شكّل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانضمام إلى إسرائيل في حربها على إيران ذروة مسار متواصل من التدهور في العلاقة الأمنية بين السعودية والولايات المتحدة. إذ اُتخذ القرار رغم محاولات المملكة المتكررة للحيلولة دونه.
ولا يبدو أن المسؤولين الأميركيين وضعوا في حسبانهم ما سيترتب على هذا القرار بالنسبة إلى أمن السعودية.
وبعدما دفعت الحرب الحوثيين في اليمن إلى استئناف هجماتهم على المملكة، بقي ترامب حتى الآن محجماً عن الاستجابة للطلبات السعودية بتوجيه ضربات إليهم.
وجدت السعودية نفسها منذ عقدين في مأزق أمني مزمن، إذ أخذت المصالح التي كانت تجمعها بالولايات المتحدة تتباعد تدريجيًا وبشكل مطرد، ما جعلها مرتبطة بشريك لم يعد بالإمكان التعويل عليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى باتت حروبه تنطوي على خطر جرّها إلى صراعات لا تخدم مصالحها.
ومنذ بدأت الرياض البحث عن مخرج من هذا المأزق، تأرجحت خياراتها، مثل بندول الساعة، بين السعي نحو توقيع معاهدة دفاع ملزمة مع الولايات المتحدة، وتقليص الاعتماد عليها عبر تنويع الشركاء الأمنيين. وليس من المرجح أن توقف الحرب الحالية هذا التأرجح، بل الأرجح أنها ستزيد من سرعته وحدته.
وألحقت الحرب بالسعودية أضراراً مباشرة. فموجات الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي شنتها إيران وحلفاؤها في العراق خلال الأسابيع الأولى من الحرب كانت أوسع هجوم تتعرض له المنشآت العسكرية والنفطية السعودية في تاريخها.
وانكمش الناتج المحلي الإجمالي السعودي في الربع الثاني من هذا العام بنسبة 4.8 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وكان الانكماش سيكون أشد لولا أن الحكومة أنفقت نحو 202.6 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، بزيادة قدرها 15.4 في المئة عن إنفاقها خلال النصف الأول من عام 2025.
لكن التطور الأهم أن الحرب أنهت الهدنة غير الرسمية التي ظلت قائمة منذ عام 2022 بين السعودية والحوثيين في اليمن. ففي يوليو، أعلن الحوثيون أنهم سيمنعون السفن السعودية من عبور مضيق باب المندب. ثم أعقبوا ذلك بالسيطرة على ساحل البحر الأحمر وصولًا إلى المضيق، ما عزز قدرتهم على استهداف حركة الملاحة البحرية العابرة.
وفي الوقت نفسه، واصلوا تصعيد هجماتهم على منشآت البنية التحتية الحيوية في السعودية. وفي 10 سبتمبر، انضمت ميليشيات عراقية إلى الحوثيين مهاجمةً خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط السعودي من الخليج إلى البحر الأحمر، ما أدى إلى تعطله.
ومهما بدت هذه التطورات خطيرة وغير مسبوقة في تاريخ السعودية، فإنها لا تغير جوهر المعضلة الأمنية التي وجدت المملكة نفسها في مواجهتها منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
فقبل هذا التاريخ، اعتمدت السعودية على شراكة أمنية غير رسمية مع الولايات المتحدة، لكنها كانت شراكة موثوقة، لحمايتها من كل من إيران والعراق.
وكانت واشنطن توفر للمملكة عنصرين أساسيين. أولهما: تزويدها بمنظومات دفاع جوي ومقاتلات أكثر تقدمًا وتطورًا، ما جعل القوة الجوية السعودية الأقوى بين الدول الثلاث. وثانيهما: التدخل العسكري لحماية الوضع القائم، كما حدث عندما غزا العراق الكويت عام 1990. ومنذ ذلك الحين، حافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري رادع شبه دائم في منطقة الخليج.
لكن حرب العراق عام 2003 قلبت هذا الترتيب الأمني رأسًا على عقب، وأدخلت السعودية في معضلة لم تتمكن من حلها حتى الآن. فتلك الحرب حولت الدور الأميركي بالمنطقة من قوة تسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم إلى قوة مستعدة للمساهمة في تغييره.
ومنذ عام 2007، أخذ التدخل الأميركي المباشر يتراجع لمصلحة التزام استراتيجي بالحد الأدنى من الانخراط في الشرق الأوسط وتحويل التركيز نحو شرق آسيا. واتسم انخراط واشنطن مع المنطقة بطبيعة متقطعة غير متسقة، استجابة لتطورات إقليمية طارئة، من صعود تنظيم “الدولة الإسلامية”»” إلى تداعيات هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر.
والمفارقة أن الغزو الأميركي للعراق أسهم أيضًا في توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة على حساب السعودية. فقد أزال العراق من موقعه بوصفه قوة إقليمية موازنة لإيران، وحوّله إلى ساحة رئيسية للتنافس بين البلدين.
واغتنمت إيران الفرصة، فكرّست نفوذها في العراق عبر شبكة من الحلفاء السياسيين والميليشيات الشيعية. وفي الوقت نفسه، كانت قوة طهران تتنامى في سوريا. فعندما خلف بشار الأسد والده حافظ الأسد في الرئاسة عام 2000، تحولت الشراكة الأمنية السورية-الإيرانية بصورة حاسمة لمصلحة طهران.
أما في لبنان، فقد أخذ حزب الله، حليف إيران، يملأ تدريجيًا فراغ السلطة الذي خلّفه اغتيال حليف السعودية، رفيق الحريري، عام 2005، وما أعقبه من انسحاب سوري قسري من البلاد.
دفعت هذه التحولات مجتمعة السعودية إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة. وكان أحد هذه الترتيبات تعويض تباعد المصالح بينها وبين الولايات المتحدة وغياب الاتساق في سياسات الأخيرة عبر السعي إلى توقيع معاهدة دفاع رسمية ملزمة قانونيًا تتضمن التزامًا شبيهًا بالمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
لكن إبرام معاهدة من هذا النوع كان يتطلب موافقة مجلس الشيوخ الأميركي. ولذلك اشترطت إدارتا ترامب وبايدن، كل على حدة، أن تطبع السعودية علاقاتها مع إسرائيل. وكانت الرياض قد اقتربت من هذا الهدف أكثر من أي وقت مضى قبيل هجمات 7 أكتوبر حين قال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لشبكة “فوكس نيوز” إن البلدين “يقتربان كل يوم” من تطبيع العلاقات.
وفي موازاة السعي لتوقيع معاهدة، سعت السعودية إلى تنويع شراكاتها الأمنية، بهدف الحد من اعتمادها الحصري على الولايات المتحدة. واتخذ هذا المسعى أشكالًا عدة، أحدها تعميق العلاقات مع حلفاء واشنطن الأوروبيين. لكن اتهامات انتهاك حقوق الإنسان في الحرب اليمنية، إلى جانب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، جعلت هذه الدول أقل موثوقية من الولايات المتحدة، وأكثر عرضة للضغوط السياسية الداخلية.
وبين عامي 2015 و2022، اختبرت السعودية أيضًا إمكانية تنويع شراكاتها الأمنية عبر التقارب مع الخصمين الرئيسيين للولايات المتحدة على الساحة الدولية: روسيا والصين. لكن هذا الخيار لم ينجح، لأن الصين لا ترغب في الاضطلاع بهذا الدور، بينما أظهرت الحرب الروسية المستمرة في أوكرانيا منذ عام 2022 أن موسكو لا تستطيع أن تحل محل واشنطن.
وحين لم تثبت الشراكات الأوروبية ولا التحالف مع القوى الكبرى قابليتها لتوفير البديل المطلوب، بدأت السعودية تتجه إلى بناء علاقات أمنية أوثق مع قوى إقليمية متوسطة، عربية وإسلامية، وفي مقدمتها تركيا، أكبر الدول ذات الأغلبية المسلمة في حلف الناتو، وباكستان، القوة النووية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة، ومصر، صاحبة أكبر وأقوى جيش عربي.
ومع أن هذا المسار تُوّج باتفاقات دفاعية ثنائية ومتعددة الأطراف، لكنها لم تنجح حتى الآن في توفير المظلة الأمنية التي تحتاج إليها السعودية.
أثبتت الحرب الحالية أن التفوق الجوي السعودي، إلى جانب منظومات الدفاع الجوي الباهظة الثمن، لا يوفر حلولا كافية بمواجهة تحدي الصواريخ والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.
كما كشفت الحرب أن البنية التحتية العسكرية الأميركية التي ترسخت في المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي يمكن أن تتحول من أصلٍ يردع الخصوم إلى عبء يضاعف المخاطر.
وكلما باتت السعودية أكثر انكشافًا أمام تداعيات الصراعات الإقليمية، كلما يتوقع أن تزداد حدّة وسرعة تأرجحها بين خيارات لم يثبت أي منها حتى الآن قدرته على حل معضلتها الأمنية بصورة نهائية.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).