تعمل منشآت مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني تحت أسماء شركات بتروكيماوية وصناعية مدنية، فيما تضم في داخلها خطوطا ومختبرات لإنتاج الوقود الصلب ومكونات تدخل في صناعة الصواريخ الباليستية، وفق شهادات ثلاثة عمال إيرانيين سابقين تحدثوا لـ”الحرة”.
وقال العمال إن إحدى الشركات التي عملوا فيها تحمل من الخارج لافتة “شركة صناعات بتروكيماوية”، لكنها تضم مجمعا واسعا يمتد إلى طوابق تحت الأرض، حيث توجد مختبرات لمعالجة مواد كيميائية وإنتاج الوقود الصلب المستخدم في الصواريخ.
وتكشف شهاداتهم، إلى جانب معلومات قدمتها مصادر في المعارضة الإيرانية، جانبا من شبكة صناعية موزعة على مناطق عدة في إيران، تقول المصادر إن الحرس الثوري يستخدم فيها منشآت مدنية وشركات واجهة لإخفاء عمليات مرتبطة ببرنامجه الصاروخي وتأمين المواد الخام اللازمة له، بما في ذلك مواد مستوردة من الصين.
وتمكنت “الحرة” من التواصل مع العمال الثلاثة بعد محاولات عدة، عبر معارضين أكراد وأحوازيين، لكنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل رواياتهم أو من المواقع التي تحدثوا عنها.
وقال العمال إن الشركة التي كانوا يعملون فيها تخضع بالكامل لإشراف منظمة “جهاد الاكتفاء الذاتي” التابعة للحرس الثوري، بالتعاون مع منظمة الصناعات الدفاعية والقوة الجوفضائية في الحرس.
وبحسب شهاداتهم، أنهت الشركة خدماتهم مع عشرات العمال الآخرين مطلع العام وأجبرتهم على توقيع تعهدات بعدم الكشف عما يجري داخل المصنع. وقالوا إن خبراء وعمالا من الصين وكوريا الشمالية حلوا محل عدد منهم في بعض مواقع العمل والإشراف.
وتدرج الولايات المتحدة الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، كما فرضت عقوبات على جهات وأفراد مرتبطين بمنظمة “جهاد الاكتفاء الذاتي”.
وقال العمال إن قسما من مختبرات المجمع يختص بإنتاج الأمونيا، التي تدخل في مراحل معالجة تنتهي بإنتاج بيركلورات الأمونيوم النقية، وهي مادة رئيسية في تصنيع الوقود الصلب المستخدم في الصواريخ الباليستية.
وبحسب رواياتهم، ينقل الوقود إلى خطوط تجميع داخل المجمع نفسه، فيما ترسل كميات منه إلى منشآت أخرى تعمل في إنتاج الصواريخ.
وقال العمال الثلاثة إن حوادث تسمم ببيركلورات الأمونيوم أدت إلى وفاة عمال داخل المنشأة، وإنهم يعانون بدورهم من مشكلات في التنفس.
وتواصلت “الحرة” مع عدد من أقارب العمال الذين قيل إنهم توفوا، لكنهم رفضوا الحديث خشية الاعتقال أو الملاحقة.
ولا تقتصر الشبكة، بحسب المصادر، على الإنتاج المحلي.
وقال كوران يزدان بنا، القيادي في حزب الحرية الكردستاني المعارض، إن إيران استوردت منذ بداية العام مئات الأطنان من المواد الخام المرتبطة بالصناعات العسكرية من شركات صينية.
وأوضح في تصريحات لـ”الحرة” أن الشحنات شملت بيركلورات الصوديوم ومواد مزدوجة الاستخدام تدخل في تصنيع وتطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
وقال إن المواد نقلت من الصين إلى إيران، قبل اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة في فبراير، عبر شركات واجهة وشبكات مرتبطة بالذراع الخارجية للحرس الثوري، فيلق القدس المدرج بدوره على قوائم الإرهاب الأميركية.
وتشير شهادات قيادات في المعارضة الإيرانية تحدثت لـ”الحرة” إلى انتشار منشآت مرتبطة بالصناعات الكيميائية العسكرية في مناطق كردية غربي وشمال غربي إيران، وفي الأحواز جنوبا وجنوب غربي البلاد، وفي بلوشستان في الجنوب الشرقي.
وتقول المصادر إن مدينة روانسر في محافظة كرمانشاه تعد أحد المراكز السرية لإنتاج المواد الكيميائية والوقود الصلب للصواريخ الباليستية. ويقع المجمع، بحسب رواياتها، داخل منطقة مدنية وتوجد أجزاء منه تحت مبان تستخدمها شركات تبدو مدنية.
وفي كرمانشاه أيضا، تحدثت المصادر عن منشأة أخرى تحت جبل شاهو خلف قرية شوانكار، في منطقة جبلية يصعب الوصول إليها.
كما قالت إن مجمعا مشابها يقع في منطقة جبلية قرب مدينة خرم آباد، فيما يستخدم الحرس الثوري منطقة مهران بمحافظة إيلام، قرب الحدود العراقية، لاختبار مواد حارقة مثل النابالم والفسفور الأبيض والمتفجرات، إضافة إلى تخزين مواد كيميائية تصل عبر الحدود العراقية.
وبحسب المصادر نفسها، أنشأ الحرس الثوري في بعض تلك المناطق أنفاقا ومسارات نقل سرية لنقل المواد بسرعة إلى منشآت الصواريخ خلال فترات التوتر والحرب.
وفي شمال غربي إيران، قالت المصادر إن مدينة خوي تضم مستودعات استراتيجية للمواد الكيميائية الخام تخضع لإجراءات أمنية مشددة بسبب قربها من الحدود ومن أذربيجان.
ومن بين المنشآت التي أشارت إليها المصادر أيضا مجمع لوردغان للبتروكيماويات في جنوب غربي إيران، الذي يضم، بحسب رواياتها، منشآت لإنتاج الأمونيا واليوريا.
ويرتبط المجمع بشركة صناعات البتروكيماويات الخليجية الإيرانية (PGPIC)، التي فرضت عليها وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عام 2019 بسبب تقديمها دعما ماليا لشركة “خاتم الأنبياء” للإنشاءات، الذراع الاقتصادي للحرس الثوري.
وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، تستحوذ الشركة ومجموعتها على نحو 40 في المئة من إجمالي الطاقة الإنتاجية للبتروكيماويات في إيران، ونحو نصف صادرات البلاد في هذا القطاع.
وتحدثت المصادر كذلك عن مجمع عسلوية للبتروكيماويات، الذي قالت إنه يضم مختبرات ومواقع لإنتاج المتفجرات وبيركلورات الأمونيوم والوقود الصلب. وتعرضت المنطقة لضربات جوية أميركية وإسرائيلية خلال الحرب.
وفي بلوشستان، قرب ميناء تشابهار المطل على المحيط الهندي، قالت قيادات في المعارضة الإيرانية إن الحرس الثوري يعمل على توسيع القدرة على إنتاج بيركلورات الأمونيوم بمساعدة شركات صينية.
ولم تتمكن “الحرة” من التحقق بصورة مستقلة من وجود المنشآت السرية التي وصفتها المصادر أو من طبيعة الأنشطة التي تجري فيها، ولا تنشر السلطات الإيرانية معلومات عن منشآت من هذا النوع.
وقال الخبير في الشؤون الإيرانية مهدي عقبائي إن السلطات الإيرانية تستخدم منذ سنوات أسماء شركات زراعية وصناعية وتجارية للحصول على مواد ومعدات حساسة قبل نقلها، عبر شركات واجهة ووسطاء، إلى جهات عسكرية أو مشروعات سرية.
وأضاف في تصريحات لـ”الحرة” أن الأسلوب نفسه ظهر في إدارة أجزاء من البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، حيث تستخدم واجهات مدنية لإخفاء طبيعة المواد المستوردة والجهة التي تنتهي إليها.