واشنطن العاصمة 08:52 PM

لماذا وضعت أميركا أسلحة في الفضاء؟

الإعلان الأميركي الأول من نوعه يفتح بابا جديدا في سباق التسلح الفضائي، وسط تصاعد المنافسة مع روسيا والصين.

· 5 دقيقة قراءة
عناصر من "قوة الفضاء الأميركية" في قاعدة "فاندنبرغ" بكاليفورنيا، في 18 ديسمبر 2025. (المصدر: قوات الفضاء الأميركية / ديفيد دوزورتز / صورة موزعة عبر رويترز.
عناصر من "قوة الفضاء الأميركية" في قاعدة "فاندنبرغ" بكاليفورنيا، في 18 ديسمبر 2025. (المصدر: قوات الفضاء الأميركية / ديفيد دوزورتز / صورة موزعة عبر رويترز.

مثّل الإعلان الأميركي المفاجئ عن نشر أسلحة في الفضاء لحظة تاريخية فاصلة، بدا معها أن قصص “حرب النجوم” الشهيرة قد تحولت إلى واقع حقيقي.

ولم تكشف الولايات المتحدة حتى الآن عن طبيعة هذه الأسلحة أو قدراتها، ولا عن موعد نشرها في الفضاء. لكن الإعلان يشكل أول إقرار أميركي بامتلاك أسلحة مخصصة للعمليات الفضائية.

وجاء الإعلان، الثلاثاء، على لسان وزير القوات الجوية الأميركية، تروي مينك، الذي اعتبرها خطوة تؤمن الجاهزية الأميركية لمواجهة التهديدات المستحدثة في أي مكان.

وأكد مينك أن الولايات المتحدة تمتلك الآن “أسلحة للسيطرة على الفضاء”، مشددا على قدرتها على التصدي لأي تحركات معادية.

وفي تصريحات لـ”الحرة”، اعتبر متحدث باسم “قوة الفضاء الأميركية” أن الإعلان الرسمي عن نشر أسلحة فضائية أميركية لا يحتم الكشف عن تفاصيل حساسة، مثل أساليب تشغيلها وخصائصها التقنية، أو جداول زمنية لعمليات إطلاق محددة.

وأشار في المقابل إلى أن هدف الإعلان هو “توضيح العقيدة والمهام العسكرية للقوة”.

وأكد أن الولايات المتحدة ترى الفضاء بالفعل ساحة للعمليات القتالية، وذلك في ظل تطوير روسيا والصين قدراتهما في هذا المجال.

ويثير الإعلان الأميركي سؤالا مهما بشأن إذا ما كان الكشف عن هذه الأسلحة يهدف إلى ردع موسكو وبكين، أم يمهد لمرحلة جديدة من سباق التسلح في الفضاء؟

ولم يكشف مينك إذا كانت الأسلحة الأميركية التي تم نشرها تدخل ضمن ما يطلق عليها الأنظمة الحركية (kinetic) أي المرتبطة باستخدام القوة التدميرية، أم غير الحركية، أي المعتمدة على أساليب غير تدميرية مثل الحرب الإلكترونية.

وشهدت السنوات الأخيرة تطوير “قوة الفضاء” أنظمة اعتراضية في إطار مشروع “القبة الذهبية”، وهو برنامج يهدف إلى تعزيز حماية الولايات المتحدة من التهديدات الجوية والفضائية.

ويجري ضمن هذا المشروع تطوير ما يسمى بالمركبات الاعتراضية الفضائية (SBI)، وهو نظام دفاعي صاروخي يعمل من الفضاء لتتبع واعتراض الصواريخ وتدميرها، قبل وصولها إلى أهدافها.

لماذا الآن؟

قال مسؤول أميركي تحدث لـ”الحرة” بشرط عدم الكشف عن هويته، إن البنتاغون أعلن عن هذه الأسلحة في إطار إضفاء “الطابع الطبيعي” على الأنشطة العسكرية في الفضاء، وترسيخ مكانة قوة الفضاء باعتبارها أحدث فروع القوات المسلحة.

بينما أوضح المتحدث باسم “قوة الفضاء” أن الإعلان يرتبط بسباق التسلح الصيني الروسي الذي حول الفضاء إلى “ساحة للعمليات القتالية”.

واعتبر المتحدث أن السيطرة على الفضاء جزء من الآلية التي يعمل بها الجيش الأمن القومي الأميركي، وهو نفس السبب الذي تأسست من أجله “قوة الفضاء”.

كما قال إن ذلك الإعلان يعزز الردع و”يحول دون وقوع الخصم في أخطاء في التقدير”.

واتفق محللون دفاعيون تحدثوا مع “الحرة” على دلالة الإعلان الأميركي في هذا التوقيت.

ووصفت فيكتوريا سامسون، المديرة التنفيذية لقسم أمن واستقرار الفضاء في مؤسسة “سيكيور ورلد فاونديشن”، الإعلان بأنه “بالغ الأهمية”، إذ لم يسبق لأي دولة أن أقرت بامتلاك أسلحة فعلية في الفضاء.

أما ميشيل هانلون، المديرة التنفيذية لمركز قانون الطيران والفضاء في جامعة ميسيسيبي، فلا ترى في الإعلان تحولا مفاجئا في الاستراتيجية العسكرية الأميركية، بقدر ما تعتبره إقرارا أكثر صراحة بمسار تتجه إليه واشنطن منذ فترة.

ونقلت وكالة “رويترز” عن ريتشارد بالمر، مدير إدارة تكامل القدرات والموارد في قيادة الفضاء الأميركية، قوله خلال جلسة لقيادة الفضاء الأميركية في مؤتمر “Space Defense & Security Summit” في باريس إن الاعتراف بقدرات السيطرة على الفضاء أساسي لضمان نجاح الردع.

وأضاف أن هناك جهات حول العالم تسعى إلى تقويض المصالح المشتركة للولايات المتحدة وحلفائها.

الفضاء ساحة قتال

وتسلط تصريحات وزير القوات الجوية الضوء على كيفية استعداد القوى الكبرى في العالم لاحتمال امتداد الصراعات إلى الفضاء، بينما تتمحور السياسية الأميركية بشكل أساسي حول حماية الأقمار الصناعية نظرا لأهميتها البالغة في توفير خدمات الاتصالات والملاحة والاستخبارات للقوات المسلحة على الأرض.

وتسير هذه الأقمار في مسارات ثابتة بمجرد وضعها في المدار، غير أن المؤسسات العسكرية بدأت تنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها منصات أسلحة تقدر على شن هجمات، مثل تعطيل أو تدمير الأقمار الصناعية التي تزود القوات العسكرية بخدمات تحديد المواقع (GPS) والاتصالات والمعلومات الاستخباراتية وبيانات تحديد الأهداف، أو تعطيل الاتصالات المدنية.

وهناك مخاوف أيضا من مخلفات الأقمار الصناعية التي تتحرك بسرعات هائلة، ما يزيد احتمال وقوع تصادمات، ويصعب عمليات إطلاق المركبات الفضائية وتشغيلها بأمان.

كلايتون سووب، زميل أول في برنامج الدفاع والأمن بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، قال لـ”الحرة” إن الحديث عن وضع أسلحة في الفضاء يمثل محاولة لاستحداث أداة جديدة للردع.

ولكن، وبسبب ضبابية المعلومات المتعلقة بالقوة التدميرية لهذه الأسلحة وظروف استخدامها من قبل الولايات المتحدة، يصعب تصور كيف يمكن لهذا الإعلان أن يغير سلوك الصين أو روسيا، يقول سووب.

ورغم أن الإعلان الأميركي لم يكشف تفاصيل عن أسلحة الفضاء، فقد أشار إلى ما يسمى “السيطرة على الفضاء”، ما يعني إما اتخاذ إجراءات دفاعية لحماية القوات الأميركية وحلفائها، أو هجومية لتحييد القدرات الفضائية المعادية.

ويقول بروس ماكلينتوك، رئيس مبادرة راند لمشروعات الفضاء: “ببساطة، تكشف الدول عن وجود قدرات عسكرية لردع الخصوم عن الإقدام على أي تحرك”.

ما التهديدات؟

تقول “قوة الفضاء” إن الصين وروسيا تطوران قدرات تهدف إلى تعطيل وإضعاف الأنظمة الفضائية الأميركية.

ولدى الصين أكثر من 510 أقمار صناعية مخصصة للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، فيما تتضمن تدريبات جيش التحرير الشعبي استخدام أجهزة تشويش ضد أنظمة الاتصالات والرادارات والملاحة الفضائية.

أما روسيا، فتطور وتختبر أنظمة مضادة للفضاء. وفي نوفمبر 2021، اختبرت صاروخ “نودول” ضد قمر صناعي سوفيتي معطل، ما أدى إلى توليد حطام هدد مركبات فضائية ورواد فضاء.

وفي مايو 2026، وضعت موسكو 4 أقمار عسكرية قرب قمر غربي تجاري تستخدمه أوكرانيا لأغراض استخباراتية.

وترجح فيكتوريا سامسون أن تكون الأسلحة الأميركية المنشورة في الفضاء غير تدميرية، مثل أجهزة التشويش، مستندة إلى تركيز واشنطن على ما تصفه بالعمليات “المسؤولة” التي لا تتسبب في توليد حطام فضائي.

لكنها تحذر من أن الإعلان قد يدفع دولا أخرى إلى تطوير أسلحة فضائية مماثلة، ما يزيد مخاطر سباق تسلح في الفضاء.

حق قانوني

ويؤكد محللون على مشروعية نشر أسلحة في الفضاء، بشرط ألا تكون نووية أو من فئة أسلحة الدمار الشامل، وذلك وفقا للاتفاقيات الدولية.

وفي عام 1963، اتفقت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي (السابق) بموجب “معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية”، على حظر اختبار أو استخدام أسلحة الدمار الشامل في الفضاء.

وفي عام 1967 تم إبرام “معاهدة الفضاء الخارجي” التي تحظر مادتها الرابعة وضع “أسلحة نووية” و”أسلحة دمار شامل” في المدار، لكنها لا تحظر نشر أسلحة أخرى.

وأكد المتحدث باسم قوة الفضاء لـ”الحرة” التزامها بضمان السلامة والأمن والاستدامة للمجال الفضائي.

وقال: “تستند عملياتنا إلى مبادئ راسخة تتعلق بالسلوك العسكري المهني والقانون الدولي”.

لكنه أكد على حق الولايات المتحدة في حماية نفسها في الفضاء، قائلا: “كما نحمي أنفسنا في الجو والبحر، فإننا سنحمي أنفسنا في الفضاء أيضا”.

ولفت إلى أن أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والاستشعار عن بُعد، وخدمات تحديد الموقع والملاحة، وأنظمة الإطلاق، وغيرها، تخدم جميعها أغراضاً سلمية، مع انطوائها في الوقت ذاته على إمكانية الاستخدام في العمليات القتالية.

وشدد على أنه مع توضيح الولايات المتحدة لحاجتها إلى حماية قواتها والدفاع عنها، فإن ذلك لا يغير التزامها بضمان مجال فضائي آمن ومستدام، وبالامتثال للقانون الدولي.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة