“لم يقترف ابني أي جريمة، فقط هو ناشط سياسي يتحدث عن حقوق الشعب وقضاياه، لكن المحكمة حكمت عليه بالسجن 3 سنوات”، يقول والد الناشط السياسي، ياسين مجيد، لـ”الحرة”.
كان ياسين مجيد من ضمن الناشطين في احتجاجات تشرين التي شهدها العراق على مدى عام كامل انطلاقا من أكتوبر 2019، وبعد أن قمعها، ظل ياسين طيلة السنوات الماضية ناشطا في مجال الحريات المدنية.
“طوقت قوة كبيرة من مختلف الصنوف الأمنية منزلنا منتصف الليل، وداهمته واعتقلت ياسين، وبعد أسبوع من اعتقاله حكم عليه فورا، حاولنا إطلاق سراحه عبر قنوات عديدة، لكن دون جدوى،” يضيف والد ياسين.
حكم على ياسين في أكتوبر الماضي وفق المادة 226 من قانون العقوبات العراقي بالسجن 3 سنوات على خلفية شكوى من وزير الداخلية العراقية الذي اتهم ياسين بالإساءة الشخصية في فيديو نشر على وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم تنازل الوزير عن الشكوى في 5 ديسمبر الحالي “لدواع إنسانية”، لم يتم الإفراج عن ياسين.
“جاء التنازل بعد مرور 30 يوما على المدة المخصصة للطعن في القضية، لذلك من الممكن أن يكمل محكوميته، لدينا طريقة واحدة فقط للإفراج عنه وهي تقديم طلب تصحيح القرار التميزي، أي الطعن مجددا برفقة التنازل ونرى رأي المحكمة، فالقرار لها”، توضح نوال فجة محامية الدفاع عن ياسين لـ”الحرة”.
وتقول المحامية نوال إن تنازل الوزير عن الدعوة “جاء بعد أن أصبح الحكم باتا وصدر قرار محكمة التميز بتصديق العقوبة”.
والحكم البات في القانون العراقي، هو الحكم الذي استنفد كافة طرق الطعن القانونية ولا يمكن إعادة النظر فيه إلا في حالات ضيقة جدا.
لكن رغم ذلك، لم يفقد والد ياسين الامل بإطلاق سراح ابنه، ولا يزال ينتظر عودته إلى المنزل.
حالات أخرى
شهد العراق خلال العامين الماضيين عشرات من حالات الاعتقال، طالت مدونين، وصحفيين، وناشطين مثل ياسين، على خلفية تهم تتعلق بالتعبير عن الرأي.
مجتبى أحمد، ناشط مدني أصيب بشلل دائم في قدمه اليسرى، بعد إصابته بقنبلة دخانية في ساحة التحرير وسط بغداد خلال مشاركته في احتجاجات تشرين عام 2019.
يلفت مجتبى إلى أنه خلال السنوات الماضية التي أعقبت الاحتجاجات، تعرض منزله لمداهمات. ويضيف أن “جهات مسلحة” لم يسمها لدواع أمنية، اختطفته، ثم أطلقت سراحه بعد سبعة ساعات إثر جهود مضنية بذلتها عائلته.
ويشير مجتبى إلى تصاعد حالات سجن الناشطين في قضايا رأي منذ انتخابات مجالس المحافظات عام 2023.
“حقيقة نحن لا نعترض على القضاء العراقي، كونه البوابة الفاصلة بين السلم والدم، لكننا لا نجد مادة قانونية متعلقة بالتعامل مع التهم السياسية، وجميع المواد القانونية التي يعاقب بموجبها الناشطون والصحفيون هي مواد عامة ضمن قانون العقوبات المعدل لسنة 1969،” يقول مجتبى لـ”الحرة”.
ووثق المرصد العراقي للحقوق والحريات نحو 68 حالة اعتقال أو احتجاز لصحفيين وناشطين خلال الفترة الممتدة من يناير 2023 حتى ديسمبر 202، بسبب منشورات أو آراء، بينما بلغت حالات التهديد والمضايقة المباشرة التي تعرض لها الناشطون خلال الفترة ذاتها 142 حالة، وصل البعض منها إلى حد الابتزاز أو التهديد الجسدي.
وبلغت أعداد الملاحقات القانونية المسجلة، بحسب المرصد، نحو 93 ملف ملاحقة قانونية، افتُتحت على أساس مواد تتعلق بالإساءة وإثارة الفوضى التشهير عبر الإنترنت أو إهانة مؤسسات الدولة، الى جانب تسجيل 30 حادثة إغلاق وتقييد لصفحات إعلامية، برامج تلفزيونية، ومنصات محتوى رقمي.
“واقع الحريات في العراق يمر اليوم بأسوأ مراحله منذ عام 2003، رغم ان الدستور يضمن حرية التعبير، لكن التطبيق الفعلي يشهد انحدارا واضحا، إذ تحولت مواد في قانون العقوبات وقوانين هيئة الاتصالات إلى أدوات للتقييد بدلا من الحماية”، يقول مدير المرصد العراقي للحقوق والحريات، عادل الخزاعي، لـ”الحرة”.
ويشير الخزاعي الى أن المرصد سجل ارتفاعا بنسبة 40% في حالات التضييق والانتهاكات المتعلقة بحرية التعبير خلال العامين الماضيين، مقارنة بالسنوات ما قبل عام 2020، لافتا إلى أن هذا التضييق شمل الاعتقالات، والاستدعاءات الأمنية، والضغط على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
ووفق الخزاعي، هناك مليشيات مسلحة ومجموعات تابعة لعدد من الأحزاب تستخدم القانون سلاحا لقتل حرية الرأي والناشطين بدلا من السلاح، موضحا أن “هذه المليشيات والمجموعات لديها إمكانيات مالية وعلاقات قوية بالدولة تمكنها من رفع دعاوى وسجن كل من يعارضها فكريا او يختلف معها بالرأي”.
مخاوف من الدولة البوليسية
تثير القيود القانونية والملاحقات القضائية للناشطين مخاوف من العودة إلى نظام الدولة البوليسية الذي كان سائدا قبل التغيير في 2003.
ووجه كتاب صادر عن مدير مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى في 26 نوفمبر الماضي، رئاسة الادعاء العام، بتحريك الدعاوى بحق كل من يحرض أو يروج لإسقاط النظام السياسي أو المساس بشرعيته عبر وسائل الإعلام أو المنصات الإلكترونية.
ونص الكتاب، الموجه إلى مكتب رئيس الادعاء العام، على أن الدراسة القانونية المرفوعة بهذا الشأن حظيت بموافقة رئيس مجلس القضاء الأعلى، مؤكدا ضرورة ممارسة الصلاحيات المنصوص عليها في قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017، وذلك عبر تحريك الدعاوى الجزائية ضد كل من يثبت تورطه في التحريض أو الترويج لإسقاط النظام السياسي.
وأثار القرار الصادر عن مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وانتشرت نسخة منه على المواقع الإخبارية المحلية وتداولته العديد من صفحات التواصل الاجتماعية في 10 ديسمبر الحالي، ردود فعل دولية ومحلية.
ولعل أبرز رد عليه كانت تغريدة النائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي جو ويسلون، على منصة (X)، والتي قال فيها: “أصدر فائق زيدان، رئيس المجلس الأعلى للقضاء في العراق، أوامر بمقاضاة كل من (يقوّض شرعية) ما يُسمى بالنظام السياسي العراقي، أي كل من ينتقد عملاء إيران!”.
وأضاف ويلسون “من المحزن أن نرى العراق يعود إلى عقلية دولة بوليسية تعود إلى عهد حزب البعث، حيث يُلاحق غالبية مواطنيه لمجرد معارضتهم هيمنة إيران وعملائها!”، لافتا بالقول “لم ننسَ أمر اعتقال الرئيس ترامب بتهمة قتل الإرهابي الإيراني سليماني”، مختتما تغريدته بالقول “حرروا العراق من إيران!”
وعقب ما اثاره القرار من ردود فعل، أصدرت هيئة الإشراف القضائي في 11 ديسمبر الحالي قرارا وجهت بموجبه عقوبة توبيخ للقائم بمهام مدير مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى، لتنظيمه الكتاب الصادر في نوفمبر الماضي عن رئيس المجلس الأعلى للقضاء.
ونص كتاب الهيئة على أن التحقيق “أثبت أن مدير مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى هو الذي صاغ الكتاب بعبارات واجتهادات تخالف مطالعة رئيس هيئة الإشراف القضائي، ودون عرضها على رئيس المجلس، ما تسبب بسوء فهم لطبيعة موقف القضاء”، مؤكدة أن العبارات المستخدمة في الكتاب لا تتوافق مع توجهات رئيس المجلس.
ويلفت مدير المرصد العراقي للحقوق والحريات، عادل الخزاعي، إلى أن إصدار كتاب بهذا الحجم عن رئيس مجلس القضاء الأعلى، يُفسَّر عادة في الساحة كإشارة تسمح بتوسيع التحقيقات والملاحقات.
“خلال الأيام التي تلت إصدار القرار رصدنا 22 حالة استدعاء وتحقيق مرتبطة مباشرة بمنشورات رقمية، قبل أن تتباطأ الإجراءات بعد الضجة العامة التي وصلت إصدائها إلى الكونغرس الأميركي، ما أدى إلى أبطاله “، يتابع الخزاعي.
ويرى الخزاعي أن التوبيخ الصادر عن هيئة الإشراف القضائي لا يزيل الأثر الأولي للقرار، مشيرا إلى أن المشكلة ليست في النص فقط، بل في السابقة القضائية التي تسمح مستقبلاً باستخدام مفاهيم عامة وفضفاضة كأساس لتجريم الخطاب السياسي.
لكن أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ببغداد، عصام الفيلي، يعتقد أن توجيه عقوبة التوبيخ وبعد نشر القرار بأقل من 24 ساعة وذهاب الإشراف القضائي لمساءلة مدير مكتب رئيس مجلس القضاء، يعطي انطباعا أن هناك تأكيدا لترك هامش للمدونين والصحفيين كي يتحدثوا بحرية وينتقدوا في هذا الاتجاه.
“لكن لو طويت السجادة إلى الطبقة السياسية لذهبت إلى أكثر من هذا الموضوع، خاصة أن طبيعة القوى السياسية تعتبر أن كل تعبير عن الرأي يمس جوهر النظام، وبالتالي يشكل تهديد وما قد يساهم في تحفيز الشارع العراقي للخروج بمظاهرات، وهذا ما اعتقد تؤمن به الطبقة السياسية، لكن القضاء العراقي لا يريد أن يضيق على الحريات العامة، يضيف الفيلي لـ”الحرة”
وبحسب خبراء قانونيين ومراقبين تحدثوا لـ”الحرة”، تستخدم السلطات العراقية في الغالب المادة 226 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969المعدل، وتنص هذه المادة على “يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس أو الغرامة من أهان بإحدى طرق العلانية مجلس الامة، أو الحكومة أو المحاكم أو القوات المسلحة أو غير ذلك من الهيئات النظامية أو السلطات العامة أو المصالح أو الدوائر الرسمية أو شبه الرسمية.”
ويحذر الفيلي من إقبال بعض المحللين والناشطين المحسوبين على الجهات النافذة في الدولة، على اقتطاع جزء من الحوارات والترويج لها عبر وسائل الإعلام كمحاولة لقمع الاخر في هذا الاتجاه.
ويرى الفيلي ضرورة أن يكون هناك مسألة ومحاسبة لكل من يروج لموضوعات الطائفية ولفكرة الخيانة ولا وطنية بهذا الاتجاه، مضيفا “قد تكون هذه اتهامات جاهزة لكل من يختلف معهم في الرأي، وهنا المسألة كبيرة فإذا استمر الوضع على ما هو عليه، من الثابت والبديهي أننا سوف نتحول إلى دولة بوليسية قمعية بأدوات قذرة تسيطر عليها بعض الأطراف”.
مأزق الحريات في العراق
ويعتبر الخبير عصام الفيلي فضاء الحريات أحد أهم المشاكل التي يعاني منها العراق بعد عام 2003، مشيرا إلى أن الطبقة السياسية بمجملها لم تهضم مفهوم الحرية، موضحا أن “مجال حرية الرأي والتعبير بحاجة إلى تبني مفاهيم جديدة وقناعات لدى صانع القرار في العراق، سواء كان في السلطة التشريعية أو التنفيذية، بأن الصحافة هي السلطة الرابعة وهي مهمة جدا، كما أن هناك سلطة خامسة أكثر قوة، متمثلة بمواقع التواصل الاجتماعي التي من الصعوبة السيطرة عليها”.
والى جانب قانون العقوبات العراقي المستخدم حاليا في محاكمة الناشطين والصحفيين، يشكل مشروع قانوني “حرية الاجتماع والتظاهر السلمي” و”جرائم المعلوماتية” وعلى الرغم من عدم تمريرهما حتى الآن، مأزقا للحريات في العراق، ويثير المشروعان مخاوف الناشطين والصحفيين العراقيين، الذين يتوقعون أن يحاول مجلس النواب العراقي مجددا تمريرهما خلال دورته الجديدة، بعد أن اصطدم محاولته خلال الدورات السابقة بالرفض السياسي والشعبي.
وأعلنت لجنة حقوق الإنسان النيابية، مطلع أغسطس الماضي، عن سحب قانون حرية الاجتماع والتظاهر السلمي.
وقال رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية، أرشد الصالحي، في مؤتمر صحفي عقده في مجلس النواب، إن “المضي بتشريع هذا القانون، يتعارض مع مبادئ حرية التعبير، ويمس جوهر حرية التعبير والتظاهر، واشتراط الموافقات المسبقة للتظاهر، واستخدام عبارات مثل الإخلال بالنظام العام والآداب، الأمر الذي رفضته اللجنة بشكل قاطع”.
وأشار الصالحي الى أن لجنة حقوق الإنسان عملت على إعادة صياغة القانون بصورة تحفظ جوهر التظاهر السلمي وتمنع أي انتهاك قد يقع بحق المتظاهرين.
ووفق ناشطين وصحفيين محليين تحدثوا مع “الحرة”، يكمن الخشية من إقرار قانون “جرائم المعلوماتية” لما قد يترتب عليه من تكبيل حرية التعبير، من خلال تضمينه حكما مشددا بالحبس تصل إلى 10 سنوات وغرامات مالية كبيرة قد تطال صحفيين ومدونين يسعون إلى الكشف عن ملفات فساد وانتهاكات حقوق الإنسان.
وترى المحامية نوال فجة، التي اخذت على عاتقها الدفاع بشكل تطوعي عن الناشطين العراقيين المعتقلين منذ احتجاجات تشرين، أن أبرز القيود المفروضة على حرية التعبير هي قيود قديمة يعاني منها المجتمع الإعلامي والنشطاء منذ بداية التحول الديمقراطي في العراق.
“هذه القيود قانونية وتتمثل بتطبيق مواد في قانون العقوبات تقيد من حرية التعبير ولا تنسجم مع المبادئ الدولية للحقوق الحريات، إلى جانب إصدار هيئة الإعلام والاتصالات العديد من اللوائح التي تتنافى مع الحق في حرية التعبير وتحد منه وكذلك تخالف أو تعارض نصوص الدستور وتتنافى مع مبادئ الديمقراطية”.
وتوكد على أن العراق يشهد تضييقا واضحا لحرية التعبير عن الرأي غالبا ما تتماشى مع ما يصدر من لوائح وتوجيهات وتعليمات من هيئة الإعلام والاتصالات وغيرها من المؤسسات التي تحد أو تقيد حرية التعبير ولا تسمح بانتقاد السلطات.
وتعتقد المحامية نوال أن القيود التي يمكن أن تفرض مستقبلا تتمثل بسن قوانين تتعلق بحرية التعبير عن الرأي والتجمع والتظاهر وتكون شديدة أو غير منصفة للنشطاء والإعلاميين.
من جهته يصف رئيس مركز العراق لحقوق الانسان، علي العبادي، تعامل وسلوكيات بعض الأجهزة الحكومية والدوائر والقرارات الأحادية، تقويضا للديمقراطية، عبر فسح المجال امام القرارات الفردية للانقلاب على الحريات، خصوصا بعد عام 2003.
ويؤكد العبادي على أن الدستور العراقي كفل حرية الرأي والتعبير، لافتا الى وجوب أن تكون كل القوانين والقرارات متوافقة مع الدستور، ومع اللوائح الدولية، منها العهد الدولي وإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وتنص المادة 38 من الدستور العراقي على أن “تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب: أولاً: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل . ثانيا: حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر . ثالثا: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون.
“القرارات التي اتُخذت مؤخرا بالأخص القرار الصادر عن مجلس القضاء الأعلى والتعديل الذي حصل والاعتذار، إضافة إلى القرارات الحكومية كلها تناقض مبادئ حقوق الإنسان”، يقول العبادي لـ”الحرة”.
ويدعو العبادي البرلمان الجديد والحكومة العراقية المرتقبة الى التأكيد على أن يتضمن البرنامج الحكومي احترام حرية الرأي والتعبير، وترسيخ مضامين الديمقراطية.



