أُرجئت زيارة الزيدي إلى الرياض إلى أجل غير محدد.

وجاءت مواقف الفصائل متسقة مع الملف المنسوب إلى كل منها. فقد وصفت منظمة بدر بزعامة هادي العامري الضربات بأنها “اعتداء آثم وغير مبرر”، مطالبة الحكومة باتخاذ موقف حازم، فيما لوّحت حركة النجباء بالرد ودعت إلى قطع أشكال التعاون مع السعودية، وطالبت سرايا أولياء الدم بطرد السفير السعودي وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الرياض.

كما قال الأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي إن استهداف قوة أمنية عراقية داخل الأراضي العراقية يمثل انتهاكاً للسيادة.

وفي المقابل، علّق زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر على الغارات قائلاً إن “على المليشيات المنفلتة عدم إعطاء ذريعة لقصف العراق”، داعياً الحكومة العراقية إلى ضبط الأمن وفرض السيادة.

أما مجلس الأمن الوطني فقرر وضع خطة أمنية متكاملة للتصدي لأي انتهاك لسيادة العراق، ومنع أي مصدر من أن يعمل على تهديد دول الجوار، وهي صيغة تشي بأن بغداد تعرف تماماً أن التهديد ينبع من الداخل.

ويبقى تحديد الجهات المنفذة مسألة معقدة في ذاتها. إذ نفت “المقاومة الإسلامية في العراق” في 27 يوليو مسؤوليتها عن استهداف منشآت سعودية ولوّحت برد “قاسٍ”، كما نفت “سرايا أولياء الدم” مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت أربيل أو الكويت.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة