بينما يسعى القادة الإيرانيون لإقناع العالم بقدرة بلادهم على مواجهة العقوبات الأميركية، تخفي تصريحاتهم وضعا صعبا بدأ يتفاقم بعد الحملة الأخيرة لعزل إيران عن العالم.
ويكشف هذا الواقع أن الضغوط الاقتصادية لم تعد مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الدولية، بل باتت تنعكس مباشرة على حياة الإيرانيين وقدرتهم على شراء السلع الأساسية.
وبينما تؤكد الحكومة أن لديها خططا لمواجهة العقوبات الجديدة، وتلوّح بالرد، خرج الرئيس، مسعود بزشكيان، ليلمح إلى التمسك بمسار التفاوض، في مؤشر على أن طهران تدرك أن كلفة المواجهة الاقتصادية باتت ثقيلة.
وأعلنت الولايات المتحدة عن فرض عقوبات على أكثر من 60 فردا وكيانا، مع توسيع نطاق القطاعات الخاضعة للعقوبات ليشمل الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن، وذلك بهدف قطع “أهم شرايين الحياة” للبلاد.
نبرة تحدٍ .. وواقع مغاير
بعد إعلان العقوبات، الاثنين الماضي، حاول كبار المسؤولين الإيرانيين التقليل من شأنها، بوصفها محاولة “يائسة” وبالتهديد بشن حرب اقتصادية على جيران إيران.
وفي تصريح يخفي في طياته مخاوف من عزل إيران عن شركائها التجاريين، قال وزير الاقتصاد الإيراني، علي مدني زادة، إن الصين وروسيا لم تقبلا الإجراءات الأميركية، متوقعا أن تقاومها دول أخرى.
ورغم نبرة التحدي هذه، عاد بزشكيان، للحديث عن المفاوضات. وقال في تصريحات، الأربعاء، نقلتها وكالات إيرانية إن “الحرب ليست دائما طريقا لتجاوز المشكلات”.
وتشير تصريحات قادة إيران إلى مخاوف كامنة من أن تؤدي العقوبات إلى عودة الاضطرابات ما يزيد من تقويض صورة النظام في الداخل والخارج.
وأوردت وكالة رويترز نقلا عن مسؤولين “مطلعين” أن التهديد الأكبر لحكام إيران هو خطر اشتعال فتيل الاضطرابات الشعبية من جديد بسبب تفاقم المعاناة.
المعاناة بالأرقام
هذه المعاناة تثبتها الأرقام والحقائق حتى قبل الحرب، حسبما يقول إيليا جزائري، خبير الشأن الإيراني والصحفي في راديو “صوت أوروبا الحر” في تصريحات لـ”الحرة”.
ومنذ العام الماضي، شهدت البلاد احتجاجات واسعة النطاق بسبب الظروف المعيشية، ثم جاءت الحرب الأخيرة وما صاحبها من اضطرابات في حركة التجارة عبر مضيق هرمز لتزيد مخاطر تراجع الاقتصاد. ويتوقع البنك الدولي أن ينتهي عام 2026 بانكماش في الناتج المحلي قدره 2.7 في المئة.
وبالأرقام، بلغ متوسط معدل التضخم هذا العام نحو 69 في المئة، وفق صندوق النقد الدولي، وسجل معدل تضخم أسعار المواد الغذائية 128 في المئة على أساس سنوي، بينما وصل معدل البطالة إلى 9.2 في المئة.
وذكر مركز الإحصاء الإيراني أن الإيجارات ارتفعت 31 في المئة على أساس سنوي في مارس، وأفادت وسائل الإعلام الحكومية بأن أسعار المساكن في طهران ارتفعت بنحو 50 في المئة مقارنة بالعام الماضي.
وتهاوت العملة المحلية الريال تدريجيا لتصل ذروتها بعد إعلان العقوبات .
في بداية الحرب، قفز الدولار مقابل الريال متجاوزا حاجز مليون ريال لكل دولار، وتأرجح الريال صعودا وهبوطا بحسب وتيرة المعارك العسكرية، ثم جاء يوم العقوبات، لينهار رسميا مسجلا أكثر من مليوني ريال إيراني للدولار الواحد.
هذا الانهيار أدى إلى ارتفاع فوري في تكلفة السلع المستوردة، لأن التجار يحددون أسعار مخزونهم من السلع، استنادا إلى سعر صرف الدولار في السوق السوداء.
وكانت السلطات في إيران رفعت الحد الأدنى للأجور بنحو 60 بالمئة هذا العام، لكن استمرار انخفاض قيمة الريال أدى إلى تآكل القوة الشرائية، وانخفضت قيمة الحد الأدنى للأجور بالدولار من حوالي 105 دولارات إلى 86 دولارا منذ أواخر مارس.
يقول جزائري إن العقوبات أثرت نفسيا وبشكل مباشر على التعاملات ما أدى إلى حدوث انهيار سريع للريال، وتوقع أن يستمر هذا الانهيار مع استمرار الضغوط الأميركية والدولية.
وبعد ساعات من إعلان العقوبات الأخيرة، نقل “مرصد إيران” على “أكس” شهادات ومقاطع مصورة تظهر طوابير انتظار طويلة في محطات الوقود بسبب نقص البنزين في مناطق مختلفة في أنحاء البلاد.
وخلال الحرب، سعت إيران إلى الحفاظ على تدفق السلع الأساسية عبر طرق بديلة، من بينها الممرات البرية وبحر قزوين، لكن هذه البدائل تتعرض هي الأخرى لضغوط.
وأدى قصف العديد من الجسور إلى تعطيل حركة النقل البري، ما زاد من التكلفة والوقت اللازمين لنقل البضائع إلى إيران.
وفي ظل هذا الوضع، يهدد الحصار الأميركي البحري لإيران بمحو نحو 435 مليون دولار من النشاط الاقتصادي اليومي، وقد يؤدي إلى توقف حقول النفط خلال أسابيع، حسب تقرير لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
ويتوقع البنك الدولي أن يتأثر قطاع النفط سلبا جراء الاضطرابات في حركة الشحن، في حين سيظل النمو في القطاعات غير النفطية محدودا بسبب تضرر البنية التحتية، واستمرار نقص المياه والطاقة، وضعف مناخ الاستثمار.
ومع هذا الوضع، ستؤدي معدلات التضخم المرتفعة، وانخفاض الموارد، وانخفاض الدخل إلى كبح الطلب المحلي، وزيادة الفقر.
يقول جزائري لـ”الحر ة” إن “البضائع متوفرة في الأسواق ولكن لا توجد أموال”.. فالقدرة الشرائية انهارت لدى قطاعات كبيرة من الشعب الإيراني “كانت فقيرة وازدادت فقرا.. انهيار سعر العملة يزيد الضغط على أسعار البضائع”.
اعتراف بالحقيقة
والواقع أن المسؤولين لم يستطيعوا التهرب من هذه الضغوط، وعلى رأسهم رئيس البلاد، الذي قال الأسبوع الماضي: “تضاعفت مشاكلنا عدة مرات، وانخفض دخلنا”.
وفي أحدث تصريحاته بشأن الوضع، أكد بزشكيان، الأربعاء، خلال زيارته للبنك المركزي للجمهورية الإسلامية الإيرانية على ضرورة كبح التضخم، داعيا إلى عقد جلسات تشاورية مع الخبراء الاقتصاديين في المجالات النقدية والمصرفية للبحث في معالجة هذه المخاوف.
وخلال زيارة البنك أيضا أعاد التأكيد أيضا على نهج “التفاهم وحل القضايا من خلال التفاعل والمفاوضات”.
وفي تصريحات سابقة، أقر النائب البرلماني، رضا سبافاند، لوكالة أنباء العمال الإيرانية (إيلنا) بأن الحصار قطع فعليا واردات إيران من البنزين، وأن إنتاج البلاد اليومي من البنزين وصل إلى حده الأقصى عند حوالي 130 مليون لتر مقارنة باستهلاك يبلغ 137 مليون لتر.
أما مساعد الرئيس الإيراني، محمد جعفر قائم بناه، فاعتبر التضخم أحد أخطر المشاكل التي تواجهها إيران.
وفي تصريحات تدلل على عمق المخاوف من تأثير العقوبات على قطاع الطاقة، أكد وزير الطاقة، عباس علي آبادي، الأربعاء، على استعداد البلاد لمواجهة أية أعطال في شبكات الكهرباء، مرجعا ذلك إلى وجود أكثر من ألف وحدة توليد كهرباء في جميع أنحاء البلاد.
وتعبر تصريحاته عن الرغبة في رفع الروح المعنوية والتأكيد على قوة البنية التحتية، لكنها تخفي حقيقة أنه لا توجد شبكة طاقة في العالم محصنة من الانهيار، كما أن إيران تعاني أساسا من أزمة طاقة، ونقص حاد في الغاز المشغل للمحطات، ما يدفع الحكومة لفرض جدول انقطاعات مستمرة للتيار الكهربائي.
وتقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن إيران تواجه عجزا حادا وضغوطا هائلة على شبكتها الكهربائية وسلاسل الإمداد.
وبالتزامن أيضا مع العقوبات الأميركية، استقبلت طهران الاثنين قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير للبحث في مسار التفاوض. واللافت أن الزيارة تمت بينما كانت طهران تترقب إعلانا أميركيا بشأن العقوبات.
وذكرت التقارير الرسمية الواردة من باكستان وإيران أن منير نقل رسالة تتعلق بالمفاوضات. وقال مصدر في الحكومة الباكستانية إن إيران أبدت استعدادا بشكل عام لاستئناف محادثات السلام خلال اجتماعات بين مسؤولين إيرانيين وباكستانيين، الاثنين، مع التعبير عن قلقها من العقوبات.
يقول جزائري إن إيران تراهن على إمكانية أن تتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء، الذين هم أنفسهم لديهم مصلحة في استقرار الأوضاع لأن بلادهم تتأثر بما يجري هناك.
ويتحدث أيضا عن “تغيير في أدبيات الخطاب بعد العقوبات”. و يقول إنهم يهددون باستهداف المصالح الأميركية في المنطقة، لكنهم لم يحددوا نوعية التهديد. “هناك تغيير في السياسية الإيرانية.. لكن ملامحه لم تتضح”.