بلغ عدد من قرأوا رسالة استقالة جيكوب كوكسون المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي 170 مليونا.
وفي حوار لاحق مع أندرسون كوبر على قناة “سي إن إن” قال كوكسون، وهو شاب في السابعة والعشرين أمضى 3 سنوات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي لدى “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، إن شركات الذكاء الاصطناعي، في سباقها المحموم مع بعضها البعض، تبني نماذج فائقة الذكاء ثم تفقد السيطرة عليها.
وأكد أنه إذا لم يوقفها أحد فمن المرجح أن تستقل هذه النماذج وتتولى زمام الأمور، ثم تقضي على البشر كلهم بحلول نهاية العقد.
أثارت هذه التصريحات فزعًا واسع النطاق، وهو أمر مفهوم، فليس هناك من يعتقد أن شركاتنا التي لا تهتم إلا بمصالحها، أو حكوماتنا التائهة التي لا تهتم إلا بمصالحها، ستستعيد السيطرة على الموقف وتحول دون وصول الأمور إلى هذا الحد.
ورغم ذلك، بل على وجه الدقة بسبب ذلك، فإني أجد في هذا السيناريو مبعثًا للارتياح.
وقبل أن تبدي امتعاضك، توقّف لحظةً وتأمل معنى معرفتنا بنهاية حياتنا جميعا في حدود عام 2030.
لن نحتاج للقلق بشأن غضب أبنائنا الدفين علينا، ولا التساؤل إن كانوا يحبوننا حقًا أم يكرهوننا، وإن كانوا سيظلون أسرى قيودهم أم سيتجاوزونها أخيرًا، ولأي درجة تسببنا نحن، بغفلتنا وعيوبنا وجهلنا، في نقائصهم، ولأي درجة كان ذلك بسبب الجينات وسوء الحظ، أو ما إذا كان إنجابهم من الأساس فكرة صائبة.
لن نحتاج للقلق بشأن شركاء حياتنا: هل يناسبوننا فعلا؟ هل أحسنا الاختيار أم اكتفينا بما تيسر؟ وهل المسافة التي باتت بيننا أزمة عابرة أم ستشكل ما تبقى من عمرنا؟ ولا القلق من أن ننهي حياتنا وحدنا، بعد أن تتقلص صداقاتنا في صمت، حتى لا يلحظ أحدٌ رحيلنا.
لن نحتاج للقلق بشأن إخفاقاتنا: طموحاتنا غير القابلة للتحقيق، وأدائنا المهني المتواضع، وتناقضاتنا الشخصية، وفشلنا العام في بلوغ الصورة التي رسمناها لأنفسنا.
لن نحتاج للقلق من أن يدفعنا تغير المناخ إلى العيش في ملاجئ تحت الأرض.
لن نحتاج للقلق من صعود الصين وما إذا كانت ستجرّنا إلى حرب عالمية أم ستكتفي بترهيب جيرانها وغزو تايوان، ولا القلق بشأن الشعبوية الأميركية وما إن كانت ستسقط النظام الديمقراطي أم تنخر قيمه بالتدريج، ولا بشأن روسيا وما إن كانت ستهدأ أخيرا وتقنع وتتركنا نعيش في سلام.
لن نحتاج للقلق بشأن العالم العربي وما إذا كان سيتحول يومًا إلى دول ديمقراطية ناجحة، ولا إذا ما كان المسلمون سيوفّقون أخيرا بين معتقداتهم وبين النظام العالمي الحديث، ولا من يمثل “الإسلام الصحيح”.
لن نحتاج للقلق بشأن ما إذا كان شعار “تحرير فلسطين” يعني الإبادةً الجماعيةً ليهود إسرائيل، أم أن معارضته تعني الإبادةً الجماعيةً للفلسطينيين، وما إذا كان فرض العقوبات على إسرائيل سينهي احتلالها للضفة الغربية وغزة، أم ينهي إسرائيل نفسها، أم يدفع الجميع إلى هاوية أعمق.
لن نحتاج للقلق على وظائفنا: هل تبتلعها العولمة أم تراجع الإنتاج الصناعي أم الذكاء الاصطناعي، ولا هواجس الرسوم الجمركية أو الانهيار القادم للبورصة.
لن نحتاج للقلق بشأن مستقبل الرأسمالية، وتحولها أو زوالها الموعود الذي لا يتحقق، وما إذا كانت دخلت مرحلة الإبادة التي يحذر منها اليساريون، أم أن اليسار هو الذي دخل مرحلة الجنون الكامل.
لن نحتاج للقلق بشأن ما إذا كانت المواقف الراديكالية للتقدميين ستمنح الديمقراطيين نصرًا حاسمًا أم تنزل بهم هزيمةً ساحقة.
لن نحتاج للقلق بشأن الهجرة، وما إذا كان المهاجرون سيذوبون فينا أم يذيبوننا نحن فيهم، ولا بشأن التوفيق بين مثلنا العليا مثل المساواة والتسامح وبين رغبة الجماعات المختلفة في الحياة وفقا لقيمها وعاداتها الخاصة.
لن نحتاج للقلق بشأن التفرقة العنصرية، وما إذا كانت جراحها ستندمل.
لن نحتاج للقلق بشأن الإجهاض، وما إذا كان حقًا أم جريمة، وما إذا كنا نتحمّل مسؤولية جنائية بانحيازنا إلى أي من الجانبين.
لن نحتاج للقلق بشأن التعليم العالي، وضياع بوصلته وانهيار ثقة الناس فيه. ولا بالسؤال عمّا إذا كان الحياد الأكاديمي التزامًا حقيقيًا بالتفكير النقدي، أم أنه، كما يصرّ النشطاء، خيانةٌ له.
لن نحتاج للقلق بشأن أجسادنا التي تشيخ، ولا بشأن الفحوص الطبية والتأمين، ولا أقساط الرهن العقاري، ولا ما إذا كانت مدّخرات تقاعدنا ستكفينا.
لن نحتاج للقلق بشأن ما نتركه بعدنا، ولا كيف سيتذكرنا الناس.
لن نحتاج في الحقيقة للقلق بشأن أي شيء، على الإطلاق. يمكننا أخيرًا أن نفعل ما ظل أدعياء الحكمة الشرقية يحثّوننا عليه منذ سنوات: “عش في الحاضر وقل وداعا للمستقبل”. ها هو أملهم يتحقق أخيرًا.
استرخ إذن عزيزي القارئ، واستمتع بالحاضر.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).