“مدارس الكراهية”

بعد ترسانته العسكرية وشبكته المالية، تثير مدارس حزب الله جدلا واسعا داخل لبنان وخارجه. فهذه المدارس، التي يُفترض أن تكون تربوية، تحوّلت خلال السنوات الماضية إلى منصّات لإعادة إنتاج الولاء العقائدي وترسيخ الانتماء الطائفي، وتطبيع جيل على العنف والكراهية.

عضو الحزب الجمهوري الأميركي، توم حرب، دعا الحكومة اللبنانية إلى إغلاق ما سماها “مدارس العداء والثأر” التابعة للحزب، بعد احتفال نظمته جمعية “كشافة المهدي” في 12 أكتوبر في المدينة الرياضية ببيروت.

ورأى حرب أن مشاهد الاحتفال تكشف خطورة ما وصل إليه المشهد التربوي في بيئة حزب الله، داعيا إلى توجيه الطلاب نحو مدارس تُعنى بالتكنولوجيا وريادة الأعمال والمهن المنتجة.

وتفتح هذه الدعوة الباب أمام تساؤلات أوسع حول أثر التعليم العقائدي ومدى تأثيره على الهوية الوطنية، في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة تهدد مستقبل أجياله القادمة.

أخطر ما يقوم به حزب الله اليوم هو “إعادة إنتاج أجيال عبر منظومته التربوية والكشفية، حيث تغرس في المدارس والأنشطة الشبابية والمخيمات والمناهج غير الرسمية قيم تتجاوز حدود الدولة الوطنية لتشكل مشروعا عابرا للحدود، يقوم على تقديس المشروع الإيراني،” يقول الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، مصطفى أمين، في حديث مع “الحرة”.

ويصف أمين البيئة الفكرية التي يصنعها الحزب بأنها “فقاعة أيديولوجية مغلقة تقصي المختلف وتحوّل أي خروج عنها إلى خيانة. هذه الفقاعة تفرز جيلا منغلقا لا يرى في الدولة مرجعية، بل خصما، ما يؤدي إلى تفكك المجتمع وضعف الدولة”.

وفي عام 2023، أعلن الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية لتأسيس مدارس المهدي، أن الحزب سيواصل “تطوير هذه المدارس أفقيا وعموديا وجغرافيا، لأنها على صلة وثيقة بمشروعنا الإيماني والجهادي”.

وتثبت بعض بيانات النعي التي يصدرها حزب الله تورّطه في تجنيد قاصرين وإرسالهم إلى جبهات القتال. فخلال الحرب في سوريا، برزت حالات عديدة تؤكد هذا الاتجاه، من بينها مقتل القاصر مهدي حسن أبو حمدان عام 2017، الذي أعلن في اليوم التالي لمقتله نجاحه في شهادة البكالوريا كما تداولت تقارير صحفية.

ويظهر مقطع فيديو انتشر عام 2016 من داخل إحدى المدارس التابعة لحزب الله، أطفالا بزيٍّ عسكري يحملون أسلحة بلاستيكية، يؤدّون عرضا يحاكي هجوما على موقعٍ إسرائيلي.

ويشدد الكاتب والباحث السياسي،  مكرم رباح، على أن “القضية الجوهرية تكمن في ضرورة عدم السماح لحزب الله بتسويق مؤسساته على أنها مؤسسات عادية، في وقت يستغلها لتجييش الأطفال لخدمة مشروع انتحاري لا علاقة له بلبنان”.

ويضيف في حديث مع “الحرة” أن المدارس والحركات الكشفية يجب أن تكرّس الولاء للوطن والعائلة”.

تشكّل جمعية “كشافة المهدي” المرحلة الثانية في عملية التعبئة التي يخضع لها الأطفال داخل بيئة حزب الله. تأسست الجمعية عام 1985، ونالت ترخيصها الرسمي عام 1992، وتضم اليوم، وفق موقعها الإلكتروني، نحو 75 ألف ناشط موزعين على مفوضيات في بيروت، جبل لبنان، الجنوب، البقاع، والشمال.

نشاط الجمعية، بحسب تقرير لمركز ألما للأبحاث الإسرائيلية، صادر في يونيو 2022، يتجاوز الطابع الكشفي التقليدي، ليشكّل عملياً منصة للتجنيد المبكر في صفوف الحزب.

فمنذ سن الخامسة، يبدأ الأطفال بالانضمام إلى صفوف الكشافة، حيث يخضعون لتدريبات وأنشطة دينية مكثفة تتصاعد مع التقدّم في العمر. ويشير تقرير المركز إلى أن “عدداً من المراهقين بين 16 و17 عاماً ينتقلون مباشرة إلى الأنشطة العسكرية التابعة لحزب الله”.

وتعدّ شبكتا مدارس “الإمام المهدي” و”المصطفى” أبرز المؤسسات التعليمية التابعة لحزب الله، الذي لا يخفي أنها جزء أساسي من مشروعه العقائدي.

وفي عام 2022 أثار فيديو عام 2022 ضجة واسعة بعد أن ظهر فيه أطفال من مدارس الحزب يرددون الترجمة العربية للأغنية الإيرانية: “سلام يا مهدي”.

ويستخدم الحزب كذلك عددا من المنشورات في عملية غسيل عقول الأطفال. وتعدّ مجلة “مهدي” الموجّهة للأطفال من سنّ 4 إلى 17 عاماً، والتي صدرت أولى طبعاتها عام 2003، وسيلة “ناعمة” للتلقين العقائدي. تستغل المجلة القصص والصور الملونة لتطبيع الأطفال على فكرة “الجهاد” والقتال.

وتتعارض ممارسات الحزب هذه، مع اتفاقية حقوق الطفل للأمم المتحدة، التي صادق عليها لبنان عام 1991، والتي تحمي الأطفال من العنف والاستغلال.

ويقول المحامي والمحلل السياسي أمين بشير إن “أي نشاط ديني أو تربوي يحضّ على الكراهية أو يثير النعرات الطائفية يعدّ انتهاكاً لروح المادة التاسعة من الدستور اللبناني.

ويلفت بشير إلى أن “مناهج حزب الله وكشافة المهدي تخالف جوهر هذه المادة، لأنها تقوم على التعبئة العقائدية ونشر الكراهية، بالتالي تشكل خرقاً دستورياً وفعلاً يرقى إلى الجرم القانوني، كونه يمجّد دولة أجنبية ويخدم مصالح إيران، ما قد يعرّض لبنان لعقوبات دولية وعزلة سياسية واقتصادية”.

في المقابل، يقول مصدر في لجنة التربية والتعليم النيابية، طلب عدم الكشف عن هويته، إن “غالبية المدارس في لبنان قائمة على أسس طائفية أو مذهبية، وبالتالي فإن أي قرار بإقفال مدارس ذات انتماء ديني يعني عمليا إقفال معظم المدارس في البلاد”.

ونفى المصدر في تصريح لـ”الحرة” أن تكون هناك أي ضغوط لإغلاق مدارس حزب الله.

ويعكس التعليم في لبنان بشكل واضح البنية الطائفية التي تحكم المجتمع، إذ تقوم معظم المدارس على أسس مذهبية ودينية واضحة. فهناك المدارس الكاثوليكية والإنجيلية والأرثوذكسية ومؤسسات أمل التربوية ومدارس المقاصد الإسلامية السنية، وغيرها.

من جانبه يشدد رباح على  “ضرورة إخضاع مؤسسات الحزب للرقابة، كما ينص القانون على جميع المؤسسات التابعة للجهات الدينية”.

ويضيف أن القانون يتيح مراقبة هذه المؤسسات لضمان عدم استغلالها لأغراض تتعارض مع سيادة الدولة، فيما يدير حزب الله مؤسساته كجمهوريات مستقلة عن الدولة اللبنانية.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading