واشنطن العاصمة 10:22 PM

بعد إعلان ترامب.. معركة جديدة حول "اتفاق غزة"

بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي، لا يبدو أن المعركة الحقيقية تدور بشأن تنفيذ اتفاق غزة، بل حول تفسيره أولا.

اقرأ بـ English
· 4 دقيقة قراءة
خيام يستخدمها نازحون فلسطينيون في يوم ممطر بوسط قطاع غزة، 16 نوفمبر 2025. رويترز/ محمود عيسى
خيام يستخدمها نازحون فلسطينيون في يوم ممطر بوسط قطاع غزة، 16 نوفمبر 2025. رويترز/ محمود عيسى

لم تمض ساعات على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم بشأن غزة حتى ظهر الخلاف حول أهم بنوده: ماذا سيحدث لسلاح حماس، ومتى تنسحب القوات الإسرائيلية من القطاع؟

وقال ترامب، الخميس، إن الاتفاق سيفتح الطريق أمام انسحاب إسرائيلي وانتشار قوة دولية، مؤكدا أن إسرائيل شاركت في صياغته ورحبت به. لكن أول رد إسرائيلي ربط أي انسحاب بـ”تفكيك حقيقي” لسلاح حماس، بينما قالت الحركة إنها لم توافق على تسليم سلاحها، وإنما على تخزينه ضمن ترتيبات تشرف عليها جهة فلسطينية.

وبدا بذلك أن الخلاف لا يدور حول تفاصيل تنفيذ الاتفاق فحسب، بل حول تفسيره من الأساس.

وفي أول موقف إسرائيلي بعد الإعلان عن الاتفاق، شدد مصدر سياسي تحدث لوسائل اعلام محلية على أن إسرائيل “أوضحت مجددا أنه لن يكون هناك أي انسحاب لقوات الجيش الإسرائيلي من الخط الأصفر الحالي من دون تفكيك حقيقي لسلاح حماس”.

وعكس التصريح استمرار تمسك الحكومة الإسرائيلية بهدفها المعلن منذ اندلاع الحرب، المتمثل في تجريد حماس من قدراتها العسكرية بصورة كاملة، وهو هدف كرره رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مرارا باعتباره شرطًا لأي ترتيبات تتعلق بـ”اليوم التالي” في غزة.

في المقابل، سارعت حماس إلى تقديم تفسير مختلف، إذ أكد عضو فريقها المفاوض غازي حمد أن الحركة لم توافق على تفكيك سلاحها أو تسليمه، وإنما على تخزينه تحت إشراف اللجنة التكنوقراطية التي يفترض أن تدير القطاع في المرحلة المقبلة.

وشدد على أن أي خطوة تتعلق بالسلاح لن تُنفذ قبل أن تلتزم إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، وفي مقدمتها الانسحاب من قطاع غزة.

كما نقلت مصادر فلسطينية أن مسودة الاتفاق تنص على تخزين الأسلحة الثقيلة وتفكيك البنية العسكرية تحت إشراف دولي، على أن تبقى هذه الأسلحة تحت سيطرة حكومة فلسطينية مستقبلية، من دون نقلها إلى إسرائيل أو إلى أي فصيل فلسطيني آخر.

وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط الخلاف.

فبينما تتحدث إسرائيل عن نزع كامل للسلاح وتجريد القطاع منه، تتحدث حماس عن تنظيم ملف السلاح ضمن ترتيبات انتقالية مرتبطة بانسحاب الجيش الإسرائيلي واستكمال تنفيذ الاتفاق، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة لما أعلنته الأطراف الراعية.

ورغم هذا التباين، يرى المحلل والكاتب الفلسطيني أشرف العجرمي أن ما جرى يمثل تحولًا سياسيا مهما.

وأوضح في حديث لـ”الحرة” أن موافقة حماس على الخطة المطروحة تعني تجاوز العقبة الأكبر التي أعاقت تنفيذ المبادرة طوال الفترة الماضية، معتبرا أن الاتفاق، إذا نُفذ، قد يفتح الباب أمام مرحلة التعافي في غزة، وإعادة الإعمار، وربط القطاع بالضفة الغربية، تمهيدًا لاستئناف مسار سياسي أشمل.

ويرى العجرمي أن نجاح الاتفاق لا يعتمد على موافقة الفلسطينيين وحدهم، بل أيضا على الموقف الإسرائيلي، ويلفت إلى أن الإدارة الأميركية وضعت ثقلها الكامل خلف المبادرة، وأن حكومة نتنياهو، حتى لو حاولت تعطيلها، ستجد نفسها أمام ضغوط أميركية متزايدة، لأن المشروع بات مرتبطًا مباشرة بالرئيس ترامب وإدارته.

لكن هذه القراءة لا تجد صدى واسعا داخل إسرائيل، حيث يسود قدر كبير من التشكيك في إمكانية التزام حماس، المصنفة إرهابية من دول عدة، بأي اتفاق يتعلق بسلاحها.

ويعبر عن هذا الموقف نائب رئيس الكنيست أكرم حسون المقرب من وزير الخارجية الاسرائيلي، مشيرا إلى أن إسرائيل تثق بالولايات المتحدة وبالرئيس ترامب، لكنها لا تثق بحماس.

وأضاف حسون في مقابلة مع “الحرة” أن نجاح المبادرة لن يقاس بالإعلانات السياسية، وإنما بقدرة مجلس السلام والجهات الدولية على تنفيذ بند نزع السلاح على أرض الواقع، معتبرا أن إسرائيل تنتظر خطوات عملية قبل الحديث عن أي تغيير في مواقفها أو ترتيباتها الأمنية.

ولا يقتصر التحفظ داخل إسرائيل على التشكيك بإمكانية تنفيذ الاتفاق، بل يمتد إلى رفضه أصلا لدى أطراف في الائتلاف الحكومي.

فقد هاجم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أي تفاهم مع حركة حماس، مؤكدا أن الحل الوحيد الذي يمكن لإسرائيل القبول به هو “القضاء على حماس وتشجيع الهجرة من غزة”، ورافضا أي اتفاق يتضمن وقف عمليات استهداف عناصر الحركة أو يمنحها أي دور في مستقبل القطاع.

وتعكس هذه المواقف حجم التحديات السياسية التي قد تواجه نتنياهو إذا قرر المضي في أي تفاهمات لا تنسجم مع مواقف شركائه في اليمين الإسرائيلي، حتى لو حظيت بدعم مباشر من الإدارة الأميركية.

كما تعترض الاتفاق مشكلات بينها ملف الأنفاق. ويرى السفير ممدوح جبر، مساعد وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق أنه قد يمثل أزمة ثانية بعد تسليم السلاح، خصوصا بعدما تحول قطاع غزة إلى ركام بالكامل، وبات من الصعب تماما اكتشاف جميع الأنفاق.

وأشار جبر في تصريحات لـ”الحرة” إلى أن تلك الأزمة قد تتفاقم إذا اكتشفت إسرائيل أن حماس تتلاعب بشأنها، إذ سيؤدي ذلك إلى فرض مزيد من الإجراءات والقيود.

وبدا السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أكثر تفاؤلا إذ اعتبر أن الفترة المقبلة التي ستشهد اجتماعات في القاهرة للوسطاء (مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا) تعني انتقال إدارة أزمة قطاع غزة إلى ترتيبات اليوم التالي للحرب.

لكنه تابع أن نجاح المرحلة الجديدة من الاتفاق يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة وضمانات دولية فعالة، خاصة فيما يتعلق بجداول الانسحاب، وإدارة الأمن، وإعادة الإعمار، ومنع العودة إلى دائرة التصعيد، والمشاركة الدولية في الترتيبات الأمنية “بما يضمن الالتزام المتبادل حتى لا ينهار الاتفاق عند أول اختبار ميداني”.

ومع كل هذه المواقف المتباعدة، لا تبدو المعركة الحقيقية قد بدأت بشأن تنفيذ الاتفاق، بل حول تفسيره أولًا، وهو ما قد يحدد ما إذا كان الإعلان الأميركي سيمثل بالفعل نقطة تحول في الحرب، أم مجرد محطة جديدة في مسار طويل من تفاهمات اصطدمت سابقًا بتناقض الروايات وتضارب الشروط.

شارك أحمد العليمي من القاهرة في إعداد هذا التقرير.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة