منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، انشغل الباحثون في الشأن الليبي بسؤال لم يجد حتى الآن إجابة مقنعة: كيف تحولت ثورة رفعت شعارات الحرية وبناء الدولة إلى بلد تتنازع سلطته حكومات ومؤسسات وميليشيات وقوى إقليمية ودولية؟
ركزت بعض التفسيرات على التدخل العسكري لحلف الناتو، وبعضها أعاد أصل الأزمة إلى إرث القذافي الذي ترك وراءه دولة شديدة الهشاشة، بينما ركز آخرون على انتشار السلاح وصعود الميليشيات والانقسامات المناطقية والقبلية والتدخلات الخارجية.
وسط هذه التفسيرات يأتي كتاب الباحثة إنغا كريستينا تراوثيغ “إفساد الثورة: كيف أبقت القوى الإسلامية والسلفية الدولية ليبيا رهينة منذ 2011″، ليضيف بعدا آخر إلى النقاش، وهو الدور الذي لعبته الشبكات الإسلامية المنظمة في استغلال الفراغ الذي أعقب سقوط النظام، وتحويل ضعف الدولة إلى فرصة لبناء نفوذ سياسي وأمني وديني طويل الأمد.
لا تكمن أهمية الكتاب في تكرار المقولة المبسطة بأن “الإسلاميين أفسدوا الثورة الليبية”. فالحجة التي تقدمها تراوثيغ أعمق من ذلك، وإنما في المقارنة التي تجريها بين قوتين تبدوان، من الناحية الفكرية والتنظيمية، متناقضتين تماما: جماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي المدخلي. فالإخوان دخلوا إلى ليبيا الجديدة من بوابة السياسة المنظمة، عبر الأحزاب والانتخابات والتحالفات والمؤسسات ومحاولة تحويل حضورهم التنظيمي إلى نفوذ سياسي، بينما سلك المدخليون طريقا مختلفا، إذ توسع حضورهم عبر المساجد والمؤسسات الدينية والأجهزة الأمنية وبعض التشكيلات المسلحة. وعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين المدرستين في النظر إلى السياسة، فإن النتيجة التي يلفت إليها الكتاب متشابهة إلى حد بعيد. استطاع كلاهما، بأدوات مختلفة، أن يجد لنفسه موقعا مؤثرا داخل دولة ضعيفة لم تستطع احتكار القوة أو فرض سلطتها على جميع الفاعلين.
وهنا تحديدا تظهر واحدة من أهم أفكار الكتاب. فالسلطة، خصوصا في الدول الهشة، لا تأتي بالضرورة من صندوق الاقتراع أو من السيطرة على الحكومة. يمكن لحركة سياسية أن تدخل البرلمان وتشارك في تشكيل الحكومات، لكن يمكن لحركة أخرى أن تحقق نفوذا لا يقل أهمية من خلال السيطرة أو التأثير في أجهزة الأمن والسجون والمساجد والمؤسسات الدينية والتشكيلات المسلحة. ولذلك فإن المقارنة بين الإخوان والمدخليين تتجاوز الحالة الليبية إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة السلطة في المجتمعات التي تنهار فيها الدولة: من يحكم فعلا، من يجلس في مجلس الوزراء، أم من يستطيع فرض إرادته على الأرض؟
يعيد الكتاب أيضا فتح واحدة من أشهر الفرضيات في الدراسات الغربية عن الإسلام السياسي، وهي ما يعرف بـ”فرضية الإدماج والاعتدال”. فقد ساد لسنوات تصور مفاده أن السماح للحركات الإسلامية بالمشاركة في الانتخابات والبرلمانات سيدفعها تدريجيا نحو الاعتدال، لأن العمل السياسي يفرض عليها التفاوض وقبول الخصوم وتقديم التنازلات والتكيف مع قواعد اللعبة الديمقراطية. لكن التجربة الليبية، كما تقرأها تراوثيغ، لا تؤكد هذه الفرضية، فالدخول إلى المؤسسات لا يعني بالضرورة أن الحركة تغيرت، وقد يحدث بدلا من ذلك أن تتعلم الحركة كيفية استخدام المؤسسات لتعزيز نفوذها من دون أن تتغير بالدرجة التي توقعها أنصار نظرية الاعتدال.
وهذه مسألة تتجاوز ليبيا بكثير، وترتبط بسؤال مطروح منذ صعود الإسلاميين بعد الربيع العربي: هل يؤدي دمج الحركات العقائدية في النظام السياسي إلى تحويلها تدريجيا إلى أحزاب طبيعية تتنافس على البرامج والمصالح، أم أن المؤسسات نفسها قد تتحول إلى أدوات جديدة في يد تنظيمات أكثر تماسكا من خصومها؟ لا يقدم الكتاب إجابة تصلح لكل البلدان والحركات، لكنه يقدم سببا قويا للتشكيك في المعادلة السهلة التي تساوي بين المشاركة السياسية والاعتدال.
أما الجانب الأكثر إثارة في الكتاب، فيتعلق بصعود السلفية المدخلية داخل المشهد الأمني والعسكري الليبي. فالمدخلية تقوم فكريا على رفض الثورة والخروج على الحاكم، وتتحفظ على الحزبية والعمل السياسي بالمعنى التقليدي، لكن التجربة الليبية أظهرت مفارقة لافتة: تيار يرفض السياسة نظريا استطاع أن يصبح فاعلا سياسيا من خلال الأمن والسلاح والدين.
وتزداد المفارقة وضوحا عندما ننظر إلى حضور شبكات مدخلية داخل بيئات أمنية وعسكرية مرتبطة بمعسكر خليفة حفتر، الذي بنى جزءا أساسيا من خطابه ومشروعه على محاربة الإرهاب والإسلام السياسي.
هذه المفارقة وحدها تكفي لإسقاط القراءة التقليدية للصراع الليبي باعتباره مواجهة بسيطة بين “إسلاميين” و”علمانيين”. فما تشهده ليبيا هو تنافس بين شبكات متعددة تحاول السيطرة على مؤسسات دولة ضعيفة، ويستمد كل طرف شرعيته من مصدر مختلف. هناك من يستند إلى الانتخابات، ومن يستند إلى شرعية الثورة، ومن يقدم نفسه ممثلا للمؤسسة العسكرية، ومن يستند إلى الدين أو القبيلة أو المنطقة، بينما يعتمد آخرون بدرجات متفاوتة على الدعم الخارجي. وقد يجتمع داخل المعسكر السياسي أو العسكري الواحد فاعلون يفترض أنهم متناقضون أيديولوجيا إذا جمعتهم المصلحة في مواجهة خصم مشترك.
ومن هنا تصبح دراسة المدخليين في الكتاب مهمة بصورة خاصة، لأنها تلفت الانتباه إلى خطأ التعامل معهم باعتبارهم مجرد تيار ديني محافظ بعيد عن السياسة. فعندما يصبح أتباع تيار ديني جزءا من أجهزة الأمن والتشكيلات المسلحة والسجون والمساجد والمؤسسات الدينية، فإننا لم نعد نتحدث عن دعوة دينية فقط، وإنما عن شبكة قوة قادرة على التأثير في الدولة والمجتمع معا. وهذا ربما يكون أحد أهم استنتاجات تراوثيغ: ليس ضروريا أن تؤسس حزبا لكي تصبح قوة سياسية، ولا أن تعلن رغبتك في الحكم لكي تمارس السلطة.
هناك بعد آخر مهم في الكتاب، وهو الطابع العابر للحدود لهذه الشبكات. فالصراع الليبي لم يكن في أي مرحلة بعد 2011 شأنا داخليا خالصا؛ الأفكار والتمويل والتحالفات السياسية والدينية والأمنية تحركت عبر الحدود، كما تحولت ليبيا نفسها إلى إحدى أبرز ساحات التنافس الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي هذا السياق يقدم الكتاب درسا مهما حول طبيعة التدخل الخارجي الحديث: لم تعد الدولة تحتاج دائما إلى احتلال بلد أو إرسال جيش ضخم لكي تؤثر في قراره، إذ يمكنها أن تفعل ذلك من خلال حزب أو ميليشيا أو قائد عسكري أو شبكة مالية أو مؤسسة دينية أو دعم إعلامي وسياسي. وكلما ضعفت الدولة الوطنية، ازدادت قدرة هذه الشبكات المرتبطة بالخارج على التحول إلى قوى داخلية تفوق أحياناً المؤسسات الرسمية نفسها.
لكن هذه النقطة تقود أيضا إلى التحفظ الأساسي الذي ينبغي تسجيله على عنوان الكتاب وبعض ما قد يوحي به. فالإخوان والسلفيون، مهما بلغ حجم تأثيرهم، لا يستطيعون وحدهم تفسير الكارثة الليبية. القذافي لم يترك وراءه دولة مؤسسات مستقرة ثم جاء هؤلاء فدمروها، بل ترك نظاما أمضى أكثر من أربعة عقود في إضعاف المؤسسات المستقلة ومنع ظهور مراكز قوة يمكن أن تنافس سلطته. وبعد سقوط النظام جاء الفشل في بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، ورفضت تشكيلات مسلحة كثيرة التخلي عن سلاحها، وتحولت الشرعية الثورية تدريجيا إلى مصدر للنفوذ السياسي والاقتصادي، ثم دخل النفط والمال العام والمؤسسات السيادية في دائرة الصراع، وتعمقت الانقسامات بين الشرق والغرب، قبل أن تتحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة لتدخلات إقليمية ودولية متنافسة.
لهذا السبب، من الأدق النظر إلى الإخوان والمدخليين باعتبارهما جزءا مهما من تفسير فشل الانتقال الليبي، لا التفسير الكامل له. والميزة الحقيقية لكتاب تراوثيغ أنه يكشف كيف تستفيد الحركات الأيديولوجية المنظمة من انهيار المؤسسات بصورة أسرع من القوى المدنية المشتتة. فعندما تسقط السلطة المركزية، لا يتساوى الجميع في قدرتهم على استغلال الفراغ؛ التنظيم الذي يمتلك قيادة وشبكات تمويل وعلاقات خارجية وخطابا عقائديا وأتباعا منضبطين يبدأ السباق من موقع أكثر تقدما من المواطن المستقل أو الأحزاب المدنية الناشئة.
وربما يقودنا ذلك إلى الدرس السياسي الأهم في الكتاب، وهو درس لا يتعلق بالإخوان أو المدخليين بقدر ما يتعلق بمفهوم الدولة نفسه. لقد كشفت ليبيا خطأ الاعتقاد الذي رافق كثيرا من ثورات الربيع العربي بأن إسقاط رأس النظام يعني بالضرورة أن الطريق أصبح مفتوحا لبناء نظام أفضل. إسقاط نظام يمكن أن يحدث خلال أسابيع، لكن بناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات وقواعد سياسية وجيش وأمن وقضاء وقدرة على احتكار السلاح، وهي عملية قد تستغرق سنوات طويلة. وبين لحظة سقوط النظام ولحظة قيام الدولة الجديدة توجد أخطر مساحة سياسية على الإطلاق: الفراغ.
وفي هذا الفراغ تدخل القوى الأكثر تنظيما. تدخل الجماعة التي تمتلك شبكة سياسية، والتيار الذي يمتلك المساجد، والميليشيا التي تمتلك السلاح، والقبيلة التي تمتلك العصبية المحلية، ورجل الأعمال الذي يمتلك المال، والدولة الأجنبية التي تمتلك القدرة على تمويل الجميع. ومع مرور الوقت يكتشف المواطن الذي خرج مطالبا بدولة أفضل أن الجميع أصبح يمتلك جزءا من الدولة، بينما الدولة نفسها لم تعد تمتلك الجميع.
من هذه الزاوية يصبح عنوان “إفساد الثورة” أكثر قابلية للفهم، ولكن بمعنى أوسع من الاتهام المباشر للإخوان والسلفيين. فالثورة الليبية لم يختطفها طرف واحد في لحظة واحدة، وإنما جرى تفكيكها والاستحواذ على مؤسساتها قطعة بعد أخرى، حتى تحولت الدولة من لاعب يحتكر السلطة إلى ساحة تتنافس فوقها قوى محلية وإقليمية وعقائدية ومسلحة.
وهذا هو في النهاية أهم ما يجعل الكتاب جديرا بالقراءة. فهو لا يخبرنا فقط بما فعله الإخوان أو كيف صعد المدخليون، وإنما يدفعنا إلى إعادة التفكير في السؤال الذي نطرحه عن ليبيا منذ 2011. ربما لم يعد السؤال الأهم: من أفسد الثورة الليبية؟ بل كيف سمح انهيار الدولة بأن تصبح الثورة نفسها غنيمة يتنافس عليها الجميع؟
والإجابة التي يمكن استخلاصها من التجربة الليبية قاسية، لكنها مهمة للمنطقة كلها: حين يسقط النظام قبل أن توجد مؤسسات قادرة على وراثة الدولة، فإن الفراغ لا يبقى فارغا، بل يملؤه الأكثر تنظيما والأكثر تسلحا والأكثر اتصالا.