بعد شهر من موافقة مجلس الوزراء الأمني المصغر في إسرائيل على دخول قوة دولية إلى قطاع غزة، أصدر مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الخميس بيانا نفى فيه مثل هذه الموافقة، في تناقض أثار تساؤلات بشأن حقيقة الموقف الإسرائيلي من تنفيذ المرحلة التالية من الخطة الأميركية.
وقال مكتب نتنياهو: “خلافا للتقارير، لم يوافق المستوى السياسي على دخول القوة الدولية إلى قطاع غزة”، مضيفا أن إسرائيل أوضحت أن أي عملية لإعادة إعمار القطاع لن تبدأ قبل نزع سلاح حماس بالكامل.
وكان الكابينت الإسرائيلي (مجلس الوزراء الأمني المصغر)، وافق في نهاية يوليو، على إطار قانوني يسمح بدخول القوة الدولية للقطاع، على أن تضم 200 عنصر من “دول صديقة مثل أوغندا والمغرب” ينتشرون في مناطق لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية. وقال مسؤول إسرائيلي حينها إن دخول كل وحدة منها إلى القطاع يتطلب موافقة إسرائيلية منفصلة.
وحاول مسؤولون سياسيون تفسير التناقض بين الموقفين بالقول إن الموافقة التي منحها مجلس الوزراء الأمني المصغر تتعلق فقط بتوفير حصانة مستقبلية للجنود الدوليين الذين قد يدخلون القطاع، ولا تمثل تصريحا بدخولهم في المرحلة الراهنة.
وجاء بيان مكتب نتنياهو بعد يوم من إبلاغ إدارة ترامب الكونغرس بأنها ستخصص أكثر من 206 ملايين دولار لدعم القوة الدولية المقترحة في غزة، في مؤشر إلى تقدم الاستعدادات الأميركية لتشكيلها، بينما لا يزال الموقف الإسرائيلي المعلن منها غير واضح.
ولا تبدو التحضيرات لتشكيل القوة محصورة في النقاشات السياسية. فقد وصل مسؤولون كبار من أوغندا وبوروندي في وقت سابق هذا الأسبوع إلى مقر القيادة الأميركية في منطقة “كريات غات” في جنوب إسرائيل، في إطار “اتصالات متقدمة” بشأن مشاركة الدولتين بمئات الجنود في القوة متعددة الجنسيات.
وأبدت أوغندا وبوروندي موافقة مبدئية على إرسال قوات إلى غزة، وعقد مسؤولون عسكريون منهما لقاءات مع ممثلين عن القيادة الأميركية والجيش الإسرائيلي. كما عرض الجانب الإسرائيلي أمام الوفدين خطط المرحلة الثانية من الخطة الأميركية.
هذه التحركات تجعل نفي مكتب رئيس الوزراء أكثر إثارة للتساؤلات: فإذا كان الكابينت قد صادق بالفعل على إدخال القوة، وبدأت اتصالات عملية مع الدول المرشحة للمشاركة، فلماذا ينفي نتنياهو اليوم وجود موافقة سياسية؟
يقول المحلل السياسي والإعلامي الإسرائيلي يوآب شتيرن إن الإجابة تكمن، إلى حد بعيد، في اقتراب الانتخابات الإسرائيلية ومحاولة نتنياهو الحفاظ على تأييد قاعدته اليمينية.
ويقول شتيرن، في حديث لـ “الحرة”، إن أي تقدم نحو إنهاء الحرب أو تشكيل إدارة جديدة أو إدخال قوة دولية إلى غزة يُنظر إليه داخل قطاعات من اليمين الإسرائيلي على أنه تنازل، وربما هزيمة، لأن هذا المعسكر كان يطالب باحتلال القطاع بالكامل والقضاء المطلق على حماس.
ويجد نتنياهو نفسه أمام الحاجة إلى التوفيق بين الوعود التي قدمها لجمهور اليمين وبين الوقائع السياسية والميدانية التي تفرضها التفاهمات مع الولايات المتحدة. ويشكل نتنياهو مع أحزاب اليمين الائتلاف الحاكم في إسرائيل حاليا، ويعول على هذه الأحزاب في انتخابات الكنيست في أكتوبر المقبل.
وتنص خطة السلام الأميركية لغزة على زيادة المساعدات الإنسانية ووجود إدارة مدنية فلسطينية ونشر قوة دولية ونزع سلاح حماس، التي تصنفها واشنطن جماعة إرهابية، وانسحاب القوات الإسرائيلية. غير أن الخطة تعثرت وبقيت الإدارة، المعروفة باسم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، خارج القطاع.
ويدور الخلاف في تنفيذ خطة السلام حول ترتيب الخطوات: هل يجب يتم تجريد حماس من سلاحها بالكامل قبل دخول القوة الدولية وبدء الإعمار، أم أن نشر القوة الدولية أولا وتأسيس الإدارة الجديدة وتوفير الدعم الدولي تمثل الأدوات التي ستتيح تنفيذ ذلك؟
أما التناقض بين قرار الكابينت ونفي مكتب نتنياهو، فيعكس الفجوة المتزايدة بين خطاب الحكومة الموجه إلى الناخب اليميني وبين الترتيبات التي تتقدم على الأرض بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وإذا بقي هذا التناقض في حدود الخطاب الانتخابي، فقد تستمر الخطة الأميركية بعيدا عن التصريحات العلنية. أما إذا تحول النفي الإسرائيلي إلى تعطيل فعلي لدخول القوة الدولية، رغم قرار الكابينت والتحضيرات الجارية، فقد تجد حكومة نتنياهو نفسها أمام مواجهة سياسية جديدة مع واشنطن بشأن مستقبل غزة وآليات الانتقال إلى المرحلة التالية.