“شبكة العنكبوت” الأوكرانية تغير خرائط الحروب

سؤال من دون إجابة حاسمة، طالما تردد في أروقة العواصم الغربية: هل تغيرت ملامح الحروب إلى الأبد؟

الجواب الحاسم قدمته أوكرانيا، قبل أيام، عبر هجوم” شبكة العنكبوت” الذي استهدف عمق الأراضي الروسية.

“نعم، أعتقد أن الهجوم يمثل بداية عهد جديد في الحرب”، يقول دونالد جنسن، مدير قسم أوروبا وروسيا في “معهد الولايات المتحدة للسلام” في حديث مع “الحرة”.

“هذه لحظة فارقة” في تاريخ الحروب، يضيف.

وشنت أوكرانيا الأحد هجوما مفاجئا بطائرات من دون طيار استهدف العديد من القواعد الجوية الروسية التي تستضيف قاذفات استراتيجية قادرة على حمل رؤوس نووية.

وطال الهجوم غير المسبوق في نطاقه، وللمرة الأولى، مناطق في سيبريا في أقصى شرق روسيا.

تغير قواعد اللعبة

قبل سنوات كنا نتحدث عن قتال، بين روسيا وأكرانيا، يشبه القتال في الحرب العالمية الأولى بالمدافع الثقيلة، يقول جنسن، أما الآن، فنحن “نشهد تطورا سريعاً للأسلحة الصغيرة الرخيصة التي يمكنها إحداث أضرار جسيمة”.

“لم تعد القدرة على إلحاق الأذى حكرا على الجيوش الضخمة؛ حتى الدول الأصغر تستطيع تطوير هذه الطائرات من دون طيار بتكلفة زهيدة نسبيا، وتوجيهها بدقة نحو أهداف حيوية،” يضيف.

“وقد رأينا تأثير ذلك بوضوح عندما خسرت روسيا ثلث قوتها من القاذفات الاستراتيجية في هجوم واحد. هذا الواقع يُجبر الجيوش الغربية وحلف الناتو على إعادة النظر في استراتيجياتهم”.

وترى آنا بورشفسكايا، كبيرة الباحثين في معهد واشنطن أن مستقبل الحروب بات مرتبطا بالطائرات من دون طيار. وتضيف في حديث مع “الحرة” أن الهجوم الأوكراني يمثل “نقطة محورية” في النقاش الأوسع حول هذه الأسلحة التي تُغير قواعد اللعبة.

“لن نستسلم”

يمثل الهجوم، وفق بورشفسكايا، “رسالة قوية” تعبر عن تصميم كييف على عدم الاستسلام.

“أوكرانيا كانت تسعى لإيصال رسالة مهمة إلى روسيا، مفادها أنها ستستمر في القتال وستعزز نفوذها عندما تتاح لها الفرصة”.

حدثت الهجمات، التي استغرقت 18 شهرا من التخطيط، عشية جولة محادثات بين أوكرانيا وروسيا في إسطنبول. “إنها إشارة واضحة من كييف للرد على تكتيكات روسيا التي تعتمد على شن هجمات كبرى قبل المفاوضات،” تقول بورشفسكايا.

ويشير جنسن بدوره إلى أن هذا الهجوم كشف عن “نقاط ضعف يمكن استغلالها” في نظام بوتين، و”قد أذل الروس”.

يلفت جنسن أيضا إلى سلسلة من المفاجآت التي واجهها النظام الروسي، بدءا من فشل الغزو الأولي وصولا إلى انتفاضة فاغنر.

يعاني هذا “النظام الفاسد الذي يسيطر عليه الجيش الروسي” من صعوبة في التكيف بسرعة، يقول.

من ناحية أخرى، يكشف الهجوم إلى أوكرانية باتت أقل اعتمادا على الدعم العسكري الأميركي مما كان يُعتقد سابقا، حتى أن التقارير تشير إلى أن كييف لم تُبلغ واشنطن مسبقا بهذا الهجوم.

ويستبعد جنسن أن تستسلم أوكرانيا للغطرسة الروسية، فهي “عازمة تماما على الدفاع عن سيادتها وشعبها،” مدعومة بتصاعد الدعم الأوروبي الذي يمنح أوكرانيا القدرة على مواصلة القتال بشروطها.

هل اهتز ميزان القوى؟

لا يعتقد جنسن أن يغير الهجوم “ميزان القوى” بشكل أساسي، ويُتوقع “رداً روسياً وحشياً وشرساً”. ومع ذلك، يرى أن الهجوم يؤكد “معنويات أوكرانيا العالية للغاية وعزيمتها التي لا تصدق”.

رغم الضجيج حول القوة الروسية، لم تحقق موسكو تقدماً كبيراً في شرق أوكرانيا العام الماضي.

وترى بورشفسكايا أن “من المبكر جداً الحكم” بشأن وضع ميزان القوى في الحرب الروسية على أوكرانيا، لكنها تؤكد أن الأوكرانيين “ألحقوا أضراراً جسيمة بترسانة روسيا الاستراتيجية” وبرهنوا قدرتهم على “الإبداع والابتكار”.

وتُشير بورشفسكايا إلى أن الغرب ” قد قبل حقيقة أن أوكرانيا لا تستطيع الانتصار،” وفعل ما يكفي لضمان ألا تخسر الحرب.

تحذر بورشفسكايا من أن الوقت قد لا يكون في صالح أوكرانيا في “حرب الاستنزاف” هذه، إذ أن “الطرف الأضعف هو الطرف الخاسر”.

ويعتقد خبراء أن المأساة تكمن في عدم بذل الغرب مزيدا من الجهد لمساعدة أوكرانيا في البداية، ما أطال أمد الحرب وقلل من فرص انتصارها.

ويتوقع جنسن أن تستمر “هذه الحرب المروعة” لعدة أشهر، “ربما لمدة عام أو عامين آخرين قبل أن يستسلم أحد الطرفين”، خاصة وأن المفاوضات لا تبدو أنها تسير في أي اتجاه فعال.

قد لا تكون ضربة “شبكة العنكبوت” قاضية، لكنها بلا شك لحظة فارقة ليس في مسار الحرب بين روسيا وأوكرانيا فحسب، وإنما بالنسبة للحروب المعاصرة عموما. إذ تلعب التقنيات المبتكرة دورا محوريا في إعادة تعريف موازين القوى، وتُعيد رسم خارطة الصراع بعيدا عن خطوط الجبهة التقليدية، ونحو حربٍ تكون فيها الغلبة لعقول المخططين وليس فقط لخرائط ساحات القتال.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading