بعائد سنوي يصل إلى 6.6 بالمئة تقدم بنوك إماراتية مؤخرا عروضا لجذب عملاء جدد ينقلون إليها رواتبهم ومدخراتهم. وتأتي العروض المغرية بالتزامن مع مرور 6 أشهر على حرب إيران ودون ظهور مؤشرات على نهاية قريبة لها.
لكن الحرب ليست السبب الوحيد، إذ تواجه البنوك التقليدية منافسة قوية من بنوك رقمية. كما تنمو القروض في بعض أسواق الخليج بوتيرة أسرع من الودائع، ما يدفعها إلى البحث عن مصادر تمويل جديدة.
لكن المشهد ليس واحدا في دول الخليج، ففي الإمارات تبدو المنافسة مركزة على الأفراد. وفي الكويت تبرز أهمية الودائع الحكومية، بينما لجأت البنوك السعودية إلى الأسواق الدولية لتغطية حاجتها المتزايدة إلى التمويل.
ولم تظهر في قطر والبحرين وعمان موجة عروض مماثلة بالدرجة نفسها لأسباب عدة.
في الإمارات يعرض “بنك دبي الإسلامي” مؤخرا عائدا سنويا يصل إلى 6.6 بالمئة، لكن الحصول عليه يرتبط بتحويل راتب جديد لا يقل عن 10 آلاف درهم شهريا (نحو 2700 دولار)، والمحافظة على متوسط رصيد لا يقل عن 50 ألف درهم خلال فترة العرض.
ويعرض “بنك الفجيرة الوطني” عائدا يصل إلى 6.25 بالمئة، ضمن شروط تشمل تحويل الراتب والمحافظة على متوسط رصيد لا يقل عن 100 ألف درهم. كما عرض “بنك الإمارات دبي الوطني” عائدا يصل إلى 5 بالمئة.
ويلفت الخبير الاقتصادي الإماراتي حسين القمزي إلى أن هذه الأرقام لا تمثل زيادة عامة في أسعار الفائدة على الودائع، وإنما حملات ترويجية تستهدف عملاء جددا وتسري لفترات محددة.
ولا تستهدف عروض البنك الحصول على ودائع قصيرة الأجل فحسب، بحسب تصريحات القمزي لـ”الحرة”، وإنما أن يصبح البنك الرئيسي للعميل.
ولذلك يتم ربط العائد المغري بإجراءات تحويل الراتب وفتح حساب جديد، وبهدف تحفيز العميل بعد ذلك على التعاطي مع منتجات البنك مثل البطاقات الائتمانية والقروض وخدمات الاستثمار وإدارة الثروة.
وتكشف الأرقام الرسمية دلالات مهمة في هذا السياق، إذ ارتفع إجمالي الائتمان (مثل القروض والتسهيلات) الذي قدمته البنوك الإماراتية بنسبة 2.3 بالمئة خلال الربع الثاني من 2026، مقابل نمو الودائع بنسبة 0.8 بالمئة.
ويعني ذلك أن البنوك قدمت تمويلا بوتيرة أسرع من قدرتها على جذب ودائع جديدة.
ويرى القمزي أن هذه الأرقام لا تشير إلى أزمة داخل البنوك الإماراتية، لكنها تظهر أن القروض نمت بأسرع من الودائع، ولذلك تحركت البنوك مبكرا لجذب تدفقات نقدية أكثر استدامة.
ولم تطلق حرب إيران التي اندلعت في نهاية فبراير الماضي المنافسة من الصفر، فالسوق الإماراتية كانت مزدحمة بالفعل، خصوصا بعد دخول بنوك رقمية تتيح فتح حسابات سريعة، وتقدم خدمات منخفضة التكلفة.
وترى عالية المهدي، عميدة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة سابقا، إن رفع العائد قد يكون وسيلة للاحتفاظ بالأموال الموجودة داخل الدول الخليجية، أكثر منه محاولة لجذب أموال جديدة من الخارج.
وتوضح أن تقديم عائد أعلى قد يقنع بعض العملاء بعدم سحب مدخراتهم أو نقلها إلى سوق أخرى، لكنه لا يضمن إقبال المستثمرين الأجانب، لأن قرار نقل الأموال خلال الأزمات لا يعتمد على الفائدة وحدها، بل على مستوى الأمان أيضا.
وفي السعودية بدأت المنافسة على أموال المودعين قبل الحرب الحالية، مع نمو القروض لتمويل المشروعات والعقارات والأعمال الجديدة بوتيرة أسرع من نمو الودائع، ما دفع البنوك إلى البحث عن مصادر أخرى للتمويل داخل المملكة وخارجها.
ويؤكد الأكاديمي الاقتصادي محمد دليم القحطاني أن التحول نحو الودائع التي تمنح عائدا لم يبدأ بسبب الحرب، وإنما جاء نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، وحاجة البنوك إلى استثمارات طويلة الأجل.
لكن الحرب أضافت سببا جديدا وهو اتخاذ تدابير احتياطية لمواجهة أي اضطراب محتمل. مع ملاحظة أن جانبا من الودائع الادخارية لا يعني دخول أموال جديدة إلى البنوك، وإنما انتقال أموال مودعة بحسابات جارية لا تمنح عائدا، إلى ودائع يحصل أصحابها على فائدة.
ولا تعتمد البنوك السعودية على الودائع المحلية وحدها، إذ اقترضت نحو 33 مليار دولار من الأسواق الدولية خلال 2025، مقابل 10.5 مليار دولار في 2024، أي أكثر من ثلاثة أمثال الرقم السابق.
وحدث ذلك أيضا بعدما زادت القروض بوتيرة أسرع من الودائع، واحتاجت البنوك إلى مصادر جديدة لمواصلة التمويل.
ويقول صندوق النقد الدولي إن البنوك السعودية دخلت الحرب وهي تتمتع بمستويات قوية من رأس المال والسيولة، مع دعوته إلى مراقبة مخاطر الاقتراض بالعملات الأجنبية.
بينما يرى القحطاني إن لجوء البنوك السعودية إلى الأسواق الدولية لا يعني بالضرورة أنها تعاني أزمة، بل يعكس قدرتها على تنويع مصادر أموالها، مضيفا أن المستثمر الأجنبي يدرس قوة البنك وتصنيفه ومخاطر العملة والوضع السياسي قبل أن يقرر إقراضه.
وفي الكويت، ارتفعت ودائع المقيمين وغير المقيمين بنسبة 10.53 بالمئة على أساس سنوي، وبقيمة 5.97 مليار دينار (19.3 مليار دولار)، لتصل إلى 62.6 مليار دينار في نهاية يوليو 2026.
وتوفر جانب مهم من هذه الزيادة من الودائع الحكومية، إذ قفزت بنسبة 46.3 بالمئة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، لتصل إلى 6.11 مليار دينار.
ويعكس ذلك قيمة الودائع الحكومية بالنسبة إلى البنوك، باعتبار أنها تضمن الاحتفاظ بها لمدة متفق عليها، ما يساعدها على التخطيط بشكل أفضل.
أما في قطر، فبلغت الودائع المصرفية 1,105 تريليون ريال (303 مليارات دولار) في يونيو، بزيادة 5.8 بالمئة منذ بداية العام. وحافظت البنوك على مستويات قوية من الأموال المتاحة، إذ شكلت الأصول التي يسهل تحويلها إلى نقد 30 بالمئة من إجمالي أصولها.
وفي البحرين، أبقى المصرف المركزي فائدة الإيداع لليلة واحدة عند 4.25 بالمئة في يونيو، ولم يعلن زيادات جديدة مرتبطة بالحرب.
وتقدم عمان صورة مغايرة، إذ تمتلك البنوك العمانية بالفعل حجما كافيا من الودائع بالمقارنة مع أنشطتها بحسب الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي، ولذلك لا تحتاج إلى الدخول في منافسة حادة أو دفع عوائد استثنائية لاستقطاب أموال جديدة.
المشهد الحالي
تمتلك البنوك الخليجية عوامل تساعدها على جذب المال من الخارج، من بينها قوة قطاعاتها المصرفية وارتباط معظم عملات المنطقة بالدولار الأميركي، إضافة إلى سهولة حركة الأموال في عدد من المراكز المالية.
لكن المستثمر الخارجي لا يطارد الفائدة وحدها، بل يقارنها بدرجة الأمان وقوة التصنيف الائتماني ومخاطر العملة وقدرته على سحب أمواله وقت الحاجة، ولذلك يمكن للحرب أن ترفع المخاطر حتى لو كان العائد جذابا.
ويرى القمزي أن الإمارات تتمتع بمكانة مالية وتجارية دولية وبسهولة في حركة الأموال، لكن عروض الفائدة الحالية موجهة في معظمها إلى الأفراد المقيمين، وليست مصممة لجذب مليارات الدولارات من المؤسسات العالمية.
وتعني اشتراطات تحويل الراتب وفتح حساب محلي والاحتفاظ بحد أدنى من الرصيد أن البنك يريد بناء علاقة طويلة مع العميل، وليس الحصول على أموال مستثمر أجنبي يبحث عن أعلى فائدة قبل أن يغادر.
كما أن العوائد المرتفعة لم تأت نتيجة زيادة عامة في أسعار الفائدة الرسمية. وفي يونيو أبقت الإمارات سعر الأساس عند 3.65 بالمئة.
وتقول المهدي إن المستثمر الباحث عن الأمان يفضل وضع أمواله في سوق تقدم فائدة أقل لكنها بعيدة عن الحرب، بدلا من الحصول على عائد أكبر في منطقة يعتقد أنها معرضة لمخاطر عسكرية واقتصادية.
وترى أن المستثمرين من الخارج يتعاملون مع الخليج باعتباره منطقة واحدة عند تقدير مخاطر الحرب، حتى لو كانت أوضاع البنوك تختلف من دولة إلى أخرى، ولذلك لن يكون رفع الفائدة وحده كافيا لجذب تدفقات كبيرة من الأموال العالمية.