الشرق الأوسط الجديد: بعد الحرب.. قبل نهاية الصراع

ليلى بزي's avatar

قبيل مغادرتي منزلي في فيرجينيا لقضاء عطلة الأعياد في بيروت، طرح عليّ أحد الزملاء سؤالاً، مردداً عبارة رونالد ريغان القديمة من عام 1980: أليس لبنان اليوم أفضل حالاً مما كان عليه في بداية العام؟

كان جوابي فوريا – لكن غير مكتمل. “نعم،” قلت. و”لا،” أضفت.

هذا التردد ينطبق، إلى حدّ كبير، على وضع الشرق الأوسط بأسره في عام 2025. فالمسألة ليست مجرد معضلة تحليلية، بل هي معضلة وجودية مُعاشة.

على مدى العام الماضي، وكصحفيين في شبكة (MBN)، تابعنا تحولات كبرى في منطقتنا لحظة بلحظة: حروب تتباطأ من دون أن تنتهي فعلياً، موازين قوى تميل من دون أن تستقر تماماً، واختراقات دبلوماسية تصطدم بصلابة الوقائع على الأرض. ومن خلال تغطيتنا من واشنطن وبيروت وعبر المنطقة، عشنا لحظات لم نشعر فيها بأننا منفصلون تماماً عن الأحداث. في بعض الأحيان، شعرنا وكأننا نوثّق التاريخ؛ وفي أحيان أخرى، شعرنا وكأننا نتحرك في داخله.

المنطقة اليوم ليست مستقرة، كما أنها ليست منهارة. بدلاً من ذلك، هي تخضع لعملية إعادة ترتيب مُدارة، تتشكل أقل عبر تسويات تفاوضية وأكثر عبر إعادة اصطفاف للقوى.

منطق المشرق

يمثل وقف إطلاق النار في غزة مثالا واضحا. فقد تم التوصل إليه بوساطة أميركية، ونجح في وقف القتال واسع النطاق وتأمين إطلاق سراح رهائن. ومن منظور السياسات، حقق ذلك الأهداف الفورية لواشنطن: منع توسع التصعيد إقليميا، تثبيت البيئة الأمنية لإسرائيل، وإنهاء صداع سياسي. لكن ما لم يفعله هو معالجة فراغ السلطة في غزة، أو توضيح سلطة ما بعد الحرب، أو إرساء مسار موثوق لتجديد الحياة السياسية الفلسطينية. لقد جُمِّد النزاع في صيغة جديدة بدل أن يُحل.

البيئة الأمنية لإسرائيل تعكس المفارقة نفسها. فقد انتهى فعليا العمل العسكري واسع النطاق على جبهتي غزة ولبنان. وما تلا ذلك لم يكن سلاما، بل خفضا في الحدة. وبالمقارنة مع العامين الماضيين، لم تعد إسرائيل تعمل تحت وطأة شعور بتهديد وجودي فوري. ورغم استمرار التحديات الأمنية، فإن إسرائيل تمسك حالياً بزمام التفوق العسكري، ما خفف قلق الجمهور ودفع القضايا الأمنية إلى خارج الحياة اليومية والنقاش العام المستمر.

عملت واشنطن بنشاط لمنع تجدد التصعيد، وأرسلت إشارات واضحة بأن العودة إلى حرب شاملة لن تكون مقبولة. ومع انحسار التوتر، بدأت الأوضاع الاقتصادية داخل إسرائيل تستقر. الاقتصاد لا يشهد ازدهارا، لكنه يتعافى، مدعوما بصفقات تجارية ودفاعية كبرى وبنمو صادرات السلاح.

لكن، كما وثّقنا مرارا خلال العام الماضي، فإن المكاسب الأمنية الخارجية لم تُترجم إلى استقرار سياسي داخلي. فإسرائيل تعيش حالة استقطاب. وأشد المخاوف اليوم لا تتعلق بالحرب، بل بالحكم: تآكل المؤسسات، والضغوط على القضاء، وتسييس الجهاز الإداري، والفساد. قد تكون الحرب قد انتهت، لكن المحاسبة الداخلية لم تبدأ بعد.

يعكس لبنان منطقاً مشابهاً من الاستقرار الجزئي من دون حل بنيوي. فبعد سنوات من الشلل المؤسسي، استعاد البلد في عام 2025 حدا أدنى من فاعلية مؤسسات الدولة. وجلب انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة بعض الاستقرار السياسي. والأهم من ذلك، وضع الضغط الغربي على الطاولة أمراً كان خيالياً لفترة طويلة: نزع سلاح حزب الله.

من منظور واشنطن، يُعد ذلك تقدما تدريجيا. فالولايات المتحدة دفعت بهدوء نحو خفض التصعيد على الحدود الجنوبية، وقلّصت مخاطر تجدّد الصراع بين إسرائيل وحزب الله، وبحثت في أطر قد تفضي مستقبلا إلى ترتيب أمني بين لبنان وإسرائيل. غير أن أساسيات الوضع اللبناني لا تزال على حالها: اقتصاد منهك، وغياب للسيطرة على أمنه الذاتي، وإصلاحات معلّقة على إرادة سياسية لا تزال عصيّة على التنفيذ. حزب الله لن يتخلى عن سلاحه في أي وقت قريب. لم يعد لبنان في حالة سقوط حر، لكنه ليس على مسار للتعافي.

تشكل سوريا انحرافا أكثر حدة. فبعد نهاية عهد الأسد العام الماضي، أسست الولايات المتحدة اتصالات دبلوماسية وتحركت لرفع العقوبات. يعكس ذلك قناعة واشنطن بأن الإقصاء أصبح غير مجدٍ استراتيجياً، وأن الرئيس الجديد أحمد الشرع رجل يمكنها التعامل معه. ومع ذلك، فإن إعادة الانخراط هذه مشروطة ونفعية، تركز على مكافحة الإرهاب، واستقرار اللاجئين، ومنع تجدد العنف واسع النطاق. لكن المرحلة الانتقالية لا تزال هشة. المؤسسات ضحلة، والسلطة مجزأة، ومخاطر الصراع الداخلي لم تُحسم. سوريا في مرحلة ما بعد الحرب، لكن ليس ما بعد الصراع.

طهران، المردوعة

التحول الأهم في عام 2025 جاء مع إيران. تدخل إيران العام الجديد وهي أضعف مادياً وأكثر انكشافاً استراتيجياً. يعمل النظام من الموقع الأكثر ضعفاً له منذ عقود. ونتيجة للحرب التي أشعلها هجوم حماس على إسرائيل قبل عامين، شهدت طهران تفكك شبكة وكلائها إلى حد كبير – وهي الشبكة التي امتدت من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن وجعلت من إيران قوة إقليمية مرهوبة الجانب. أدى سقوط نظام الأسد إلى تعطيل ممر التموين الإيراني لحزب الله، في حين أدى الضغط العسكري المستمر إلى تآكل قدرات حزب الله وتصدع حماس. هذه الانتكاسات قلّصت بشكل حاد قدرة طهران على بسط نفوذها عبر الميليشيات الإقليمية.

وبالأهمية نفسها، جرى تقليص البرنامج النووي الإيراني – الذي طالما عُدّ أزمة وشيكة – بالقوة، من خلال عمل منسق بين إسرائيل والولايات المتحدة. فقد استُهدفت منشآت، وعُطّلت جداولها الزمنية، وأُدير التصعيد بإحكام وفق الشروط التي وضعتها واشنطن والقدس. وقد عكس الرد الإيراني المتحفظ حالة تقييد، لا صبرا استراتيجيا. نجا النظام، لكن مصداقية قدرته على الردع لم تنجُ.

بالنسبة لصنّاع القرار الأميركيين، يمثل ذلك نجاحا ذا دلالة، وإن كان غير مكتمل. فقد جرى إضعاف إيران من دون إشعال حرب إقليمية. لكن عام 2025 لم ينتج حلاً دائماً للمشكلة الإيرانية.

طوال هذا العام، استجابت دول الخليج ببراغماتية. تجنبوا الانجرار إلى الصراع، بينما تقرّبوا من الولايات المتحدة. وأسفر هذا الانفتاح المتجدد تجاه واشنطن عن تعاون أمني أعمق، وتنسيق دفاعي متسارع، وتوافق سياسي أوثق. هذه الدول لا تتبنى رؤية عالمية جديدة بقدر ما تدير المخاطر.

وفي أماكن أخرى، يواصل اليمن تشرذمه، منتقلا من حالة جمود إلى حالة تفكك. وانزلق السودان إلى كارثة إنسانية تتجاوز إلى حد بعيد قدرة – أو رغبة – أي طرف في التدخل.

فهل أصبح الشرق الأوسط أفضل حالا الآن مما كان عليه قبل عام؟ إذا كان المعيار هو تراجع عدد الحروب النشطة وأن خطر اندلاع صراع ساخن كبير آخر قد انخفض، فالإجابة هي نعم بوضوح. وإذا كان المعيار هو ما إذا كانت المنطقة تشهد الآن تسويات سياسية مستدامة للصراعات الكبرى، وتجذراً لمؤسسات سيادية قوية، وآفاقاً واقعية لحكم شرعي ورشيد، فالإجابة هي لا.

وبالنسبة لنا، أعني الصحفيين الذين أمضوا العام في تغطية هذه التحولات يوما بيوم، تبدو الإجابة على سؤال “هل أنت أفضل حالا” أقل نظرية وأكثر شخصية. نعم. ولا.

ليلى بزي

ليلى بزي هي رئيسة التحرير في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال حيث تقود العمل الصحفي والتحريري والإبداعي لقناة الحرة ومنتجاتها الرديفة.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading