مع اقتراب نهاية العام، توجه سوريا اختبارا سياسيا وأمنيا جديدا مع تعثر تنفيذ اتفاق مارس بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، وسط انعدام ثقة متبادل، وتهديدات تركية بالقوة، ومخاوف كردية وأقلياتية تفاقمت بفعل موجات عنف طائفي شهدتها البلاد منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة في ديسمبر من العالم الماضي.
“من الصعب تنفيذ الاتفاق قبل نهاية العام. الطرفان لا يثقان ببعضهما البعض، ولديهما رؤى مختلفة حول آلية التنفيذ،” يقول فلاديمير فان ويلغنبرغ المحلل السياسي المختص في الشؤون السورية والمؤلف المشارك لكتاب “أكراد شمال سوريا“.
فبعد أشهر من المفاوضات، لا تزال نقاط الخلاف الأساسية عالقة، ولا سيما ما يتصل باللامركزية كنظام حكم للبلاد، وآليات دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش الوطني. وقد أسهمت أعمال العنف الطائفي في الساحل السوري ضد العلويين، وفي الجنوب ضد الدروز، منذ تولي الشرع السلطة في ديسمبر 2024، في تعميق مخاوف الأكراد والأقليات الأخرى من عودة سلطة مركزية غير قادرة على حمايتهم.
في الوقت نفسه، تصعد تركيا ضغوطها السياسية والعسكرية، محذّرة من أنها ستدعم عملية عسكرية للحكومة السورية إذا لم تلتزم قوات سوريا الديمقراطية بالاتفاق. كما تزيد التعزيزات التركية على الحدود، واستمرار أنقرة في تصنيف المكوّن الرئيسي لقسد، وحدات حماية الشعب، باعتباره امتدادا لحزب العمال الكردستاني، من تعقيد الوضع.
على الجانب الآخر، لا تزال الولايات المتحدة تلعب دور الوسيط الرئيسي، في محاولة لمنع انهيار الاتفاق، للحيلولة دون اندلاع صراع جديد يهدد الاستقرار الهش في المنطقة.
“حتى الآن، لا تزال الصورة غير واضحة، فقد يتم التوصل إلى تمديد للاتفاق، أو قد تشهد المرحلة المقبلة صراعا محدودا” يضيف ويلغنبرغ لـ”الحرة”.
في مارس الماضي، توصل الطرفان إلى اتفاق برعاية الولايات المتحدة لدمج القوات التي يقودها الأكراد في المؤسسات السورية بحلول نهاية العام، بما يشمل نقل السيطرة على معابر حدودية ومطار وحقول للنفط والغاز إلى دمشق. لكن الاتفاق يسير بشكل بطيء جدا حتى الآن وسط اتهامات متبادلة بعرقلة تنفيذه.
في تصريحات هذا الشهر، أكد قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي على منصة “أكس” الالتزام “الثابت” باتفاقية العاشر من مارس، “بوصفها أساساً لبناء سوريا ديمقراطية، لا مركزية، بإرادة أبنائها، ومحصّنة بقيم الحرية والعدالة والمساواة”.
بالإضافة إلى المطالبة بمبدأ اللامركزية في حكم البلاد، تقترح قوات سوريا الديمقراطية ضم ثلاث وحدات منفصلة من قواتها في صفوف الجيش. في المقابل تفضّل دمشق دمج عناصر قسد على أساس فردي وتسعى لتطبيق نظام الحكم المركزي.
في سبتمبر الماضي انتقد الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع التأخير في تنفيذ الاتفاق مشيرا إلى أن هذا التأخير “ينبع من طموحات انفصالية على شكل دعوات للامركزية”.
يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة تينيسي، مايكل غونتر، “من الواضح أن دمشق ترغب في استيعاب قوات سوريا الديمقراطية وتوحيدها ضمن مؤسساتها لكن الأكراد الذين خاضوا قتالا طويلا وبكفاءة لن يتخلوا بسهولة عمّا حققوه، على الأقل ليس من دون مقاومة”.
ويضيف أن “عدد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية، الذي يتراوح بين 50 و100 ألف عنصر، ليس بالأمر الهيّن، خاصة وأنهم تلقوا تدريبا ودعما جزئيا من الولايات المتحدة، وبالتالي لن يتخلوا عنها بسهولة من خلال دمجها بشكل فردي في القوات السورية”.
الخلافات بين الطرفين بشأن آلية الدمج وطبيعة نظام الحكم في البلاد، تمثل جزءا فقط من المشاكل العالقة.
وما جرى من عمليات قتل على أساس طائفي ضد الأقلية العلوية في الساحل السوري والطائفة الدرزية في السويداء، زاد من انعدام الثقة المتبادل بين الأكراد وحكومة الشرع.
وقُتل نحو 1400 مدني علوي في مارس الماضي خلال أعمال عنف على أيدي مسلحين وعناصر تابعة للحكومة، وفقا لتقديرات لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة المعنية بسوريا. بينما قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن العدد تجاوز 1500 قتيل.
وقُتل مئات الأشخاص في السويداء في يوليو بعد أعمال عنف بدأت بين عشائر محلية وفصائل درزية، وتصاعدت بعد إرسال القوات السورية إلى المنطقة، حيث اتهم أقارب القتلى القوات الحكومية بارتكاب عمليات قتل على شكل إعدامات أمام الكاميرات.
يرى غونتر أن أعمال العنف التي استهدفت الأقليات السورية في وقت سابق من هذا العام، تقوّض استعداد قوات سوريا الديمقراطية للثقة بمشروع التوحيد الذي تصر عليه دمشق.
وتتفق مديرة الأبحاث في معهد السلام الكردي في واشنطن، ميغان بوديت، مع هذا الطرح. وتقول إن “موجات العنف الطائفي ضد العلويين والدروز، من بين قضايا أخرى، أثرت كثيرا على شرعية حكومة دمشق من وجهة نظر الأكراد”.
“الخيارات التي اتخذتها الحكومة الحالية، مثل استبعاد اللغة والهوية الكردية من الإعلان الدستوري الانتقالي، وتعيين قادة ميليشيات مدعومة من تركيا، سبق أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على بعضهم بسبب انتهاكات جسيمة بحق الأكراد والإيزيديين والنساء، في مناصب رفيعة بوزارة الدفاع، لم تساعد في بناء الثقة لدى الأكراد” تضيف بوديت.
كانت بوديت تشير إلى فصيل “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا وجرى دمجه في الجيش السوري الجديد بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وعمدت الحكومة السورية الجديدة منذ توليها مقاليد الحكم في ديسمبر الماضي إلى دمج المقاتلين الأجانب في صفوف الجيش ومنحت بعضهم مناصب قيادية، وشكلت كذلك فرقة قوامها نحو 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الإيغور الصينيين ومواطنين من دول أخرى، ضمن فرقة جديدة أُسست تحت اسم “الفرقة 84” في الجيش السوري.
ومن هنا تبرز مشكلة أخرى: الدور التركي في شمال سوريا والخلافات الأزلية بين أنقرة والأكراد.
تمتلك تركيا بالفعل نفوذا كبيرا في دمشق وعلاقات وطيدة مع الشرع، بالإضافة لوكلائها على الأرض المتمثلين بـ”الجيش الوطني السوري”.
تسهم تركيا في تفاقم الوضع، إذ تنظر أنقرة إلى المكوّن الرئيسي في قسد، وهو وحدات حماية الشعب (YPG)، على أنه امتداد لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تعتبره منظمة إرهابية، وتقول إنها لن تتسامح مع استمرار وجوده على طول حدودها.
في السابع من ديسمبر، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن قسد لا تُظهر “أي نية” للالتزام باتفاق مارس. كما ردد مسؤولون أمنيون أتراك مرارا انهم لا يقبلون تعيين قادة من وحدات حماية الشعب كضباط في الجيش السوري الجديد.
ومؤخرا تحدث تقارير تركية بأنه في حال لم يتم تنفيذ الاتفاق قبل نهاية العام، فإن دمشق ستنفّذ عملية عسكرية بدعم من تركيا اذا اقتضت الضرورة.
كذلك أظهرت مشاهد مصوّرة من سوريا قيام الجيش التركي بإرسال تعزيزات عسكرية إلى شمال سوريا عبر عفرين ورأس العين وشمال حلب التي تخضع لسيطرة “الجيش الوطني السوري”.
“تواصل التهديدات الصادرة عن أنقرة خلق أجواء من التوتر وانعدام الثقة لدى قوات سوريا الديمقراطية، خاصة أن تركيا حليف لدمشق، بل وساعدت الشرع على الوصول إلى السلطة،” يقول غونتر.
ومع ذلك يعتقد ويلغنبرغ أن تركيا تحاول من خلال هذه الاستراتيجية ممارسة الضغط لدفع قوات سوريا الديمقراطية لتقديم مزيد من التنازلات.
“حتى الآن، لم يكن لهذا الضغط تأثير كبير، خاصة في ظل وجود مسار سلام جارٍ داخل تركيا بين الدولة وحزب العمال الكردستاني، وفي حال تدخلت أنقرة عسكريا في سوريا، فقد ينهار مسار السلام داخل تركيا أيضا،” يضيف ويلغنبرغ.
من هنا تبرز أهمية وجود دور وسيط يخفف التوترات، فقد لعبت الولايات المتحدة دورا رئيسيا لتوقيع اتفاق مارس بين قسد ودمشق.
وبوصف قسد القوة البرية الأساسية في الحملة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، فإنها تواصل العمل عن كثب مع واشنطن في مجال مكافحة الإرهاب، ما يجعل من مصلحة الولايات المتحدة منع تعرضها لهجوم.
في عام 2019، فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى عقوبات على مسؤولين أتراك بسبب العمليات العسكرية التي نفذتها أنقرة في شمال سوريا.
“الحل العسكري لا يصب في مصلحة أي طرف، وحتى تركيا ستتضرر من التخلي عن مسار السلام الداخلي، والانغماس في تمرد مسلح على نحو ثلث الأراضي السورية، وخلق بيئة تسمح لقوى مثل إيران وإسرائيل باستغلال حالة عدم الاستقرار،” تقول بوديت.
“لذلك، من المرجح أن تعمل جميع الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة، على التوصل إلى حل دبلوماسي،” تضيف.
كذلك يعتقد كبير الباحثين الأمنيين في معهد “نيولاينز” الأميركي نيكولاس هيراس أنه “ورغم انعدام الثقة العميق بين الطرفين، فإن كليهما يمكن أن يستفيد من ترتيب عملي يؤجل مسألة إعادة الدمج الكامل لقوات سوريا الديمقراطية تحت سلطة الشرع إلى مرحلة لاحقة”.
ويضيف أن قوات سوريا الديمقراطية تدرك أن فريق الرئيس ترامب يرغب في أن تعمل مع الشرع باتجاه الاندماج، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدراتها القوية في مواجهة تنظيم داعش و”هذا الأمر يتطلب بقاء هيكل قيادة قسد الحالي”.
“فريق ترامب يريد تحقيق تقدم في هذا المسار، لكنه مستعد لقبول تقدم بطيء للغاية إذا كان ذلك يفضي إلى اتفاق مستدام بين حكومة الشرع وقوات سوريا الديمقراطية” يضيف هيراس لـ”الحرة”.

غسان تقي
صحفي متخصص في الشؤون العراقية، يعمل في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال MBN منذ عام 2015. عمل سنوات مع إذاعة "أوروبا الحرة" ومؤسسات إعلامية عراقية وعربية.


