دفعت عقوبات أميركية أخيرة تركيا إلى واجهة قنوات تمويل حزب الله، بعدما كشفت عن شبكة مالية لهذا الغرض وحددت أسماء القائمين عليها وأدوارهم: بداية من رجل أعمال تركي يدير ناقلين، إلى صرافين ووسطاء وأشخاص يحملون الأموال نقداً إلى لبنان.
وجاء ذلك في لحظة تغيرت فيها البيئة التي كانت تتحرك عبرها أموال حزب الله، فبعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل وسقوط نظام بشار الأسد، فقد الطريق السوري جانبا أساسياً من الوظيفة التي أداها لعقود باعتباره صلة جغرافية بين إيران وحزب الله.
وفي الداخل اللبناني، اشتدت الرقابة على المطار والمعابر والحركة المالية، بالتوازي مع تضييق واشنطن الخناق على قنوات ومؤسسات مرتبطة بالحزب.
لكن تراجع هذا الطريق لا يعني توقف المال، وما كشفته العقوبات الأخيرة هو انتقاله إلى شبكات أكثر تشعباً، ظهرت بينها تركيا.
في 20 أغسطس الحالي، أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأميركية إدراج 10 أشخاص ضمن شبكة قال إنها تستخدم ناقلين على رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران لنقل مئات الملايين من الدولارات، بما يتيح لحزب الله الحصول على العملات الأجنبية بعيداً عن النظام المالي الرسمي.
وفي قلب الشبكة، حددت واشنطن اسم رجل الأعمال التركي يونس ألبر يلماز، وقالت إنه يدير ناقلي الأموال بين دول المنطقة ولبنان، مستخدما مكاتب صرافة في تركيا وشركات وحسابات مصرفية لتحويل أموال مرتبطة بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني (تصنفهما واشنطن إرهابيين)، فيما توزعت بقية الأدوار بين جمع الأموال وترتيب حركتها وحمل النقد إلى لبنان.
وبدا بالتالي أن الترتيب الجديد لنقل الأموال لم يعد يقتصر على طريق واحد، وإنما حلقات يمكن فصل بعضها عن بعض واستبدال إحداها عند الضرورة، ما يجعله أكثر قدرة وخطورة.
ويشرح الخبير الاقتصادي خالد أبو شقرا لـ”الحرة” أن إيران والجهات المرتبطة بها لا تستطيع، تحت وطأة العقوبات، الاعتماد على قنوات رسمية في نقل الأموال، ما يدفعها إلى بدائل أبرزها النقد والعملات الرقمية.
وفي 28 فبراير 2025، اتضح جانب من الصورة على أرض مطار رفيق الحريري الدولي حين ضبطت السلطات اللبنانية 2.5 مليون دولار نقداً بحوزة مسافر وصل من تركيا، وأحالته مع الأموال إلى التحقيق.
وبينما اكتفت وزارة المالية بالإعلان عن عملية الضبط، قالت مصادر لرويترز إن الأموال كانت في طريقها إلى حزب الله.
ولم يكن هذا حادثا معزولا، فقبله بأسابيع تقدمت إسرائيل بشكوى إلى لجنة مراقبة وقف إطلاق النار باتهامات تتعلق بإدخال أموال إلى لبنان جواً. وتحدثت، وفق ما نقلت “وول ستريت جورنال” آنذاك، عن دبلوماسيين إيرانيين ومواطنين أتراك يحملون أموالاً إلى بيروت.
وفي الثاني من يناير من العام نفسه، وقعت أزمة في مطار بيروت بشأن تفتيش حقيبتين بحوزة دبلوماسي إيراني وصل من طهران، قبل أن تعلن السفارة الإيرانية أن محتوياتهما أموال ووثائق مخصصة لها.
وبعد أسابيع، منعت السلطات اللبنانية طائرة إيرانية من الهبوط في بيروت، بعدما اتهمت إسرائيل طهران باستخدام الرحلات المدنية لنقل أموال إلى حزب الله.
ومع تعليق الرحلات الإيرانية إلى بيروت، اكتسبت المحطات الوسيطة أهمية أكبر، فبدلاً من رحلة يمكن ربط نقطة انطلاقها الإيرانية بوجهتها اللبنانية، بات لا مفر من تقسيم الحركة على أكثر من بلد وفرد.
وبعد نحو عام ونصف العام، جاءت العقوبات الأخيرة لتسمي أفرادا وتحدد أدوارا بهذا النموذج الجديد لنقل الأموال: من يجمعه، ومن يرتب حركته، ومن يحمله جواً إلى لبنان.
وتجتمع في تركيا خصائص تمنحها أهمية بالنسبة لهذا النوع من الشبكات مثل جوار إيران، والقرب من لبنان، وكثافة الرحلات الجوية والتجارة الإقليمية، فضلاً عن اقتصاد كبير وقطاع صرافة واسع وحركة كثيفة للأموال والأفراد.
ويربط الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة هشام النجار بروز تركيا موقعا للعبور المالي بهذه الخصائص، ويقول لـ”الحرة” إن العقوبات الأخيرة أظهرت كيف يمكن استخدام شركات الصرافة وكيانات الواجهة وحاملي النقد لإبعاد الأموال عن القنوات المصرفية الخاضعة للتدقيق.
ويضع أبو شقرا المسألة ضمن قاعدة أوسع: فكلما ارتفع مستوى الرقابة في الولايات المتحدة وأوروبا، بحثت الشبكات الواقعة تحت العقوبات عن اقتصادات تتيح مساحة أكبر للحركة.
ويرى أن هناك دولا تشكل متنفساً نوعاً ما، مثل تركيا، “فهي اقتصاد كبير وهناك إمكانية لإدخال الدولار إليها وإخراجه”.
لكن وجود شبكة على الأراضي التركية لا يعني أن الدولة التركية ترعاها، وهو ما يشدد عليه الباحث السياسي التركي هشام جوناي.
ويشير إلى أن السلطات التركية لاحقت في السابق تنظيما يدعى “توحيد سلام”، ضم رجال أعمال وشخصيات تركية وإيرانية، قبل أن تلقي القبض على عدد من المتورطين فيه.
كما تقف أنقرة منذ الحرب السورية على طرف نقيض من حزب الله الذي قاتل إلى جانب نظام الأسد.
ويؤكد جوناي لموقع “الحرة” أن أنقرة تملك القدرة على ملاحقة هذه الأنشطة لأنها دولة قوية وتملك جهاز استخبارات قوياً، وقد تحدث بعض الخروقات، لكنها بالمجمل قادرة على مكافحة هذا النوع من عمليات نقل الأموال غير الشرعية.
نقطة الوصول
وعلى الطرف الآخر لعمليات النقل تقع دائما نقطة الوصول، ويشير مصدر متخصص في الجرائم المالية إلى أن مطار رفيق الحريري الدولي يظل إحدى نقاط دخول الأموال، ويوضح لموقع “الحرة” أن ضبط حركة الأموال يصبح أكثر صعوبة في غياب بلاغ أو معلومات مسبقة عن المسافر.
لكن البيئة اللبنانية تغيرت أيضاً. وبحسب أبو شقرا، “أصبح نقل الكاش (النقد) أصعب نتيجة التشدد بالمرافق البرية والبحرية والجوية والملاحقة المتزايدة لحركة الأموال، وإن كان ذلك لا يعني اختفاء هذه الوسيلة”.
وعلى مستوى النظام المالي الرسمي، شدد مصرف لبنان أدوات الرقابة، وأصدر في يوليو 2025 تعميما بإجراءات وقائية لحماية القطاع المالي والاقتصادي من التعامل مع جهات غير مرخصة خاضعة لعقوبات أجنبية.
كما حُصرت عملية شراء الدولار من السوق لصالح “مصرف لبنان” بجهة واحدة تتبع معايير مشددة لمكافحة تبييض الأموال، بعدما كانت تتم سابقاً عبر عدد من شركات التحويل والصرافة.
لكن نقطة الضعف تبقى في حجم الاقتصاد النقدي. ويقدر أبو شقرا أن “الكاش” يشكل ما بين 50 و60 في المئة من المعاملات في لبنان، ما يرفع مخاطر تبييض الأموال ويصعب تتبع حركة النقد.
كما لا تنحصر البدائل في نقل الأموال نقدا، ويشير المصدر المتخصص في الجرائم المالية لـ”الحرة” إلى تزايد استخدام العملات الرقمية، لا سيما USDT، خلال السنوات الأخيرة.
ولهذا السبب امتدت الملاحقة الأميركية إلى الأصول الرقمية ومحافظ العملات المشفرة.
وبينما يمنع تجميد محفظة على شبكة الـBlockchain التصرف بالأموال الموجودة فيها عندما يثبت ارتباطها بشبكات مستهدفة، يظل إنشاء محافظ جديدة ممكناً.
ويلفت أبو شقرا كذلك إلى شمال قبرص، المعتمدة بالكامل على تركيا، حيث يتيح انتشار نوادي القمار والاقتصاد النقدي تحويل مبالغ نقدية إلى أصول رقمية بعيداً عن إجراءات صارمة للتعرف إلى العملاء.
وهكذا، يمكن أن تبدأ رحلة المال نقداً، قبل أن يتبدل شكله والجهة المالكة له، في محاولة لطمس أثره قبل وصوله إلى وجهته النهائية.
ويفسر هذا انتقال العقوبات من ملاحقة متلقي الأموال إلى استهداف البنية التحتية التي تجعل المال قابلاً للحركة والاستخدام، من خلال تجميد الأصول المرتبطة بالنظام المالي الأميركي، وحظر التعامل مع الأشخاص والكيانات المستهدفة، ووضع الصرافين والوسطاء والشركات الواجهة أمام مخاطر مالية وقانونية كبيرة.
ويشدد النجار على أنه كلما أُغلق طريق، يصبح حتميا على الجماعات الخاضعة للعقوبات امتلاك شبكات بديلة ومتعددة الوصلات.
وفي المقابل، كلما اتسعت العقوبات لتشمل الوسطاء والصرافين والشركات الواجهة وطرق العبور، ارتفعت تكلفة إعادة بناء تلك الشبكات وتعقّدت قدرتها على العمل.
ومن هنا، لا يبدو أن انحسار الطريق السوري أفرز “طريقاً تركياً” حلّ مكانه بالمعنى التقليدي، بقدر ما تكشف التطورات الأخيرة عن تغير في بنية التمويل نفسها. فالمال لم يعد يعتمد ممراً ثابتاً يصل طهران ببيروت، بل شبكة مرنة تعيد رسم مساراتها كلما أُغلقت إحدى قنواتها.