هل يمكن أن يكون بابلو بيكاسو أقوى من مرتزق مدجّج بالسلاح؟
سؤال طرحه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، حين وجّه، في أغسطس الماضي، رسالة باللغة الإسبانية إلى الشعب الكولومبي، قارن فيها بين إرث الثقافة اللاتينية ومرتزقة يقاتلون في بلاده.
قال إن أقلام ماريو بارغاس يوسا وغابرييل غارسيا ماركيز وبابلو نيرودا أقوى من السيف. ونقلت وسائل إعلام أن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو ردد المعنى نفسه قائلا: “أيها الجنود السابقون، لا تبيعوا أنفسكم… حاربوا من أجل وطنكم، ولا تموتوا في حروب الآخرين”.
لم يتسن! لـ”الحرة” التحقق من صحة ما نُسب للرئيس الكولومبي، لكن يبدو أن واشنطن استجابت، بشكل ما، لرسالة المسؤول السوداني، بفرضها الثلاثاء عقوبات على شبكات تغذي الحرب في السودان بمئات من المتزقة الكولومبيين.
فالحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 لم تعد مجرّد صراع داخلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. ثمة شبكات عابرة للحدود تُجند مقاتلين أجانب ومتعاقدين عسكريين للمشاركة فيها، ما يسهم في إطالة أمدها وتعقيد إمكانية إيقافها.
تشير تقارير غربية إلى أن قوات الدعم السريع هي المستفيد الرئيسي من تلك الشبكات. إذ جرى استقدام مئات من الجنود الكولومبيين السابقين للقتال في السودان عبر قنوات تجنيد تمتد من أميركا اللاتينية إلى الخليج ثم إلى داخل السودان، وفق تحقيقات صحفية وعقوبات أميركية.
ويحمل كثير من هؤلاء خبرات قتالية راكموها خلال عقود من مكافحة التمرد في كولومبيا، وهي خبرات يندر توفرها لدى المقاتلين المحليين.
وتُدار عمليات التجنيد، بحسب هذه التقارير، عبر وسطاء على صلة بشركات أمنية وعسكرية خاصة، تعرض عقود عمل خارجية برواتب تفوق بكثير ما يمكن أن يحصل عليه الجنود المسرّحون في بلدانهم الأصلية.
وقال عدد من المجندين السابقين، في إفادات نقلتها صحيفة والغارديان، إنهم أُبلغوا في البداية بأن مهامهم ستكون تدريبية أو لحماية منشآت نفطية في دول خليجية، قبل أن يُفاجَأوا بإرسالهم إلى خطوط القتال في السودان.
واتهمت الحكومة السودانية دولة الإمارات بتمويل هذه الشبكات وتسهيل عملها، وهي اتهامات نفتها أبوظبي. وفي أبريل الماضي، فتحت لجنة أممية تحقيقا في شحنة أسلحة، بلغارية المنشأ، وصلت إلى قوات الدعم السريع في السودان عن طريق الإمارات، وفق مقال لوكالة رويترز.
ونفت الإمارات، في رسالة لرويتز بعد نشر المقال، استمرار الأمم المتحدة في التحقيق بشأن دورها في السودان. إلا أن الحديث عن “دعم الإمارات لقوات الدعم السريع،” غالبا ما يرد في التقارير عن الحرب السودانية. ويعزّز ذلك، بحسب محللين، امتلاك قوات الدعم السريع مصادر تمويل مستقلة، أبرزها سيطرتها على جزء كبير من قطاع تعدين الذهب في السودان، ما يتيح لها دفع رواتب مجزية للمقاتلين الأجانب بعيدا عن رقابة الدولة.
هذا النموذج المالي والتنظيمي دفع بعض الباحثين إلى توصيف قوات الدعم السريع بأنها شبكة مسلحة ذات طابع تجاري عابر للحدود.
ففي مقال نشر عام 2023 في London Review of Books، وصف الباحث المتخصص في شؤون السودان، أليكس دي وال، قوة الدعم السريع بأنها “مشروع مرتزقة عابر للحدود”، يقوم على التمويل الخارجي واستغلال الموارد الطبيعية وتجنيد المقاتلين مقابل أجر.
وأثّر هذا الوجود الأجنبي بشكل مباشر في مسار الحرب. إذ يرى محللون أمنيون أن المقاتلين الأجانب يشكلون “عوامل مضاعِفة للقوة”، من خلال تحسين الأداء الميداني ورفع مستوى التخطيط والتنسيق وتعويض الخسائر البشرية التي تكبدتها قوات الدعم السريع خلال المعارك طويلة الأمد، لا سيما في الخرطوم وأقاليم دارفور.
غير أن هذا الدور يتزامن مع سجل واسع من الانتهاكات الجسيمة. فقد وثّقت منظمة العفو الدولية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اتهامات لقوات الدعم السريع بارتكاب عمليات قتل جماعي وعنف جنسي مرتبط بالنزاع وإعدامات ميدانية، خصوصا في دارفور. ويؤكد خبراء قانونيون أن المقاتلين الأجانب المنخرطين ضمن هذه القوات قد يواجهون مسؤولية قانونية مباشرة أو غير مباشرة إذا ثبت تورطهم في تلك الانتهاكات أو تقاعسهم عن منعها، وفق تقرير نشرته منظمة العفو الدولية في أواخر نوفمبر الماضي.
أما من الناحية القانونية، فالوضع أكثر تعقيدًا. إذ تشير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى عدم وجود تعريف دولي موحّد لـ”المقاتل الأجنبي”، إلا أن من يُجنَّدون أساسًا بدافع الربح المالي قد يندرجون ضمن تصنيف «المرتزقة». وهؤلاء لا يتمتعون بحصانة المقاتلين النظاميين، ويمكن ملاحقتهم قضائيًا بموجب القوانين الوطنية (مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان). وتزيد تقارير عن تدريب مجندين، من بينهم أطفال، من خطورة المشهد، لما قد تنطوي عليه من جرائم اتجار بالبشر وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
هذه المعطيات دفعت واشنطن إلى تصعيد موقفها.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء فرض عقوبات على أفراد وكيانات اتهمتهم بالمشاركة في تجنيد وتدريب مقاتلين أجانب لصالح الحرب في السودان. وقالت الوزارة إن الشبكة المستهدفة “تسهم في زعزعة استقرار السودان وتقويض فرص الانتقال الديمقراطي”، بما في ذلك تجنيد جنود كولومبيين سابقين وتدريب مقاتلين، من بينهم أطفال، للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
وتقضي العقوبات بتجميد أي أصول لتلك الجهات ضمن الولاية القضائية الأميركية، ورفع مستوى المخاطر أمام المؤسسات المالية والأطراف الأجنبية التي تتعامل معها. ويأتي هذا التحرك بعد عقوبات سابقة طالت شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية وشخصيات إسلامية على صلة بالجيش السوداني، في إشارة إلى تحول في الاستراتيجية الأميركية من الاكتفاء بالضغط على الفاعلين المحليين، إلى استهداف خطوط الإمداد العالمية، من تمويل وأفراد وخبرات، التي تُغذّي الحرب.
وبالنسبة لصنّاع القرار في واشنطن، تبدو الرسالة واضحة: ما دام النزاع السوداني يتغذّى بالمقاتلين الأجانب، فإن أي تسوية سياسية داخلية ستظل عاجزة عن وقف القتال أو الحيلولة دون وقوع مزيد من الفظائع الجماعية.
على الرغم من صعوبة الحصول على أرقام دقيقة وموثقة لعدد المقاتلين الأجانب المشاركين في حرب السودان، تقدم مصادر غربية تقديرات واسعة. الرقم الأكثر تحديدا يركز على نحو 300 إلى 400 جندي كولومبي سابق تم تجنيدهم للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع (RSF)، وفقا لتقارير استقصائية مفصلة.
في ما يخص المقاتلين الأفارقة الذين يقاتلون في السودان، فإن الأرقام أكبر بكثير، خصوصا من دول الساحل مثل تشاد والنيجر ومالي، ويرتبط معظمهم بشبكات الدعم السريع القبلية. وقد أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة السابق إلى السودان، فولكر بيرتس، عدم وجود دليل على مرتزقة فاغنر، لكنه أشار إلى وجود “عدد لا بأس به” من “صائدي المكافآت والمرتزقة” من دول الساحل. هذا التدفق الأجنبي للمقاتلين كان محور العقوبات التي أعلنت عنها وزارة الخزانة الأميركية، والتي استهدفت الشبكات المتورطة في تجنيد وتدريب هؤلاء المقاتلين.



