يثير مبنى في منطقة لورتون، بولاية فرجينيا الأميركية، اهتمام المارة بشكله الفريد من نوعه، إذ يمتزج فيه التاريخ بروح الحداثة، عمق التراث ومظاهر المرافق العصرية.
هذا المجمع، المعروف باسم “ليبرتي كريست”، يمتد على مساحة شاسعة تبلغ 2400 فدان، ويضم شققا ومنازل، إضافة إلى متاجر ومتحف فني.
لكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذا المجمع السكني المتطور كان في الأصل سجنا قديما بُني عام 1910، ويحمل اسم “ليبرتي” أي حرية.
اشتهر المبنى تاريخيا بأنه كان سجنا لعشرات النساء المطالبات بحق المرأة في التصويت، اللواتي عانين ظروفا قاسية وعنيفة عقب اعتصامهن الشهير أمام البيت الأبيض.
مع مرور الوقت، تحوّل السجن إلى منشأة لإيواء جميع فئات الجرائم، وهو ما يؤكده أحد حراس السجن في مقابلة أرشيفية على موقع المجمع. ويشيرالحارس إلى أن السجن كان مزدحما بشكل كبير، واستضاف آلاف السجناء، من مرتكبي الجنح الصغيرة والكبيرة، وحتى أخطر المجرمين.
وكان السجن يضم كذلك مزرعة وورش عمل، مثل أشغال المعادن والنجارة، لتعليم السجناء تلك الحرف.
أُغلق السجن في عام 2001، وبعد عام فقط، اشترت مقاطعة فيرفاكس في فرجينيا العقار مقابل 4.2 مليون دولار، وأعادت تطويره إلى مجمع سكني حديث، يضم حديقة وملعب غولف وثلاث مدارس ومركزا فنيا ضخما.
يحتفظ الموقع اليوم ببعض اللافتات الأصلية للسجن، ويضم متحفا يوثق تاريخه، ويحمل المتحف اسم الناشطة الشهيرة في مجال حق التصويت للمرأة، لوسي بيرنز، التي كانت من بين المعتقلات في لورتون.
يعرض المتحف تقنيات الزراعة التي استخدمها السجناء الأوائل، وأسلحة يدوية الصنع تعود لتلك الحقبة.
يحتوي المجمع حاليا على 165 شقة مستأجرة بنسبة 98%، بالإضافة إلى 157 منزلا جماعيا و24 منزلا فرديا، بجانب مساحات تجارية واسعة.
وتلبية لرغبة السكان المحليين في الإسكان المختلط الدخل، حرص المطورون على تخصيص نحو ربع الوحدات للأشخاص الذين يبلغ دخلهم حوالي 50% من متوسط دخل المنطقة.
وفي مقابلة مع قناة “الحرة”، تؤكد إيمان غوبران، وهي خبيرة في مجال العقارات، أن لديها العديد من العملاء الراغبين في السكن داخل هذا المجمع رغم الأسعار المرتفعة قليلا مقارنة بالمباني المجاورة القديمة.
وتوضح غوبران: “فلمجرد أنه كان سجنًا، لن تنخفض الأسعار”، مشيرةً إلى أن السكان في فرجينيا ليس لديهم أي تحفظ على السكن هناك بسبب تاريخه السابق، بل على العكس، فإن “نقص المنازل وحداثة المبنى وجماله” تعزز إقبالهم.
“فلمجرد أنه كان سجنًا، لن تنخفض الأسعار” وتؤكد أن العملاء في فرجينيا ليس لديهم أي مشكلة في السكن في المبنى، رغم تاريخه السابق، “نظرا لنقص المنازل، وحداثة المبنى وجماله،” وتضيف.
يُعتبر مجمع “ليبرتي كريست” جزءا من ظاهرة أوسع، حيث تم تحويل ما يقارب 200 سجن في الولايات المتحدة إلى مجمعات سكنية، في الفترة ما بين 2000 إلى 2022، بسبب تراجع معدلات الجريمة.
هذا ما يؤكده دانيال ناغان، أستاذ السياسات العامة والإحصاء في جامعة كارنيغي ميلون في مقابلة مع “الحرة”.
“معدلات الجريمة أصبحت اليوم أقل بكثير مما كانت عليه في التسعينيات، فالغرض من الحبس تحديدًا هو منع الجريمة، وهذا يتم عن طريق ردع الناس عن ارتكابها من البداية، وهو الأمر الأكثر استحسانا، فإذا لم تُرتكب الجريمة، فإننا نتجنب تكلفة الجريمة والعقاب”.
شهدت الولايات المتحدة طفرة في بناء السجون بين عامي 1970 و2000، تجاوزت الألف منشأة. ومع حلول عام 2010، بدأت أعداد السجناء تتناقص نتيجة الإصلاحات القانونية وتغيير سياسات التعامل مع جرائم المخدرات.
ويشير الخبير القانوني جون سيمون، في حديث مع “الحرة”، إلى تغيرات جوهرية في فلسفة العقاب في أميركا، حيث كانت السجون في الماضي أماكن لإصلاح الأفراد أخلاقيا واجتماعيا، بينما أصبحت اليوم تُعبّر عن نطاق أوسع من العقوبات، تشمل “القصاص العادل” بما يتناسب مع مستوى الجريمة.
بحسب المركز الدولي لدراسات السجون، يتجاوز عدد المسجونين عالميا 10.2 مليون شخص، تحتل الولايات المتحدة الصدارة في عدد السجناء، بينما تتصدر المغرب ومصر والجزائر ترتيب الدول العربية.
وفي حين تتحدث أوروبا عن سجون فاخرة، فإن دول العالم العربي تعاني من الاكتظاظ وسوء المعاملة، مع توجه بعض الدول، مثل الإمارات والبحرين والمغرب ولبنان، نحو العقوبات البديلة، مثل الخدمة المجتمعية أو برامج التأهيل.
يوضح سيمون أن هذه العقوبات البديلة لا تعني الإفلات من العقاب، وتُستخدم عادة للجرائم الأقل خطورة، مما يضمن بقاء الفرد في المجتمع دون تشكيل خطر عليه، ويحقق هدفين رئيسيين: إعادة تأهيل المحكومين وتخفيف اكتظاظ السجون.


