وسط أبنية مدينة بنغازي المتراصة، في شارع جانبي لا يحمل اسما، بدأت حكاية شركة غامضة تدعى “أركنو”. شركة ناشئة تحولت خلال أشهر إلى عملاق نفطي بعقود ضخمة، وعائدات بملايين الدولارات، وصادرات تتدفق في كل الاتجاهات نحو الأسواق العالمية.
أثار صعود أركنو المفاجئ تساؤلات كثيرة، وانبرت وسائل إعلامية محلية ودولية لفك الغموض المحيط بالشركة.
وأشارت التقارير إلى علاقات أركنو بأطراف خارجية، وحصولها على امتيازات استثنائية في وقت قياسي، وارتباطها الوثيق بشخصيات نافذة داخل ليبيا.
وقبل أيام، وضع قرار المجلس الرئاسي الليبي تشكيل لجنة لمراجعة عقود الطاقة، الشركة تحت المجهر مجددا، وأحيا التساؤلات حول أصولها الغامضة وعملياتها السريعة.
من بنغازي إلى لندن:
“أركنو هي إحدى الشركات الليبية الرائدة في تطوير وإنتاج النفط والغاز، حيث تقدم حلول طاقة مبتكرة وآمنة تدعم الاقتصاد المحلي”. هكذا تعرّف الشركة نفسها على موقعها الإلكتروني، المزدحم ببيانات الإنتاج وصور الحفّارات وخطط التوسع السريعة.
لكن ما يثير الانتباه في “أركنو” لم يكن موقعها أو اسمها، بل السرعة التي تحولت بها من كيان غير معروف إلى لاعب أساسي ينافس المؤسسة الوطنية للنفط، الكيان الرسمي المسؤول عن إدارة إنتاج وتصدير النفط الليبي منذ عقود طويلة.
يكشف تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2024، عن تعيين أفراد مقربين من جماعات مسلحة في مناصب قيادية داخل المؤسسة الوطنية للنفط، بهدف “تعديل هيكلها التنظيمي بما يقلل من فاعلية الضوابط والموازين الداخلية، وذلك عبر إنشاء مكتب استراتيجي جديد خارج المؤسسة، مُنح صلاحية إبرام الصفقات مع الشركات الخاصة، التي كان من بينها شركة أركنو”.
وفي العام نفسه، أسست “أركنو” فرعا لها في بريطانيا، ويظهر من بين مؤسسيها ومديريها الحاليين والسابقين أشخاص يحملون جنسيات متعددة، بينها البريطانية والدومينيكانية.
شركة بلا خبرة بين عمالقة النفط
بعد أشهر فقط من تأسيسها مطلع عام 2023، وبمباركة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، سرعان ما حصلت “أركنو” على عقود لتطوير مجموعة من الحقول مع المؤسسة الوطنية للنفط وشركة “بارس” القابضة السويسرية، شملت حقل الطهارة (NC4)، وحقل اللطيف (59)، وحقل سلطان (NC129).
ويضيف التقرير الأممي أن “أركنو” أبرمت العديد من اتفاقات تقديم الخدمات مع المؤسسة الوطنية للنفط وفق الصيغة التي أقرتها حكومة الوحدة الوطنية، بما في ذلك ما يتعلق بحقل السرير وحقل مسلة النفطي. وأنه ثبت للفريق الأممي أن “أركنو” تخضع لسيطرة مباشرة من صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر ونائبه في قيادة الجيش الوطني الليبي في الشرق.
يقول وزير النفط والغاز محمد عون المقال لـ”الحرة” إن وزارته اقترحت على الحكومة في يونيو 2021 إشراك القطاع الخاص الليبي في الأنشطة النفطية عبر عقود خدمات (Production Service Agreement)، لكنه فوجئ لاحقا بأن الحكومة دخلت في تنسيق مباشر مع المؤسسة الوطنية للنفط، وتفاوضت بشأن شركة “أركنو” دون علم الوزارة، رغم أنها الجهة الحكومية المكلفة بوضع السياسات النفطية.
” لم أعلم بهذه الأمور إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وطلبت من مؤسسة النفط توضيحا لهذا الموضوع، ولكن لم أتلق أي رد. وللعلم هذه المواضيع اختصاص أصيل لوزارة النفط والغاز بحكم القوانين السارية. ولكن المؤسسة وبتشجيع واضح ومستمر من السيد رئيس الحكومة دأبوا على المخالفة الواضحة والفاضحة وغير المسبوقة للقوانين والتشريعات الناظمة لقطاع النفط. كانت المراسلات تتم مباشرة بين المؤسسة والحكومة ولا يتم حتى توجيه صورة للوزارة،” يضيف الوزير عون، الذي أقاله الدبيبة قبل أن تأمر الأجهزة القضائية والرقابية بإعادته لمنصبه، وهو ما لم يُنفذ حتى الآن.
ورغم أن الشركة تؤكد أن مؤسسيها يمتلكون خبرة طويلة في قطاع النفط، يرى المحلل السياسي محمد بويصير أن قيادتها تفتقر إلى الكفاءة اللازمة لإنجاحها، وأنها “مُنحت استثناء مخالفًا للقانون الليبي”.
يقول بويصير لـ”الحرة”: “أنا مهندس نفط، تخرجت عام 1977، وزملائي معظمهم مستشارون في مجال النفط، ونحن لا نعرف أحدا ممن يقود هذه الشركة. ما جرى أن الشركة تعاقدت مع “شلومبرجير” التي تعمل في ليبيا منذ الخمسينيات، لكن مؤسسة النفط اشترطت على الشركة الأجنبية أن تقبل “أركنو” كشريك لها، وإلا ستبحث عن بدائل أخرى. وبذلك أصبحت الشراكة قائمة شكلياً مع القطاع الخاص الليبي، بينما العمليات التشغيلية تُدار فعلياً من الشركة الأجنبية”.
ويضيف أن “القانون الليبي يعتبر النفط ملكية عامة، وبالتالي لا يعطي الحق للشركات الخاصة ببيعه. فمثلا شركة الواحة هي بمثابة مقاول في مجال النفط لكنها لا تبيعه، المؤسسة الوطنية للنفط هي من لها فقط حق بيع النفط”.
صفقة “المثلث” ودور الإمارات
في أحد الاجتماعات المغلقة عام 2022، كانت أبوظبي تبحث عن وسيلة لخفض التوتر بين الشرق والغرب في ليبيا، خصوصا بعد أن أصبحت عائدات النفط محور نزاع دائم بين عائلة الدبيبة في طرابلس وعائلة حفتر في بنغازي. عندها طرحت الإمارات ما يصفه بويصير بـ”صفقة المثلث”.
يقول بويصير لـ”الحرة”: “تقدمت الإمارات بحل مثلث يتضمن طرفي الصراع الأساسيين: عائلة حفتر وعائلة الدبيبة، من خلال إنشاء شركة تبيع النفط. لكن ما سوق له في ليبيا، هو أن أركنو تحصلت على استثناء بحجة تشجيع القطاع الخاص، وهذا تضليل، لأنه لم يعلنوا عن عطاء حتى تتقدم شركات أخرى”.
من منظور الاستراتيجية الإماراتية، كان الهدف مزدوجا: توفير قناة لتوزيع العوائد بين الفرقاء الليبيين، وضمان موطئ قدم مباشر للإمارات في قطاع النفط الليبي، يوضح المستشار السابق للمجلس الأعلى للدولة أشرف الشح لـ”الحرة”.
ويعزو الشح استفادة الإمارات من صفقة “المثلث” إلى ما كان يُعرف بـ”نظام المقايضة”، حيث حصلت شركات إماراتية على عقود نفط ليبي مقابل الوقود.
ويقول الشح لـ”الحرة”: “بالنظر إلى تقرير ديوان المحاسبة الصادر عام 2023، نجد أن هناك ثماني شركات، أربع منها إماراتية، تمتلك النصيب الأكبر من النفط مقابل الوقود. هذه الشركات هي شركات سمسرة حديثة الإنشاء، وما لفت الانتباه أنه بعد تعليق نظام المقايضة في يوليو هذا العام، بدأت الاعتمادات تُفتح لنفس الشركات الإماراتية وبالقيم نفسها، رغم أن التعاقد كان يجب أن يتم مع شركات تمتلك مصافي”.
ويتابع الشح: “اتفاق النفط بين حفتر والدبيبة مدعوم ومعزز إماراتيا وغير قابل للانهيار، لأن انهياره يعني انهيار تمويل الطرفين وإنهاء نفوذهما”.
ولم ترد الشركات الإماراتية المذكورة، حتى الآن، على طلبات للتعليق أرسلتها “الحرة” عبر البريد الإلكتروني.
ملايين البراميل وحسابات غامضة
يكشف التقرير الأممي لعام 2024 أن شركة “أركنو” “صدرت، في الفترة ما بين مايو وسبتمبر 2024، ستة ملايين برميل من النفط الخام، بمتوسط سعر بلغ 77 دولارا للبرميل الواحد”، وتجاوزت قيمة هذه الشحنات 460 مليون دولار.
وأفادت وكالة رويترز مطلع العام الجاري بأن “أركنو” باعت شحنات نفط عبر وسطاء إلى شركات كان من بينها Exxon Mobil، فيما اشترت شركة UNIPEC، الذراع التجارية لشركة “سينوبك” الصينية الحكومية، ما لا يقل عن شحنتين إضافيتين كانتا في طريقهما إلى بريطانيا وإيطاليا.
يقول المحلل محمد بويصير إن “الشركات العالمية لا تشتري النفط بشكل مباشر من أركنو، لكن هناك ما يُعرف بالـ Spot Market أو السوق اللحظي الذي قد تلجأ إليه بعض الشركات”.
ويتساءل: “إذا كانت أركنو مرخصة كما تزعم، فلماذا لا تقوم الشركات العالمية بشراء النفط منها بشكل مباشر وبعقود رسمية؟”.
وتضيف رويترز أن وثائق الشحن أظهرت أن مدفوعات شحنات “أركنو” طُلب تحويلها إلى حسابات في Emirates NBD بنك الإمارات دبي الوطني في دبي، وBanque de Commerce et de Placements SA في جنيف. لكنها لم تتمكن من التحقق من تنفيذ التحويلات أو معرفة وجهة الأموال. ورفض البنكان تأكيد أو نفي وجود علاقات مع الشركة، موضحين أن سياساتهما الداخلية والتزامات تنظيمية تمنعهما من تقديم هذه المعلومات.
وعود بفتح التحقيق والرئاسي يتدخل
في مشهد لافت، وقف رئيس الحكومة الليبية، عبد الحميد الدبيبة، أمام كاميرات التلفزيون خلال اجتماع مع كبار مسؤولي الدولة. حضر الاجتماع موظفون من المؤسسة الوطنية للنفط، ووزارة النفط والغاز، ومصرف ليبيا المركزي، إضافة إلى ممثلين عن بعض الأجهزة الرقابية. بدا المشهد أشبه بـ”محكمة” يديرها الدبيبة بنفسه.
أخذ الدبيبة يستجوب الحاضرين بشأن شركة “أركنو”، متسائلا بلهجة المستغرب عن الأسباب التي دفعت إلى منحها كل تلك الامتيازات في قطاع النفط. كان يطلب تفسيرات وإيضاحات، وكأنه يجهل كل شيء عن الشركة، رغم أنه هو من وقّع على تلك الامتيازات.
في المقابل، قدّم رئيس المؤسسة الوطنية للنفط ووزير النفط والغاز المكلف ردا على تساؤلات الدبيبة، وقالا إن “أركنو” تقدّمت ضمن منافسة مفتوحة لشركات القطاع الخاص، وأن المؤسسة أجرت فحصا دقيقا لجميع المتقدمين للتأكد من مصادر تمويلهم وأهليتهم. وأكدا أن “أركنو” كانت إحدى الشركات الليبية التي اجتازت هذا الفحص، مشيرين إلى أنها تمتلك شريكًا عالميا قويا هو “شلومبرجر”، إلى جانب شركة الخليج العربي المملوكة للمؤسسة. وأضافا أن “أركنو” دفعت مليار دولار أميركي لشركة الخليج للمشاركة في عمليات الإنتاج.
وفي لقاء آخر، نفى الدبيبة وجود أي تنسيق سري مع حكومة الشرق لبيع النفط، مشيرا إلى أن المؤسسة تبرم عقودا يومية، وأن “أركنو” حصلت على العقد بعد اتباع الإجراءات المعتادة. وتعهد الدبيبة بإحالة ملف الشركة إلى الجهات الرقابية للتحقيق، ووعد بإيقافها في حال ثبوت أي شبهة فساد، لكن نتائج التحقيق لم تظهر حتى الآن.
يقول الخبير القانوني في قطاع النفط، عثمان الحضيري، إن المؤسسة الوطنية للنفط تعد من أسوأ المؤسسات في مجال التعاقد وفقا لتقارير المنظمة الدولية للشفافية. ويضيف أن الاعتماد على التكليف المباشر بدلا من اتباع لوائح العقود أسهم في تدهور قطاع النفط في البلاد، كما أن لجان العطاءات لا تعمل باستقلالية، وإدارات المؤسسة تتدخل بشكل غير عادل.
وفي رده على جدية مزاعم الحكومة بشأن التحقيق في قضية أركنو، يقول وزير النفط عون لـ”الحرة”: “ليس هناك إرادة سياسية، وإن الأجهزة الرقابية أصدرت العديد من التقارير ولكن المؤسسة الوطنية للنفط، وبدعم من السيد رئيس الحكومة، تتجاهل هذه التقارير”.
“لقد قمت بإرسال 400 مراسلة لتنبيه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، فرحات بن قدارة، عن هذه المخالفات خصوصا تلك الخاصة بعقود التكليف المباشر،” يضيف الوزير عون.
وفي محاولة أخيرة لصياغة نهاية مختلفة، أعلن المجلس الرئاسي هذا الشهر تشكيل لجنة فنية لمراجعة عقود النفط، بعد تصاعد الأصوات المطالبة بالشفافية. وأُوكلت إلى اللجنة مهمة ثقيلة: التدقيق في أوجه الصرف، ومتابعة التزام المتعاقدين بالقوانين، والتواصل مع الخبراء الأمميين.
يقول بويصير: “هناك مجموعات مصالح ممتدة من الحكومة إلى النيابة إلى الشركات إلى الأجهزة الرقابية، وليس هناك جهة تعمل باستقلالية واصبح بهذا الفساد وسرقة المال العام هو السياق العام لثقافة العمل في ليبيا، ومحاربة هذا الأمر سيحتاج إلى عمل كبير جدا وجهد وقد يكون حتى بعض العنف”.


