دارفور.. عدالة بالتقسيط وجرائم بالجملة

من بوابة العدالة والمحاسبة، عاد ملف إقليم دارفور السوداني إلى واجهة الأحداث.

محكمة الجنايات الدولية أصدرت حكماً بإدانة علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم علي كوشيب، أحد أبرز قادة ميليشيا الجنجويد في الإقليم، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحملة العسكرية التي شنها نظام الرئيس السابق عمر البشير في دارفور بين عامي 2003 و2004.

الإدانة، التي تعد الأولى من نوعها في “ملف دارفور الحقوقي”، جاءت بعد محاكمة امتدت لخمس سنوات، استمعت خلالها المحكمة إلى عشرات الأشخاص الذين أدلوا بشهاداتهم حول عمليات القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري، وحرق قرى خلال تلك الفترة.
وأشارت المحكمة في حيثيات الحكم إلى أن كوشيب كان القائد الميداني المسؤول عن هجمات ممنهجة ضد المدنيين في مناطق وادي صالح ومكجر وغرب دارفور، حيث دُمّرت أكثر من 400 قرية.

ويمثّل الحكم بارقة أمل لضحايا الجرائم المرتكبة في دافور والسودان، إلا أن ثمة من ينظر إليه على أنه مجرّد خطوة رمزية أمام مشهد أوسع من الإفلات من العقاب، إذ لا يزال كبار المطلوبين للمحكمة، وعلى رأسهم الرئيس السابق عمر البشير، خارج قفص العدالة.

يقول المحلل السياسي السوداني، فيصل سعد لـ”الحرة” إن “الحرب في دارفور كانت سببًا في ملاحقة رأس النظام السابق أمام المحكمة الجنائية الدولية، لكن الحكومات المتعاقبة في السودان تعاملت مع القضية بصمت وتجاهل، ما سمح باستمرار المعاناة في الإقليم”.

وبالإضافة إلى البشير وكوشيب؛ تتهم المحكمة ثلاثة أشخاص آخرين بالضلوع في الجرائم في دارفور، بينهم وزيرا الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، والداخلية الأسبق أحمد محمد هارون.

من هو كوشيب؟

بدأت شرارة الصراع في دارفور في مطلع الألفية، عندما تسبّب الجفاف في تناقص الأراضي الزراعية والمراعي والمياه، ما فجّر نزاعات بين المزارعين من أصول إفريقية والرعاة من أصول عربية.
لكن النزاع المحلي سرعان ما تحوّل إلى مواجهة دامية بعد أن حملت حركات متمردة السلاح ضد القوات الحكومية في عام 2003، لردّ نظام البشير بحملة عسكرية عنيفة شاركت فيها الجنجويد.

وأدى هذا الصراع المسلّح إلى مقتل مئات الآلاف، وتسبب بنزوح نحو مليوني شخص.

وكان كوشيب أحد قادة الجنجويد، وقاد حملات عسكرية عدة ضد حركات التمرّد. وشاركت قواته في هجوم على منطقة رهيد البردي في جنوب دارفور، ما أسفر عن مقتل مئات المدنيين وتعرّض نساء لعمليات اعتصاب وعنف جنسي، بحسب تقارير لمنظّمات حقوقية.ودى بحياة

كما انضم كوشيب إلى قوات “الدفاع الشعبي” شبه العسكرية، والتي شكّلتها حكومة البشير لمواجهة التمرّد المسلح.

ويوضح سعد أن “علي كوشيب لم يكن مجرّد تابع، بل كان فاعلاً أساسيّا في تنفيذ الجرائم. ورغم أنه لا يشغل منصباً رسمياً، فإن إدانته تفتح الباب أمام محاكمة جميع من تورطوا في جرائم مماثلة.”

وفي عام 2007، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمراً بالقبض عليه، ووجّهت له 31 تهمة بينها ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في إقليم دارفور.

الفاشر.. المأساة تتجدد

أحيا الحكم بحق كوشيب الأمل لدى كثيرين في السودان بأن تشقّ العدالة طريقها إلى ملف دارفور، وتؤذن بانتهاء زمن الإفلات من العقاب لمرتكبي الجرائم في الإقليم.
ويرى مراقبون أن دارفور فقدت زخمها الدولي منذ سنوات، بعدما استُهلكت قصتها في الإعلام وتراجعت مكانتها أمام أزمات عالمية أخرى، وهو ما ترك المدنيين في مواجهة مصيرهم لوحدهم.

ورغم الملاحقات القضائية الدولية، ما زالت المنظّمات الحقوقية الدولية والسودانية تتحدث عن جرائم وانتهاكات بحق المدنيين في المناطق التي تحوّلت إلى ساحات للقتال الدائر بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع”.

وتتحدّث هذه المنظّمات عن أن مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، تعيش حاليّاً أسوأ فصول الحرب الحالية، ويتعرّض سكانها، البالغ عددهم أكثر من مليون و500 ألف شخص، لانتهاكات بينها الحصار الذي  تفرضه “قوات الدعم السريع” عليها، وتمنع بموجبه وصول الإمدادات والمساعدات الإنسانية للسكان.

وإزاء ذلك، يطالب القيادي في حركة جيش تحرير السودان عقّاد إبن قوني عبر “الحرة” المحكمة الجنائية الدولية بـ”اتخاذ قرارات وإجراءات صارمة ضد قيادات ميليشيا الدعم السريع”، التي، يؤكد أنها “ترتكب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع والاغتصاب في كافة أنحاء السودان، وخصوصا في مدن دارفور وكردفان والفاشر المحاصرة”.

ويأمل سكان هذه المناطق ألّا تقف الملاحقات القضائية لمرتكبي الجرائم عند حكم المحكمة الجنائية الدولية بحق كوشيب، وأن يشكّل هذا الحكم خطوة أولى في طريق المحاسبة الطويل.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading