واشنطن العاصمة 05:06 PM
دحلان يعود إلى المشهد الفلسطيني.. ويقلق الأردن

ماغازين · سبتمبر 2026

دحلان يعود إلى المشهد الفلسطيني.. ويقلق الأردن

تحالفه مع خصوم عباس وشخصيات مرتبطة بـ«حماس» قد يعيد رسم خريطة السلطة الفلسطينية.

رنا صباغ

رنا صباغ صحفية ومحررة استقصائية أردنية حائزة على عدد من الجوائز العالمية، تمتع بخبرة تمتد لأكثر من 40 عامًا في العمل الصحفي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكانت، بصفتها رئيسة تحرير صحيفة Jordan Times، أول امرأة في المشرق تدير صحيفة يومية وطنية.

اقرأ بـ English
· 7 دقيقة قراءة

على مدى سنوات، راهن الأردن على السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس.

دعمت عمّان السلطة بوصفها الإطار المؤسسي للشرعية السياسية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه مارست ضغوطاً على عباس لإصلاحها، وبإلحاح أكبر منذ هجوم “حماس” على إسرائيل قبل ثلاثة أعوام.

ويدرك المسؤولون الأردنيون أن عباس، وقد بلغ التسعين، لن يبقى في المشهد طويلاً. لكن ما يهمهم، قبل كل شيء، هو الحفاظ على المؤسسات التي تمثل الفلسطينيين.

والآن، عاد غريم عباس اللدود إلى الواجهة.

فمحمد دحلان، المسؤول الأمني السابق لـ”فتح” في غزة، أُقصي من الحركة بعد خلاف مرير مع عباس، اتهمه خلاله الأخير بالفساد. ولا يزال دحلان شخصية مثيرة للجدل، في ضوء اتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة واجهها خلال توليه مسؤولياته الأمنية.

غير أن دحلان، المقيم في أبو ظبي، نجح في إعادة تقديم نفسه لاعباً إقليمياً له ثقله، مستنداً إلى علاقات وثيقة مع الإمارات ومصر، وقناة اتصال مع “حماس”، وصلات آخذة في التوثق مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويقول مسؤول أردني رفيع: “نحن لا نثق بدحلان. أجندته موالية لإسرائيل ومعادية للأردن. ولا شيء معه مضمون”.

وتتزايد مخاوف عمّان من الائتلاف غير المألوف الذي نجح دحلان في جمعه حوله. فهو يضم أعضاء سابقين ساخطين في “فتح”، وشخصيات سياسية محلية، وشخصيات منتخبة تحظى بشعبية، مثل قيادي فتح المعتقل مروان البرغوثي، إلى جانب فلسطينيين مرتبطين بـ”حماس”، وهم الطرف الأكثر إثارة للجدل في هذا التحالف.

إنه تحالف جمع بين خصوم الأمس، وأتاح لهم واقع جديد فرصاً جديدة. وما يقلق الأردن هو ما قد يحدث إذا ما نجح هذا التحالف في الانتخابات.

الانتخابات التي تقلق الأردن

من المقرر إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 نوفمبر، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية مطلع عام 2027. ومن حيث المبدأ، يبدو ذلك التجديد السياسي الذي طالما دعا إليه الأردن.

لكن عمّان تخشى أن تقود الانتخابات، في ظل الظروف الراهنة، إلى نتيجة معاكسة تماماً لما تأمله.

فالمخاوف تتمثل في أن يتمكن الائتلاف الواسع الذي يقوده دحلان من حصد أغلبية برلمانية، ومنافسة معسكر “فتح” الذي يقوده عباس، وصولاً إلى تقويض الشرعية السياسية للقيادة الفلسطينية القائمة.

وأمضى الأردن سنوات يدافع عن السلطة الفلسطينية وإطار منظمة التحرير بوصفهما التعبير المؤسسي عن الشرعية الفلسطينية التي أرستها اتفاقات أوسلو. وهو يخشى أن يفضي ائتلاف يقوده دحلان، ولا سيما إذا ضم شخصيات مرتبطة بـ”حماس”، إلى نشوء مركز منافس للشرعية.

ولهذا تنظر عمّان بقلق إلى الاستحقاق الانتخابي المقبل، وإلى ما قد يفرزه.

صعود دحلان

جاء التحول الأبرز في 12 يوليو 2026، حين التقى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لبحث آخر تطورات الشرق الأوسط. وما تلا ذلك كان بروزاً لافتاً لدحلان في قلب الجهود الدبلوماسية المتعلقة بغزة.

وبحلول نهاية يوليو، كان دحلان قد استقبل في أبو ظبي وفداً من “حماس” بهدف “بناء الثقة”. ثم انتقل إلى مصر، حيث التقى رئيس جهاز المخابرات العامة حسن رشاد، قبل أن يؤدي دور الوسيط بين الفصائل الفلسطينية ومبعوثي إدارة ترامب.

وبعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حماس” في أكتوبر 2025، لجأ جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إليه طلباً للمشورة، فطرح عليهما أسماء تكنوقراط فلسطينيين لتولي إدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب.

ويستند نفوذ دحلان إلى مزيج غير مألوف من الأوراق: صلات وثيقة بأبوظبي، وعلاقات قديمة مع القاهرة، وقناة مفتوحة مع “حماس”، وروابط مع أعضاء في فريق ترامب.

مساران فلسطينيان لليوم التالي

يتخذ الصراع على مستقبل غزة مسارين فلسطينيين متوازيين.

أحدهما يمر عبر عباس ومؤسسات السلطة الفلسطينية، والآخر عبر دحلان وشبكة علاقاته التي تصل غزة و”حماس” بمصر والإمارات وواشنطن.

ويتفق المساران على أن غزة لن تبقى تحت حكم “حماس” بصيغته الحالية، لكنهما يختلفان جذرياً في الطريق إلى ذلك، وفي الجهة التي ستتولى إدارة المرحلة التالية.

فمسار عباس مؤسسي في جوهره. وهو يقوم على عودة غزة، في نهاية المطاف، إلى سلطة فلسطينية خضعت للإصلاح، وتحظى بدعم عربي ودولي. وفي هذا التصور، تُستبعد “حماس” من الحكم، وتتخلى عن قدراتها العسكرية المستقلة، فيما تتوحد الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحت قيادة واحدة.

وهذا هو النموذج الذي يلقى تأييد الأردن وأطراف دولية وعربية، بينها فرنسا والسعودية: إصلاح السلطة الفلسطينية، لا استبدالها.

أما دحلان، فيرى أن الطريق إلى نظام سياسي فلسطيني جديد يمر، على نحو متزايد، عبر غزة نفسها، وعبر قدرته على التعامل مع “حماس” المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية.

الصفقة مع حماس

تبدو العلاقة بين الطرفين استثنائية، بالنظر إلى ما كانت عليه في السابق.

فدحلان كان يوماً من أشد خصوم “حماس” الفلسطينيين، فيما أسهمت الحركة، من جهتها، في إخراجه من غزة. لكن كلاً منهما يحتاج اليوم إلى الآخر.

تبحث “حماس” عن سبيل للبقاء في الحياة السياسية بعد الدمار الذي أصاب غزة. وقد لا تعود قادرة على حكم القطاع كما كانت من قبل، لكنها لا تريد أن تختفي من المشهد الفلسطيني. وهنا يستطيع دحلان أن يوفر لها طريقاً للعودة.

وفي المقابل، تمنح “حماس” دحلان ما يفتقر إليه: قاعدة منظمة ونفوذاً سياسياً داخل غزة.

وهكذا، فإن الصفقة التي تتبلور بين الطرفين هي صفقة مصلحة أكثر منها علاقة ثقة. فقد تقبل “حماس” ترتيباً تتخلى بموجبه عن السيطرة المباشرة على غزة وتنزع سلاحها، مقابل الاحتفاظ بنفوذ سياسي من خلال ائتلاف فلسطيني أوسع.

وليس من الضروري أن يخوض مرشحوها الانتخابات تحت اسم “حماس” مباشرة، إذ يمكن أن يدخلوا عبر قوائم انتخابية أوسع.

يحصل دحلان على الامتداد السياسي الذي تملكه “حماس”، وتحصل الحركة في المقابل على ما يملكه من قنوات إقليمية ودولية.

ويرى الأردن أن هذه المعادلة قد تمنح الائتلاف قوة كافية لمنافسة عباس وحصد ما بين 50 و60 في المئة من الأصوات.

لماذا تمثلحماس” خطاً أحمر للأردن؟

يقر الأردن بأن “حماس” قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات تكتيكية بعد الحرب، لكنه لا يرى في ذلك تحولاً جوهرياً في أيديولوجيتها.

فقد تنسحب الحركة من واجهة الحكم، وتعود إلى الحياة السياسية عبر حلفاء وواجهات أخرى، ثم تعمل على إعادة بناء نفوذها، من دون التخلي عما يصفه الأردن بأفكارها المتطرفة.

وتزداد حساسية هذا الاحتمال في الضفة الغربية، ذات الصلة المباشرة بأمن المملكة. فالضفة تقع بمحاذاة الأردن، وأي تمدد للبنية السياسية أو الأمنية لـ”حماس” فيها ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الساحة الفلسطينية.

ولهذا تتحفظ عمّان على أي صيغة في غزة يمكن أن تنتقل، في نهاية المطاف، إلى الضفة الغربية.

إسرائيل تغيّر المعادلة

ولا يمكن فصل القلق الأردني عما تراه عمّان يجري على الأرض.

فهي تعتقد أن إسرائيل تعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض صدقيتها، بالتزامن مع تغيير جغرافية الضفة الغربية على نحو يحول دون قيام دولة فلسطينية.

ففي محيط القدس، يهدد التوسع الاستيطاني بقطع صلة المدينة بامتدادها الفلسطيني في بقية الضفة، بما يزيد من تمزيق الجغرافيا الفلسطينية ويقوض إمكان قيام دولة متصلة الأراضي.

وفي شمال الضفة وجنوبها، يؤدي التوسع الاستيطاني وشق الطرق الالتفافية إلى مزيد من التجزئة. أما الأغوار فتكتسب حساسية مضاعفة.

فإسرائيل توسع مستوطناتها هناك وتعزز حضورها الاستراتيجي. ويتواصل البناء الاستيطاني، فيما يتعرض الفلسطينيون لضغوط متزايدة في ما يتعلق بالأرض والمياه. كما يهدد حاجز إسرائيلي جديد في الأغوار بعزل مزيد من التجمعات الفلسطينية عن أراضيها.

ومن منظور عمّان، لا تمثل هذه مجرد مشروعات استيطانية متفرقة، بل تشكل، تدريجياً، ملامح ضفة غربية مختلفة: القدس مفصولة عن امتدادها الفلسطيني، وشمال الضفة وجنوبها يزدادان انفصالاً، والأغوار تتحول إلى منطقة أمنية إسرائيلية ذات أهمية استراتيجية. وفي الوقت نفسه، يُدفع الفلسطينيون إلى مزيد من الفقر واليأس.

ولهذا ترى عمّان في إضعاف السلطة الفلسطينية خطراً مضاعفاً. فإسرائيل تغيّر الوقائع على الأرض، بينما ينشغل النظام السياسي الفلسطيني بصراع على من يملك حق تمثيل الفلسطينيين.

خطر الصراع الفلسطيني الداخلي

ويخشى الأردن، على نحو خاص، أن يؤدي فوز دحلان في الانتخابات إلى صراع داخلي فلسطيني.

فقد تصبح الشخصيات المرتبطة بـ”حماس” محور مواجهة داخلية، وقد ترفض “فتح” التسليم بالنتائج، فيما قد تنشأ شبكات سياسية وأمنية متنافسة.

وقد يمتد أثر هذا الصراع عبر نهر الأردن إلى المملكة، حيث يشكل الأردنيون من أصول فلسطينية شريحة واسعة من السكان، ويتبنى بعضهم فكرة المقاومة المسلحة ضد إسرائيل.

ومن المرجح أن تستفيد إسرائيل من مثل هذا التطور. فإذا تحولت المنافسة السياسية الفلسطينية إلى فوضى، أمكنها تقديم المشهد دليلاً على عجز الفلسطينيين عن حكم أنفسهم أو إنتاج شريك سياسي موثوق.

وبينما ينشغل الفلسطينيون بالصراع على الشرعية، قد تواصل إسرائيل ترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية. وهذا هو السيناريو الذي تريد عمّان تجنبه.

فالمعضلة الأردنية، في نهاية المطاف، ليست مجرد مفاضلة بين عباس ودحلان. ما تريده عمّان هو انتقال منضبط يعزز المؤسسات الفلسطينية، بدلاً من أن يقود إلى تفكيكها.

لكنها تخشى، بصورة متزايدة، أن حلفاءها في الغرب لا يولون هذه التطورات ما تستحقه من اهتمام. ومن منظور عمّان، تتلبد غيوم العاصفة في الأفق.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة