تحولت ليبيا إلى ساحة للتنافس بين موسكو وكييف، وسط حالة الانقسام السياسي والأمني في البلاد، مع تمركز روسي في الشرق والجنوب، مقابل مؤشرات على تنامي النشاط الأوكراني في الغرب.
وتحدثت تقارير إعلامية في سبتمتبر عن وجود مشغلي مسيرات أوكرانيين في غرب ليبيا، واستخدامهم مواقع عسكرية لتنفيذ هجمات ضد مصالح روسية.
إلا أن وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس نفت السماح لأي طرف أجنبي باستخدام الأراضي أو المنشآت أو الأجواء أو المياه الإقليمية الليبية لتنفيذ أعمال عدائية ضد أي دولة أخرى.
وتعيش ليبيا انقساما سياسيا وعسكريا منذ عام 2014، بين شرق البلاد حيث يتركز نفوذ خليفة حفتر والقوات التابعة له، وغربها حيث تتخذ حكومات متعاقبة من طرابلس مقرا لها.
ويقول الكاتب الصحفي الليبي عبد الله الكبير لـ”الحرة” إن المعطيات تشير إلى وجود قوات أوكرانية في قواعد عسكرية بمدن كبيرة في الغرب الليبي.
ويرى أن استخدام الطائرات المسيرة على نطاق واسع، واستهداف ناقلة نفط روسية قبالة السواحل الليبية يمثل مؤشرا على احتمال وجود خبراء أوكرانيين.
ويقول ناصر عمار، وهو قائد ميداني في عملية “بركان الغضب” التابعة لحكومة الوفاق السابقة في طرابلس، إن الوجود الأوكراني في غرب ليبيا تبلور بصورة سرية أواخر عام 2025، عقب اتفاق غير معلن مع أطراف في حكومة الوحدة الوطنية، في مقدمتهم وكيل وزارة الدفاع عبد السلام زوبي.
ويشير إلى أن هذا الوجود بدأ يتكشف علنا، مع صدور مؤشرات على مسؤولية الاستخبارات العسكرية الأوكرانية عن هجمات بمسيّرات بحرية انطلقت من مدينتي مصراتة والزاوية واستهدفت سفنا مرتبطة بأسطول الظل الروسي، من دون إعلان رسمي عن تبني تلك الهجمات.
وحسب قوله، فإن تفاهمات جرت بين الطرفين تشمل تدريب اللواء 111 التابع لزوبي على تشغيل الطائرات المسيّرة والمسيّرات البحرية، مقابل توفير تسهيلات لوجستية تتيح تنفيذ عمليات ضد القوات الروسية في البحر المتوسط.
ولم يتسنَّ لـ”الحرة” التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه المعلومات، ولم تتبنَّ أي جهة رسمية ليبية أو أوكرانية هذه التفاصيل علنا.
في المقابل، يعود الوجود الروسي في ليبيا إلى ما قبل عام 2011، عندما تولى خبراء روس تدريب القوات الليبية وإصلاح المعدات، ونشر قدرات عسكرية ارتبطت بمواجهة النفوذ الأوروبي في أفريقيا، خصوصا التمدد الفرنسي، حسب الكاتب والصحفي المتخصص في الشأن الليبي عبد السلام حتيته.
وبعد ذلك تنامى الوجود الروسي في بدايات 2016 من خلال زيارات متبادلة وعقود صيانة فنية مع شركات أمنية روسية لإزالة الألغام وصيانة المعدات في بنغازي، قبل أن يتحول إلى “تدخل عسكري مباشر” مع بداية 2019 لدعم الحملة العسكرية التي شنها حفتر على العاصمة طرابلس، حسب ناصر عمار القيادي الميداني في عملية “بركان الغضب”.
ونفت روسيا أي دور لها في المعارك بين طرفي النزاع في ليبيا، لكنها أقرت بوجود عسكري بالتنسيق مع مجلس النواب الليبي وقوات حفتر.
وتمركزت القوات الروسية في القواعد الشرقية والوسطى، وقدمت أسلحة ثقيلة ومنظومات دفاع جوي، وأسهمت في إعادة هيكلة غرف العمليات وتدريب القوات الليبية التابعة لحفتر، وفقا لعمار.
ووثّق تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2026 امتلاك قوات شرق ليبيا كميات كبيرة من المعدات الروسية أو المصممة في روسيا، بينها منظومات دفاع جوي ومركبات مدرعة، كما أشار إلى تعزيز الوجود العسكري الروسي في منشآت بجنوب البلاد ترتبط بعناصر سبق أن انتمت إلى مجموعة فاغنر.
ويتفق المحللون الذين تحدثوا لـ”الحرة” على أن أهمية ليبيا الجغرافية تمنح موسكو فرصة لتعزيز دورها كبوابة للتجارة والطاقة والربط مع أفريقيا، خاصة بعد سقوط نظام حليفها بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024.
واتجهت موسكو بعد سقوط الأسد إلى توزيع وجودها في الشرق والجنوب الليبي، باعتبارهابديلا لوجستيا مهما يسمح لها بالحفاظ على نفوذ بحري وجوي في المتوسط ويمد جسرا باتجاه الساحل وأفريقيا.
ويقول عمار إن اختيار موسكو لحفتر وفر له دعما سياسيا وعسكريا، فيما منح روسيا شريكا يسيطر على مناطق استراتيجية في الشرق والجنوب والموانئ النفطية.
ويثير الوجود الروسي والأوكراني في ليبيا مخاوف من انتقال المواجهة بين موسكو وكييف إلى الأراضي الليبية.
ويقول الباحث في شؤون الأمن القومي فيصل بورايقة لـ”الحرة” إن ليبيا تستطيع الاستفادة من روسيا وأوكرانيا كدولتين صديقتين في التدريب والتقنية، لكن لا مصلحة لها في استضافة صراعهما.
ويعتبر أن أي وجود عسكري أجنبي خارج اتفاق وطني موحد سيعمق الأزمة السياسية ويؤخر توحيد الجيش والمؤسسات الأمنية.