تحريك الجبهة الخفية في الصراع السعودي – الإماراتي

مع كل أزمة سياسية خليجية، يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مواجهة موازية للصراع السياسي.

يتصلّب الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي سريعا ليتجاوز حدود النقد السياسي إلى المجتمعات والحكومات، في ما يبدو أحيانا جهدا منسقا لإعادة تعريف “الآخر” من شريك تاريخي إلى خصم آني.

هذا التقلّب الحاد في الخطاب الرقمي يكشف عن جهد منسق وآليات تأثير وتوجيه كامنة، ويطرح أسئلة حول الجهات التي تغذّي هذا الخطاب وتتحكم بإيقاعه.

الذباب الإلكتروني

بدأ التداول الواسع لمصطلح “الذباب الإلكتروني” في الفضاء الإعلامي والسياسي الخليجي مع تفجر أزمة المقاطعة القطرية عام 2017 حين انتقل من توصيف إعلامي محدود إلى مفهوم تحليلي مركزي استخدم لتفسير أنماط التصعيد الرقمي المصاحب لتلك الأزمة. فقد ارتبط المصطلح مباشرة بالمرحلة التي فرضت فيها السعودية والإمارات ومصر والبحرين مقاطعة سياسية واقتصادية على دولة قطر في الخامس من يونيو من العام ذاته، معبرا عن تحول نوعي في أدوات إدارة الخلافات من القنوات الدبلوماسية والإعلامية التقليدية إلى ساحات التأثير الشعبي المفتوح في الفضاء الإلكتروني.

ومع تجدد التوترات الإقليمية عاد الذباب الإلكتروني ليتصدر مشهد الصراع الرقمي في الأزمة الراهنة بين السعودية والإمارات، حيث برز تبادل علني للاتهامات بين مستخدمين من الجانبين حول الجهات التي تقف خلف هذه الحملات الرقمية.

نسبت حسابات إماراتية إدارة هذا النشاط إلى “مركز العالمي لمكافحة التطرف” السعودي “اعتدال، في المقابل وجهت حسابات سعودية اتهامات مباشرة لشخصيات إماراتية بتولي إدارة حملات رقمية مماثلة.

وتكشف هذه السجالات الرقمية المتبادلة عن تحول بنيوي في طبيعة إدارة الأزمات الخليجية حيث لم تعد أدوات الصراع محصورة في دوائر القرار السياسي أو الخطاب الإعلامي الرسمي، بل امتدت إلى المجال الشعبي الرقمي بما يعكس تصعيدا في توظيف أدوات التأثير غير المباشر، ويثير تساؤلات جدية حول انعكاساته على التماسك الاجتماعي الخليجي ومستقبل الثقة بين مكوناته. 

سجالات النخب

لم يعد الاستقطاب الحاد المصاحب للأزمات الخليجية ظاهرة مقتصرة على نشاط الحسابات المجهولة أو ما يعرف بالذباب الإلكتروني بل اتسع نطاقه ليشمل نخب سياسية وثقافية وإعلامية ذات ثقل رمزي تحولت تدريجيا إلى أطراف فاعلة في إنتاج الخطاب التصعيدي وإعادة توجيه الرأي العام ، ويعكس هذا التحول انتقال الأزمات من كونها خلافات سياسية قابلة للاحتواء إلى صراعات رمزية مفتوحة، يستدعى فيها التاريخ والهوية والرموز وتدار عبر الفضاء الرقمي بوصفه ساحة مواجهة موازية.

في هذا الأطار  برز تدخل عضو مجلس النواب اللبناني السابق والرمز الدرزي “وليد جنبلاط” الذي وجه اتهاما لـ”دولة عربية تقيم علاقات مع إسرائيل” بالرغبة في تطويق المملكة العربية. ورغم أن الطرح جاء بصيغة تلميحية إلا أن مضمونه السياسي كان كافيا لإشعال موجة من الردود الغاضبة، أبرزها من الأكاديمي الإماراتي الدكتور “عبدالخالق عبدالله”  الذي هاجم جنبلاط ونعته بالـ”غباء”.

ولم يكن هذا السجال معزولا إذ أعادت تدوينة الإعلامي “عمرو أديب” إنتاج حالة استقطاب مشابهة حيث قال إن السعودية اضطرت على المواجهة “عندما تجاوزم الأمر خطوط الأمن السعودي”.

وكتب الإعلامي السعودي، داوود الشريان، تغريدة  اتهم فيها المجلس الانتقالي اليمني بخوض صراع “بالوكالة. وقد فسرت هذه التغريدة على نطاق واسع باعتبارها اتهاما مبطنا لدور إماراتي غير مباشر، في حين كتب الدكتور، عبدالخالق عبدالله، “التوترات التي تندلع بين دول الخليج العربي أحيانا تعود إلى عقدة الأخ الأكب. وهو طرح فسر على أنه موجه إلى السعودية، ما استدعى ردا مباشرا من داوود الشريان بقوله: “السعودية تتحرك وفق مكانتها السياسية والدينية وعمقها الجغرافي”.

بين الخطاب الإعلامي والسياسات الرسمية

وفي سياق التحذير من خطورة الخلط بين الخطاب الإعلامي والسياسات الرسمية للدول خلال فترات الأزمات، يلفت الكاتب والباحث السياسي الدكتور، هادي بن عايض، إلى أن هذا الخلط لم يعد ظاهرة عابرة بل أصبح سمة بنيوية من سمات المشهد الإعلامي المعاصر في ظل الانفتاح غير المسبوق للفضاء الرقمي وتراجع احتكار وسائل الإعلام التقليدية لصناعة الخطاب العام، فمع صعود منصات التواصل الاجتماعي لم يعد التعبير عن الرأي مقصورا على المؤسسات الإعلامية أو الخبراء، بل بات المجال مفتوحا أمام خليط واسع من المتخصصين وغير المتخصصين، تتداخل فيه المعرفة المنهجية مع الانطباعات العاطفية والقراءات السطحية للأحداث.

ويؤكد بن عايض أن الإشكال الجوهري لا يكمن في الانتقال من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الرقمي بقدر ما يتمثل في تآكل الفاصل بين الرأي القائم على الخبرة والتحليل والرأي العشوائي الذي يفتقر إلى الأدوات المعرفية، ومع ذلك يحظى أحيانا بانتشار وتأثير يفوق الخطاب الرصين، وفي هذا التوجه تتضاعف خطورة هذا الخلط عندما يُنظر إلى الخطاب الإعلامي، أو حتى آراء الأفراد والشخصيات العامة بوصفها انعكاسا مباشرا للسياسات الرسمية للدول.

أما في ما يتعلق بدور الإعلام الخليجي في الأزمات، فيشير إلى أن الحياد الإعلامي يظل مفهوما نسبيا تحكمه المرجعيات السياسية والخطوط التحريرية لكل وسيلة إعلامية، ومن ثم فإن الإعلام لا يكتفي بنقل الوقائع بل يشارك في تأطيرها عبر التحليل واختيار الزوايا، وانتقاء الضيوف، بما قد يسهم في توجيه الرأي العام أو تعميق نقاط الخلاف خلال فترات التوتر.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2025

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading