في عشرينيات القرن التاسع عشر، في بلدة “ليتل بيجون كريك” بولاية إنديانا، التقط فتى نحيل طويل القامة، أسود الشعر، كتابا غير مألوف. وبالنسبة لطفل فقد والدته في التاسعة من عمره فقط، لم تكن الكتب مجرد وسيلة للهروب من الواقع؛ ففي تلك المنطقة النائية، كانت الكتب أفضل ما يمكن أن يرشده في حياته.
هذا الكتاب تحديدا كان رواية مؤثرة عن قبطان سفينة تجارية أميركي وقع في الأسر وتحول إلى عبد في أفريقيا. وحتى بالنسبة للفتى، الذي كان نهما للقراءة، كان الكتاب آسرا، وكان إحدى الروايات التي علّمته عن شرور العبودية، التي سيصبح إلغاؤها لاحقا قضية حياته ومهمته في مراحله المقبلة من العمر.
كان مؤلف الكتاب قائدا للسفينة “كوميرس”، عندما اصطدمت بشعاب مرجانية وسط الضباب قبالة سواحل شمال أفريقيا. وتمكّن أفراد الطاقم الناجون من الغرق من الوصول بصعوبة إلى الشاطئ عند أطراف الصحراء الغربية.
في البداية، ظنوا أن أسوأ ما في الأمر قد انتهى، لكنهم كانوا على خطأ. فما لبثت مجموعة من رجال القبائل الصحراوية أن أسرتهم وقيّدتهم وجردتهم من ملابسهم. ثم اقتادتهم سيرا على الأقدام وعلى ظهور الجمال عبر الصحراء.
كان لدى الأسرى القليل من الطعام والماء، وأملٌ أقل في أن يروا وطنهم من جديد. وفي الطريق، تم الفصل بينهم، وبيعوا في سوق العبيد.
نجا القبطان جيمس رايلي في نهاية المطاف، وتمكن من رواية قصته. أقنع رايلي تاجرا صحراويا بشرائه هو ورفاقه ونقلهم إلى الشمال، حيث دفع أوروبيون فدية كبيرة لإطلاق سراحهم. وهكذا استعاد القبطان وطاقمه حريتهم.
كانت قصته من بين أوائل الروايات الواقعية التي وثقت كيف وقع أميركي ضحية للعبودية، وأصبح تحت رحمة شخص آخر. وأصبح الكتاب، الذي حمل عنوان “محنة في أفريقيا”، واحدا من أكثر روايات الأسر الأميركية قراءة في القرن التاسع عشر.
لكن رايلي لم يكن حالة استثنائية. فقد واجه عشرات الأميركيين الآخرين مصيرا مشابها. وأسهمت محنتهم في تشكيل علاقة أميركا بمنطقة شمال أفريقيا البعيدة. قصة رايلي، تركت أثرا في نفس قارئ شاب سيواجه يوما ما العبودية في بلاده.
***
هذا بودكاست “قصص البدايات”، الذي يتناول القصص الأقل شيوعا عن علاقة الشرق الأوسط بأميركا في سنواتها الأولى. وبمناسبة الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، تأخذكم هذه السلسلة إلى موانئ المغرب، وأزقة أسواق تونس الضيقة، وحقول التبغ في فرجينيا، والمعارك البحرية في البحار البعيدة، وأبعد من ذلك.
في هذه الحلقة: عندما كان أميركيون عبيدا في طرابلس.
***
قصة رايلي، سبقتها حكاية جيمس كاثكارت. ففي يوليو 1785، كانت السفينة الشراعية “ماريا”، التي انطلقت من بوسطن، في طريقها إلى قادش، وعلى متنها شحنة من الفراء والأخشاب وسمك القد المجفف. وفي عرض البحر، أجبر قراصنة جزائريون تابعون للدولة، السفينة على تغيير مسارها نحو سواحل البرتغال.
بعد أيام، استولى القراصنة على سفينة أميركية ثانية، هي دوفان. وبذلك بلغ عدد الأميركيين الذين أُسروا من طاقمي السفينتين واحدا وعشرين شخصا، من بينهم جيمس كاثكارت، الذي كان يبلغ من العمر 18 عاما.
كان القراصنة يستهدفون السفن التجارية في جنوب البحر المتوسط. وقد أصبحت هذه الممارسة مصدرا رئيسيا للإيرادات في اقتصادات الجزائر وتونس والمغرب وطرابلس، وهي الدول الأربع التي كان الأوروبيون يطلقون عليها اسم دول الساحل البربري.
في الجزائر، اقتيد كاثكارت ورفاقه على متن السفينة إلى أسواق العبيد. ومنذ ذلك الوقت، عاشوا كما عاش معظم المسيحيين المستعبدين في الأراضي الإسلامية آنذاك. أجبروا على أعمال شاقة، مع قليل من الطعام، وكانوا يعاقبون بالفَلقَة على مخالفات بسيطة، مثل العمل ببطء، وقد تسببت هذه العقوبة لكاثكارت في فقدان عدة أظافر من أصابع قدميه.
بحلول أغسطس، كان قبطانا السفينتين قد بعثا بالتماس إلى جون آدامز وتوماس جيفرسون، اللذين كانا في أوروبا، وناشداهما التدخل والمساعدة. وقرر جيفرسون التحرك منفردا. أوفد مبعوثا للتفاوض على معاهدة سلام مع الداي؛ حاكم الجزائر. كما بعث برسالة إلى الكونغرس، أوضح فيها مدى إلحاح القضية.
لكن الكونغرس لم يكن يمتلك من الوسائل ما يكفي للتعامل مع الأزمة. فأميركا في ذلك الوقت كانت بالكاد تملك خزانة مالية، ولم يكن لديها قطع بحرية تُذكر. وهكذا تعاملت الدولة الفتية مع هذه الأزمة بالطريقة التي واجهت بها معظم أزماتها: بالصلوات، والرشى التي كانت تسمى تلطيفا “إتاوات”، والأمل في ألا تزداد الأمور سوءا.
لكنها ساءت.
فشل مبعوث جيفرسون في التوصل إلى اتفاق، وظل الأميركيون عبيدا في الجزائر لعقد آخر من الزمن. لكن كاثكارت لم يكن من النوع الذي يجلس مكتوف اليدين في انتظار من ينقذه. فقد كان ذكيا، متعلما، واسع الحيلة، وفي بيئة مغلقة كما في السجن، تكون مثل هذه الصفات عملة لا تقدر بثمن.
تعلم العربية والتركية، وتحول من عامل بسيط إلى كاتب في السجن. واستثمر ما كسبه في شراء حصص في عدد من الحانات المحلية. ومن عائداتها، اشترى لنفسه ولرفاق السفينة طعاما أفضل وملابس ورعاية طبية. كما دفع رشى للحراس وموظفي السجن الآخرين ليخففوا عنهم أعباء العمل.
وعندما توفي أحد الأميركيين، دفع كاثكارت رشى للحراس مرة أخرى، للسماح بدفنه وفق الطقوس المسيحية. ومع مرور الوقت، حقق كاثكارت ما لم يحققه أي أسير مسيحي قبله؛ إذ أصبح الكاتب المسيحي الأول الذي يثق به الداي ويأتمنه على المراسلات.
بعد وقت قصير من صعود كاثكارت إلى منصب رفيع، ازدادت أوضاع الأميركيين سوءا. كانت البرتغال على مدى قرون تفرض حصارا بحريا على مضيق جبل طارق لحماية طرق الملاحة التجارية عبر الأطلسي. لكن بعد عقود من العداء، وقّعت البرتغال والجزائر هدنة مؤقتة رفعت بموجبها الحصار.
ومرة أخرى، تدفقت سفن القراصنة الجزائريين إلى المحيط الأطلسي، واستولوا على مزيد من السفن الأميركية، وأوقعوا نحو مئة بحار آخر في الأسر.
قرر الكونغرس التحرك أخيرا. أقرّ بناء ست سفن حربية. لكن القرار جاء مصحوبا بشرط غريب: إذا تحقق السلام مع الجزائر قبل اكتمال بناء السفن، فسيتوقف العمل فيها.
كانت أميركا قد خرجت لتوها من أكبر حروبها، وكانت تأمل أن تكون تلك الحرب آخرها. لكن بناء سفن بحرية يعني أن حربا أخرى تلوح في الأفق، وهو أمر لم تكن البلاد قادرة على تحمّله مرة أخرى، ولا سيما بعد وقت قصير من انتهاء حربها الأخيرة.
لم تذهب آمال أميركا سدى، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى جيمس كاثكارت، دبلوماسي الصدفة الذي وجد نفسه في موقع يتيح له التأثير. فقد كان يحظى بثقة الداي، ويفهم خفايا السياسة الجزائرية. لذلك، عندما جاءت المحاولة الأخيرة للتفاوض عام 1795، كانت فرص نجاحها أكبر من أي وقت مضى.
كلّف الكونغرس جوزيف دونالدسون بهذه المهمة. ومع وجود كاثكارت في أروقة البلاط، أوفد دونالدسون مفاوضا يُدعى جويل بارلو إلى طرابلس. وكان بارلو من أكثر دبلوماسيي الدولة غرابة في مسيرتهم؛ فقد كان شاعرا وخريج جامعة ييل، وقسيسا عسكريا خلال حرب الاستقلال، وأحد أشهر كتّاب الجمهورية الفتية. وكان يعرف كيف يقدم ما تقتضيه المناسبة.
كان يخفف من إحباطه الناجم عن تقلبات الداي بالتجول في أرجاء الجزائر، وكتابة الرسائل إلى زوجته، وكان يخرج أيضا لصيد الخنازير البرية. وكان قد عقد العزم على ألا يتراجع حتى يعيد آخر أسير إلى وطنه.
وظهر إصراره جليا عندما زار الأميركيين المرضى في السجن، غير آبه بخطر الطاعون. لكن عقبة هائلة كانت تقف في طريقه: المال. فقد وافقت الولايات المتحدة على دفع فدية لم تكن تملك في الجزائر الموارد اللازمة لسدادها بسهولة.
كان بارلو رجلا واسع العلاقات، يعرف شخصيات بارزة في كثير من المدن الكبرى. وفي الجزائر، لجأ إلى جوزيف بكري، أحد أفراد عائلة بكري اليهودية الجزائرية، التي كانت تهيمن على التجارة في البحر المتوسط وتتمتع بنفوذ لدى الداي. ووفّر بكري لبارلو الأموال التي احتاج إليها لإتمام المهمة.
وبمساعدة عائلة بكري، نجح بارلو في تأمين إطلاق سراح الأسرى، واشترى السفينة التي ستعيدهم إلى وطنهم.
من بين الأميركيين الـ21 الذين أُسروا في البداية، نجا 12 منهم وتمكنوا من العودة إلى وطنهم. وبالمال الذي جمعه أثناء أسره، اشترى جيمس كاثكارت سفينة وأبحر بها إلى فيلادلفيا. وفي عرض البحر، تولّى كاثكارت، الذي كان عبدا في السابق، قيادة سفينته الخاصة، واستعاد بذلك حريته من جديد.
بعد الجزائر، كان على الولايات المتحدة أن تتعامل سريعا مع طرابلس، التي كانت قد عرقلت بدورها التجارة البحرية الأميركية. وُقّعت معاهدة طرابلس عام 1796، وضمنت المرور الآمن، والمعاملة العادلة للأسرى، والحماية للتجار الأميركيين.
ولم تكن المعاهدة مجرد اتفاق سياسي عابر، بل كانت إعلانا واضحا للمبادئ التي كانت الدولة حديثة التأسيس تسعى إلى ترسيخها أمام العالم. وجاء في مادتها الحادية عشرة:
“بما أن حكومة الولايات المتحدة الأميركية ليست بأي حال من الأحوال قائمة على الديانة المسيحية، وبما أنها لا تحمل في ذاتها أي عداء لقوانين المسلمين أو دينهم أو أمنهم، وبما أن الدول المذكورة لم تدخل قط في حرب أو عمل عدائي ضد أي أمة محمدية، فقد أعلن الطرفان أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن ينشأ عن الآراء الدينية أي ذريعة تؤدي إلى قطع التوافق القائم بين البلدين”.
وبهذا الاتفاق، أعلنت أميركا أنها ليست قوة مسيحية تحمل إرثا من العداء الديني المتراكم عبر قرون تجاه العالم الإسلامي، بل جمهورية لا تحمل في جوهرها أي خصومة دينية مع الإسلام. وكان الدستور قد رفض بالفعل فرض اختبارات دينية لتولي المناصب الفيدرالية، كما حظر التعديل الأول على الكونغرس تحديد دين رسمي للدولة. والآن، كانت المادة الحادية عشرة تنقل هذا النموذج إلى العالم الإسلامي.
لكن رغم كل بلاغة هذه الفقرة، فقد اختفت على نحو غريب من النسخة العربية للمعاهدة. ولا يزال غيابها لغزا يحير المؤرخين والخبراء على حد سواء.
استغرق الأمر مئات الأرواح الأميركية وعددا لا يُحصى من المآسي حتى ترى المعاهدة النور أخيرا. لكن تلك الخسائر أسهمت، إلى حد بعيد، في تمهيد الطريق أمام واحد من أعظم التحولات التي عرفتها أميركا منذ عام 1776.
كشفت رواية جيمس رايلي “محنة في أفريقيا” إلى جانب روايات الأميركيين الآخرين الذين وقعوا في العبودية في منطقة الساحل البربري، بوضوح عن شرور العبودية أمام الأميركيين في وطنهم، ومن بينهم صبي صغير كان يعيش في إحدى بلدات إنديانا. كبر ذلك الصبي ليصبح أبراهام لينكولن، الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، وقد عزم على محو وصمة العبودية عن وجه بلاده إلى الأبد.