أثارت زيارة الزعيم الصيني شي جين بينغ إلى مصر في وقت سابق من هذا الشهر سيلاً من العناوين الإخبارية. وركزت تقارير عدة على تعهد شي بإرساء نظام أمني إقليمي جديد في الشرق الأوسط.
كانت هذه تحديداً الرسالة التي أرادت الصين أن تنقلها من خلال الزيارة. فقد جاء في موقع السفارة الصينية في الولايات المتحدة ما يلي : “أشار الرئيس شي جين بينغ إلى أن الجانب الصيني يدعم دول المنطقة في إقامة علاقات حسن جوار وعلاقات ودية، والتمسك برؤية للأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وبناء هيكل أمني جديد للشرق الأوسط”.
أما تفاصيل هذه الرؤية، فقد تُركت إلى حد كبير لخيال المتلقين. فبحسب التقارير الإخبارية، اكتفى شي بتصريحات عامة من قبيل: “ينبغي لشعوب الشرق الأوسط أن تكون صاحبة القرار في شؤونها. وينبغي معارضة تدخل القوى الخارجية”. أما كيفية القيام بذلك، فتقتضي “دفع الحوكمة الشاملة للأمن المشترك في المنطقة”.
وكيف يتحقق ذلك تحديداً؟ ينبغي للدول المعنية أن “تعزز التنسيق الدولي بشأن الأمن المشترك في المنطقة”، كما ينبغي دعم “الأمم المتحدة للاضطلاع بدور ملموس في الشؤون الإقليمية”.
وأضاف شي أن “القضية الفلسطينية” ينبغي أن تظل “في صميم الشؤون الدولية”.
ومضى قائلاً إن الصين ستعمل على “تعزيز الثقة المتبادلة تدريجياً والقضاء على البيئة الحاضنة للصراع”.
ولإتمام الصورة، أضاف أن “الجانب الصيني مستعد للعمل مع جميع دول المنطقة لحماية أمن ممرات الملاحة الدولية”.
لكن هذه هي الصين نفسها التي تسعى إلى فرض سيطرة أحادية الجانب على مساحة شاسعة من بحر الصين الجنوبي، تطالب بالسيادة على أجزاء منها خمس دول أخرى، إلى جانب إقليم تايوان الذي يتمتع بحكم ذاتي.
وهذه هي الصين نفسها التي تسعى إلى إخضاع تايوان وإنهاء نظامها الديمقراطي، وهو ما سيمنحها، في الوقت نفسه، سيطرة بلا منازع على مضيق تايوان، أحد الممرات الرئيسية للتجارة العالمية، المفتوح حالياً أمام الجميع.
وهذه هي الصين نفسها التي تبذل قصارى جهدها لبناء هيكل أمني عالمي جديد يستبعد الولايات المتحدة، وكذلك الدول الديمقراطية في أوروبا وآسيا.
كما تعمل الصين عمداً على تمكين تحالفات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط من شأنها إدامة حالة عدم الاستقرار، بدلاً من حلها.
ومن اللافت أن تصريحات شي في القاهرة خلت من أي إشارة إلى الحرب التي استمرت ستة أشهر بهدف إحباط طموحات إيران النووية العسكرية.
وخلال هذه الحرب، أطلقت إيران ما يُقدَّر بنحو 6 آلاف صاروخ وطائرة مسيّرة على 11 دولة في الشرق الأوسط: الإمارات، والكويت، والسعودية، والبحرين، وقطر، وعُمان، والأردن، والعراق، وإسرائيل، وتركيا، وأذربيجان.
وواصلت الصين دعم النظام الإيراني بشرائها نفطه، فضلاً عن تزويده، بحسب تقارير، بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية الميدانية.
ويستطيع شي أن يصل إلى مصر في جولة خاطفة ويطلق تصريحات فضفاضة عن “هيكل أمني جديد”، نسبيا لأنه يقوم بجولة تتمحور حول “الهياكل الأمنية، بعدما أدى لتوه دوراً رئيسياً في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، التي انعقدت في 1 و2 سبتمبر في بشكيك، عاصمة قرغيزستان.
وتأسست منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001، وكانت أحد مشروعات بكين الأولى لبناء هيكل أمني، وهي اليوم خاضعة لهيمنة الصين، التي تتكفل بتمويل مقر المنظمة في شنغهاي. وكان أبرز إنجاز للمنظمة إجراء 8 مناورات عسكرية واسعة النطاق شاركت فيها دول متعددة وقوات مشتركة.
وقد أُجريت آخر هذه المناورات عام 2021، قبل أن تشن روسيا عدوانها المروّع المستمر على أوكرانيا.
وقدمت الصين دعماً اقتصادياً للغزو الروسي، إذ أسهمت، حتى الآن، في حرب أودت بحياة ما يصل إلى نصف مليون روسي وما يصل إلى 200 ألف أوكراني، وذلك من خلال شراء النفط الروسي وبيع روسيا مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة يُعزى إليها، حتى الآن هذا العام، ارتفاع بنسبة 60% في أعداد قتلى المدنيين الأوكرانيين مقارنة بعام 2025.
ويمكن توقع أن تزيد الصين دعمها الاقتصادي والعسكري إذا وسعت روسيا حربها لتشمل دول البلطيق أو بولندا، لأن الحرب الروسية تخدم مصالح الصين المباشرة من خلال استنزاف كميات هائلة من الأسلحة الأميركية والأوروبية، التي لن تكون متاحة، بالتالي، للدفاع عن تايوان.
وفضلا عن ذلك، فإن روسيا الأضعف والأكثر اعتماداً على الصين ستكون أكثر ميلاً إلى الاستجابة للمطالب الاقتصادية الصينية مستقبلاً، بل وحتى للمطالب الإقليمية.
وفي المستقبل، قد تضغط الصين أيضاً على الأعضاء العشرة أصحاب العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون، وعلى أعضائها الستة عشر المحتملين، للمساهمة في حروب أكبر مستقبلاً، مثل غزو روسي لأوروبا، وهو احتمال آخر يترتب على رغبة الصين في أن تصبح المنظمة “منصة لتنفيذ مبادرات الأمن العالمي”.
وفي 12 و13 سبتمبر، سيتوجه شي إلى نيودلهي لحضور القمة الثامنة عشرة لمنظمة بريكس، التي تأسست قبل 20 عاماً، وحملت اسم أعضائها المؤسسين: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.
ورغم أن بريكس أدت في المقام الأول دور منصة لتعزيز التضامن السياسي والاستراتيجيات الاقتصادية بين دول الجنوب غير المتحالفة مع الغرب، فإن الصين روّجت لأجندة أمنية تحت مظلة “بريكس بلس”، وإن لم ترقَ إلى مستوى التحالف الصريح.
وتكشفت إمكانات التعاون العسكري بين دول بريكس خلال مناورة “Will For Peace” في يناير 2026، التي أرسلت فيها إيران وروسيا والصين سفناً حربية إلى كيب تاون بجنوب أفريقيا، الأمر الذي منح إيران شرعية سياسية كانت في أمسّ الحاجة إليها، وأظهر في الوقت نفسه قدرة هذه الدول على تهديد طرق الملاحة البحرية حول الطرف الجنوبي للقارة الأفريقية.
ورغم اختلاف أولويات منظمة شنغهاي للتعاون وبريكس، فإنهما، من وجهة نظر الصين، تخدمان الهدف الأهم المتمثل في الدفع نحو نظام جديد لما يحب شي أن يسميه “الحوكمة العالمية”، أي إخضاع أعداد متزايدة من الدول الأعضاء لنظام دولي يتمحور حول الصين ويحل محل النظام الحالي المتمحور حول الغرب.
وفي سبيل تحقيق ذلك، تروّج الصين أيضاً لفكرة زائفة مفادها أن الغرب آخذ في التراجع، وأن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لضمان الأمن العالمي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كتب الباحث التركي سردار يورتشيجيك، وهو زميل في معهد شنغهاي للحوكمة العالمية والدراسات الإقليمية، مقالاً مؤخراً في منشور تابع للحكومة الصينية، أورد فيه الملاحظة التالية:
فقدت واشنطن كلاً من الإرادة اللازمة لضمان الأمن والنظام في كل منطقة من مناطق العالم، والأساس السياسي الداخلي اللازم لدعم هذه الإرادة.
[وقد خلق ذلك] فراغاً [يمثل] تهديداً وفرصة في آن واحد. فهو تهديد لأن الضمانات الخارجية التي قُدمت على مدى عقود لم تعد غير مشروطة، وفرصة لأن كل مجال خلّفته القوى المهيمنة المنسحبة — إمدادات الأسلحة، والأمن البحري، والوساطة الإقليمية، والشراكات في الصناعات الدفاعية — يمثل موقعاً شاغراً ينتظر من يملؤه.
وتنشر وسائل الإعلام الرسمية الصينية مثل هذه الاستنتاجات لأنها تعكس تبرير بكين لتمكينها تحالفين عسكريين جديدين في الشرق الأوسط: اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل بين السعودية وباكستان، الموقعة في 17 سبتمبر 2025، واتفاقية الدفاع المشتركة بين السعودية وباكستان وتركيا في مكة، الموقعة في 7 أغسطس 2026.
ولم تكن لهذه التحالفات قدرة ردع على المستوى الاستراتيجي لولا أن الصين أمضت عقوداً في مساعدة باكستان على تطوير قدرات إنتاج الأسلحة النووية والصواريخ بعيدة المدى التي تعمل بالوقود الصلب.
وقد يشمل ذلك قريباً صواريخ باليستية عابرة للقارات (ICBMs) يُرجح جداً أن تكون الصين قد ساعدت في تطويرها، وتستند منظومة استهدافها إلى أقمار صناعية صينية للاستطلاع أُطلقت لصالح باكستان في عام 2025.
وقد تصبح باكستان، أو حليفتها كوريا الشمالية، مصدراً للأسلحة النووية أو الصواريخ النووية لدول في الشرق الأوسط ترغب في تعزيز قدراتها الردعية. كما تطور تركيا أيضاً صاروخاً باليستياً عابراً للقارات يعمل بالوقود السائل، ومن المرجح أن تكون الصين حريصة على بيعها، وكذلك لحلفائها الآخرين، أنظمة متقدمة للدفاع الصاروخي.
كيف يسهم كل ذلك في “هيكل أمني جديد للشرق الأوسط”؟
يبدو، أولا، أن باكستان، المسلحة بمساعدة الصين، كسبت حليفين محتملين يمكن أن ينضما فعلياً إلى أي حرب مستقبلية بينها وبين الهند، التي تمتلك هي الأخرى صواريخ نووية، بما في ذلك صواريخ باليستية عابرة للقارات.
ويحمل مثل هذا الصراع الإقليمي خطراً حقيقياً بالتصعيد إلى ضربات نووية متبادلة، بما قد يؤدي إلى عواقب لا يمكن تصورها بالنسبة إلى السعودية وتركيا، فضلاً عن تقويض الجهود الهندية الواسعة لتعزيز “التعددية القطبية” من خلال عضويتها في بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.
كما تمثل هذه التحالفات التي ساعدت الصين على إنشائها خطراً كبيراً يتمثل في تصعيد الصراعات المستقبلية مع إسرائيل إلى مستوى نووي. وقد تكون المخاوف من مثل هذا التطور وراء جهود إسرائيل لبناء طبقة جديدة من الردع، من خلال تطوير أقمار صناعية قتالية قادرة على مهاجمة أهداف على الأرض، كما كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 25 أغسطس.
وبوسع الصين أن تسهم في بناء هيكل أمني إقليمي جديد حقاً، وذلك ببساطة بإنهاء دعمها المالي الواسع ودعمها في مجال التكنولوجيا العسكرية لكل من روسيا وإيران، والمساعدة في وضع حد لحربين مدمرتين على نحو مأساوي.
لكنها، بدلاً من ذلك، تحتاج إلى صراعات تُضعف الغرب وتبرر إقامة “هياكل أمنية” جديدة تتيح للصين أن تصبح “القوة الخارجية” المهيمنة في الشرق الأوسط.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).