واشنطن العاصمة 03:44 PM
ميثاق مكة: بين التعهدات الدفاعية وحسابات الواقع

ماغازين · سبتمبر 2026

ميثاق مكة: بين التعهدات الدفاعية وحسابات الواقع

التحالف الدفاعي الذي وقّعته السعودية وباكستان وتركيا الشهر الماضي لم يُفضِ إلى أي تحرك مشترك. وهذا ليس مفاجئًا.

أبيغيل جورج، طالبة ماجستير في سياسات الشرق الأوسط بجامعة بيبرداين.

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة

وُقّع اتفاق الدفاع المشترك في مكة، أو “ميثاق مكة”، في 7 أغسطس، من جانب قادة الدول الثلاث: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. وقد صيغ الاتفاق إلى حد كبير على غرار المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي تنص على أن “أي هجوم مسلح على أي دولة من الدول الثلاث سيعد هجوما عليها جميعا”. فهل أصبحت تركيا وباكستان ملزمتين الآن باتخاذ إجراء عسكري بعدما تعرضت السعودية لهجمات من وكلاء إيران؟

ليس تماما. فالتشابه مع المادة الخامسة قد يكون حتى الآن شكليا أكثر منه هيكليا. ويشير الدكتور كوتس أولريشسن، الزميل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسة العامة في هيوستن، والرئيس المشارك لـ”مائدة الشرق الأوسط المستديرة للطاقة”، إلى أن الاتفاق لم يُصدّق عليه رسميا بعد من البرلمانات في الدول الموقعة، فضلا عن وجود حالة من عدم اليقين بشأن الأحكام المحددة التي يتضمنها. ويرى أولريشسن أن الميثاق يمثل إطارا لتعزيز التعاون الدفاعي والأمني بين الدول الثلاث، وليس آلية تلقائية لإطلاق تحرك عسكري، مشيرا إلى أن أوجه التكامل بينها قد تصبح أكثر وضوحا بمرور الوقت.

وفي الوقت الذي تواصل فيه المملكة تلقّي الضربات من إيران ووكلائها في العراق واليمن، لم يُفضِ الميثاق إلى أي تدخل عسكري من جانب باكستان وتركيا، رغم أن لكل منهما شراكات دفاعية أقل رسمية مع السعودية منذ سنوات.

وقد جاءت الإشارات الصادرة من إسلام آباد متناقضة. فقد حذّر وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف في البداية من أن أي هجوم على السعودية يمكن أن يفعّل تحالف دفاع مكة. لكن إسلام آباد تراجعت عن هذا الموقف خلال يوم واحد؛ ففي 10 سبتمبر، قالت باكستان إنها لا تدرس في الوقت الراهن استجابة عسكرية فورية بموجب الميثاق، وإنها ستتحرك عندما “يحِين الوقت”. وفي اليوم التالي، كان خان أكثر وضوحا، إذ قال لوكالة رويترز إن أي استجابة عسكرية لهجمات الحوثيين، المدعومين من إيران، ليست قيد البحث حاليا.

أما وزارة الخارجية التركية، فقد أدانت الهجمات، لكنها لم تقدم أي مؤشر على أن تركيا ستتحرك ردا عليها.

تردد الأعضاء

موقف باكستان الحذر ليس جديدا. ففي عام 2015، رفض البرلمان الباكستاني مقترحا للانضمام إلى تحالف تقوده السعودية ويقاتل الحوثيين الذين تصنفهم واشنطن جماعة إرهابية. وبعد عقد من الزمن، ومع استمرار باكستان في التعامل مع تمرد داخلي، لا تزال دوافع تجنب التزام مفتوح وغير محدد المدة بالقتال في اليمن قوية كما كانت دائما.

والآن هناك سبب أكثر إلحاحا وراء حذر باكستان: جارتها المباشرة إيران. فقد أمضت إسلام آباد العام الماضي في محاولة تحقيق توازن بين دورها كشريك دفاعي للرياض وجهودها للحفاظ على قناة اتصال مع طهران. ويخشى المسؤولون الباكستانيون من أن يؤدي تهديد الحوثيين إلى جر إسلام آباد إلى حرب أوسع نطاقا، لا سيما أن ما بين 8 آلاف و13 ألف جندي باكستاني ينتشرون بالفعل في السعودية بالقرب من الحدود مع اليمن.

وقد طرحت إسلام آباد نفسها وسيطا، محذرة إيران بوجوب كبح جماح حلفائها الحوثيين، وأجرت محادثات مع مسؤولين إيرانيين بشأن خفض التصعيد. ونقلت رويترز عن مسؤول باكستاني قوله إن إسلام آباد تريد الحفاظ على حضور منخفض لأن المخاطر مرتفعة، ولأنها لا تريد الإضرار بعلاقاتها مع إيران.

ويثير تردد تركيا في مساعدة المملكة في مواجهة هجمات الحوثيين مزيدا من التساؤلات. فتركيا تتمتع بموقع جيوسياسي استراتيجي. ولدى البلاد وجود عسكري في منطقة القرن الأفريقي، بما في ذلك أكبر منشآتها العسكرية في الخارج، والموجودة في الصومال. كما وقّعت أنقرة اتفاقا دفاعيا مع مقديشو عام 2024 يتضمن بناء القدرات البحرية.

وتساعد طموحات تركيا في تفسير نفوذها المتزايد في المنطقة، وكذلك إحجامها عن التحرك لصالح السعودية. وأشار أولريشسن إلى أن ميثاق مكة يجمع ثلاث “قوى إقليمية متوسطة” تواجه تحديات أمنية مشتركة. والمقصود بالميثاق أن يكون مكملا، لا بديلا، للترتيبات الأمنية والدفاعية القائمة. وهذا يتماشى مع سعي أنقرة إلى زيادة نفوذها الإقليمي من دون قبول التزامات عسكرية تلقائية.

كما أظهرت الولايات المتحدة حدود التزامها هي الأخرى بطلبات السعودية العسكرية. فقد اتصل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالرئيس دونالد ترامب مرتين مساء الخميس، حسبما أفادت أكسيوس، وحثه على شن ضربات ضد الحوثيين. لكن ترامب رفض ذلك، وقال مسؤول أميركي إن واشنطن تركز على حماية مصالح الأمن القومي الأساسية، بما في ذلك حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع تمكين الشركاء الإقليميين من التعامل مع التحديات الأمنية في المنطقة. كما التقى مسؤولون أميركيون ممثلين عن الحوثيين في عُمان، وفقا لرويترز، بعد أيام من سيطرة الجماعة على شريط استراتيجي من الساحل اليمني على البحر الأحمر. ويعكس الاجتماع، الذي عُقد في السفارة الأميركية بمسقط، وقيل إن عُمان ساهمت جزئيا في تيسيره، تفضيل واشنطن إدارة التهديد من دون الانخراط مباشرة في حرب باليمن.

الاستيلاء على النفوذ في البحر الأحمر

ومع كشف الحرب في إيران عن هشاشة الوضع في مضيق هرمز، يتصاعد النمط نفسه في باب المندب. وبحلول 11 سبتمبر، كان الحوثيون قد سيطروا على ميناء المخا في البحر الأحمر وجزيرة بريم؛ وفي 14 سبتمبر، استولوا على جزيرتي حنيش الكبرى وحنيش الصغرى، موسعين سيطرتهم باتجاه الساحل الأفريقي. وفي تطور منفصل، أدى هجوم بطائرة مسيّرة في 10 سبتمبر إلى إغلاق خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب، الذي عزت الرياض الهجوم فيه إلى ميليشيات عراقية متحالفة مع إيران، وليس إلى الحوثيين.

وبذلك تواجه السعودية هجمات من جهتين متحالفتين مع إيران، في وقت لا يزال فيه ميثاق مكة غير مُفعّل. وقال أولريشسن إن تهديد الحوثيين ليس جديدا في حد ذاته. لكن ما تغير هو البيئة المحيطة: فقد انهارت الهدنة التي استمرت منذ عام 2022، بينما يمتلك الحوثيون الآن طائرات مسيّرة وأسلحة أكثر تطورا مما كان لديهم خلال حربهم مع السعودية بعد عام 2015. ولذلك يواجه التحالف تهديدا قديما في صورة أكثر خطورة.

ولا يعني أي من ذلك أن ميثاق مكة قد فشل منذ البداية. فقد تظهر قيمته بمرور الوقت، ولا سيما إذا تطور إلى إطار أمني أكثر مؤسسية. لكن حتى الآن، تختار باكستان الوساطة بدلا من التدخل العسكري، وتختار تركيا تعزيز قدراتها من دون التزام، فيما لجأت السعودية إلى واشنطن قبل تفعيل الاتفاق الذي وقّعته في مكة.

إن ميثاق الدفاع يوضح ما ستفعله الدول الموقعة عليه عندما يتعرض للاختبار. وحتى الآن، كشف ميثاق مكة بوضوح أكبر ما لن يفعله كل عضو من أعضائه.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة