المرشح الأبرز لخلافة خامنئي.. مجتبى قد يكسر قاعدة اللا -توريث والرتبة الدينية

مجتبى خامنئي

يبرز اسم مجتبى حسيني خامنئي بقوة كمرشح لخلافة والده، علي خامنئي، في منصب المرشد الأعلى في إيران، وهو أعلى منصب ديني وسياسي في البلاد

وتشير مصادر مطلعة لـ”الحرة” إلى أن هذا المنصب سيكون لفترة مرحلية، بعدها تلغى فكرة المرشد الأعلى من أساسها في النظام على أن يتولى الحرس الثوري إدارة البلاد في مرحلة لاحقة.  

يأتي بروز اسم مجتبى رغم أنه لا يملك الرتبة الدينية التقليدية (آية الله) التي يتوجب أن تتوفر في المرشد عادة، أو رتبة الاجتهاد، بالإضافة لرفض النظام نفسه في الأصل فكرة التوريث السياسي في المناصب العليا.  

بحسب بعض الأوساط المعارضة الإيرانية، يرتبط اسم مجتبى خامنئي منذ سنوات في التحليلات السياسية بوصفه أحد أبرز الشخصيات نفوذا في كواليس ما يُعرف بـ “بيت القيادة” في إيران. ورغم عدم شغله أي منصب رسمي، تُصوّره تقارير عديدة حلقة وصل أساسية بين مراكز القوة الأمنية والعسكرية والسياسية، و”مدير غير معلن” لجزء من آليات اتخاذ القرار، خصوصا في القضايا الحساسة وإدارة الأزمات. 

يضيف المصدر لـ”الحرة” أن “بيت القيادة” يعمل كهيكل مواز يتجاوز المؤسسات الرسمية، ويضم شبكة من المكاتب والدوائر المرتبطة مباشرة بالمرشد. داخل هذا الإطار، يُنسب إلى مجتبى خامنئي دور تنسيقي بين الأجهزة الأمنية، خصوصا الحرس الثوري، ومكتب المرشد. ويُقال إنه لعب دورا في إدارة ملفات سياسية داخلية، بما في ذلك فترات الاضطرابات والاحتجاجات. 

وتذهب بعض الروايات إلى أنه مع مرور الوقت، خاصة منذ منتصف العقد الأول من الألفية، تعزّز نفوذه داخل المكتب، وأصبح له تأثير مباشر في توجيه القرارات ونقل المعلومات، عبر شبكة من الشخصيات المقربة داخل الدائرة الضيقة للقيادة. 

من هو مجتبى خامنئي؟  

وُلد مجتبى في 8 سبتمبر عام 1969 في مدينة مشهد، المركز الديني المهم للشيعة الإثني عشرية في إيران. وهو الابن الثاني للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي من زوجته منصورة خجسته باقرزاده

اسمُه مجتبى بالعربية يعني المختار أو المنتقى، ويحمل دلالة كبيرة في الفقه الشيعي، إذ يُنسب هذا اللقب تاريخيا إلى الإمام الحسن بن علي، الإمام الثاني في التسلسل الشيعي، ما يعطيه رمزية روحانية متصلة بقيم “القيادة والاختيار الإلهي”، يستخدمها  أنصار بعض التيارات داخل النظام لتعزيز صورة الرجل. 

لدى مجتبى خامنئي عدة إخوان من الذكور، مصطفى (الابن الأكبر لخامنئي، من مواليد ستينيات القرن الماضي) إضافة إلى مسعود ومصطفى (المعروف أيضاً بـ”مصطفى الثاني” في بعض المصادر) وميثم. ويُعدّ مجتبى الابن الثاني بين الذكور.

وفق العديد من الروايات، فإن توزيع الأدوار داخل العائلة كان واضحا، حيث تولّى بعض الأبناء ملفات اقتصادية أو اجتماعية، في حين برز مجتبى بشكل خاص في المجالات الأمنية والسياسية والدینية داخل “بيت القيادة”. ويُشار في التحليلات إلى أن قربه المباشر من مراكز القرار، وعلاقاته الوثيقة مع الأجهزة الأمنية، إضافة إلى حضوره المبكر داخل مكتب المرشد، كانت من أبرز العوامل التي جعلته يُطرح كخيار محتمل في نقاشات الخلافة مقارنة ببقية إخوته.

تلقى مجتبى تعليمه المبكر في طهران ومشهد، ثم انضم إلى الحرس الثوري الإيراني (IRGC) في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. خدم في كتيبة حبيب التابعة للحرس خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، وهي تجربة أكسبته علاقات طويلة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وأسهمت في تشكيل نفوذه لاحقًا داخل النظام 

بحسب مصادر مطلعة، كانت الخدمة في كتيبة “حبيب” ذات أهمية كبيرة لمجتبي، العديد من الذين قاتلوا إلى جانبه ترقوا لاحقا إلى مناصب عليا في جهاز الأمن والاستخبارات الإيراني، بما في ذلك شخصيات قادت لاحقا أجزاء من تنظيم استخبارات الحرس الثوري والقيادات الأمنية المسؤولة عن حماية النظام.

بعد الحرب، واصل دراسة العلوم الدينية في الحوزة العلمية في قم حيث درس الفقه الإسلامي وحصل على رتبة “حجة الإسلام”، وهي درجة أقل من الرتبة المتوقعة للمرشد الأعلى.  

يشير محللون إلى أن مجتبى خامنئي بنى نفوذه تدريجيا داخل المؤسسات السياسية والأمنية والإدارية للنظام الإيراني. 

ويقول المحامي الإيراني، حسين رئيسي، إن مجتبى لطالما كان شخصية مركزية، رغم غموض دوره داخل هيكل السلطة في طهران. 

ويضيف أن “مجتبى خامنئي عمل لفترة طويلة خلف الكواليس، وأقام علاقات متينة مع الحرس الثوري الإسلامي، وعزز نفوذه داخل مؤسسات النظام. ويُنظر إليه على نطاق واسع كأحد مهندسي سياسات القمع في إيران“. 

على الرغم من عدم إشغاله منصبا رسميا بارزا، يضيف رئيسي، ارتبط اسم مجتبى بعدة مشروعات سياسية مثيرة للجدل خلال العقود الماضية، إذ كانت له أدوار خلف الكواليس في الانتخابات الرئاسية، في دعم مرشّحين محافظين، أبرزهم محمود أحمدي نجاد، وخاصة في انتخابات عام 2005 و2009، حيث اتهمه خصومه بالتأثير في النتائج، ما أدى إلى احتجاجات واسعة 

ويُتهم مجتبى خامنئي في قمع احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009 والاحتجاجات في 2022 التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة، وقد كان اسمه هدفا لانتقادات متصاعدة من المحتجين والمعارضين، الذين رأوا في سياساته ومنهجيّته جزءا من قمع الحريات باستخدام الباسيج والأجهزة الأمنية. 

إلى جانب البعد السياسي، برز في الفترة الأخيرة ملف يتعلق بثروة مزعومة وشبكات استثمار خارجية. ومن أبرز ما أُشير إليه تحقيق إعلامي نُسب إلى وكالة “بلومبرغ”، تحدث عن وجود شبكة من الشركات والواجهات الاستثمارية المرتبطة بشكل غير مباشر بمقربين من مجتبى خامنئي، تشمل عقارات واستثمارات في مدن مثل لندن ودبي. ومع ذلك، تبقى هذه المعطيات ضمن إطار تحقيقات وتقارير إعلامية، ولم تُحسم قضائيا بشكل نهائي. 

يعرف مجتبى بمواقفه الصارمة والمحافظة، حيث يعارض أي شكل من الانفتاح مع الولايات المتحدة وأوروبا، ويرفض الحركات الإصلاحية التي تسعى لتخفيف القيود على المجتمع أو التعاون مع القوى الغربية. تتوافق هذه المواقف مع توجهات التيار المحافظ في النظام، وتنعكس في خطاباته وتحركاته داخل أجهزة الدولة.  

ويضيف رئيسي أنه رغم كون مجتبى لا يحمل رتبة رسمية، يُعتقد أنه كان مستشارا مؤثرا في قرارات علي خامنئي المتعلقة بالحرس الثوري، السياسة الداخلية، والأمن، وتوجيه الانتخابات ودعم تيارات المحافظين داخل إيران. 

عام 2019  فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مجتبى خامنئي، مشيرة إلى أنه يمثل المرشد الأعلى في نطاق نفوذ رسمي واسع رغم عدم انتخابه أو تعيينه في منصب حكومي، وأنه ساهم في سياسات قمعية وتعزيز أجندة المحافظين المتشددة داخليا وإقليميا 

تزوج مجتبى عام 2004 من زهراء حداد عادل، ابنة السياسي المحافظ غلام علي حداد عادل، الذي شغل منصب رئيس البرلمان الإيراني سابقا، مما عزّز تحالفه مع الأجنحة المحافظة داخل المؤسسة.  

للزوجين ثلاثة أبناء، ولِد أولهم عام 2007، لكن تفاصيل كثيرة في حياتهم الشخصية تبقى سرية نسبيا ولا تُكشف كثيرا في الإعلام الرسمي.  

مع مقتل علي خامنئي في ضربة أميركية إسرائيلية استهدفت مقر إقامته في طهران، السبت، بات اسم مجتبى يتردد بقوة كأحد المرشحين الأبرز لخلافته في منصب المرشد الأعلى، وهو ما يثير نقاشا حادا داخل النظام نفسه، لأن النظام الإسلامي في إيران رفض منذ تأسيسه التوريث السياسي التقليدي، وكان يعتمد بدلًا من ذلك على هيئة من الخبراء لاختيار المرشد. لكن علاقات مجتبى العميقة مع الحرس الثوري ومراكز القوى الأمنية جعلت موقفه قويا خلف الكواليس قبيل الإعلان الرسمي. 

ويقول الباحث في الشأن الإيراني، أندرس ألفيس، إن اسمه طُرح مرارا في نقاشات الخلافة، لكن كانت هناك عقبتان أساسيتان: مرتبته الدينية المتواضعة نسبيا، ورفض الجمهورية الإسلامية المعلن منذ عقود لفكرة التوريث السياسي.  وبحسب ألفيس، فإن هذا الأمر جعل احتمالات اختياره تبدو ضعيفة لفترة طويلة، بسبب المخاوف من قيام حكم عائلي داخل النظام، إضافة إلى عدم امتلاكه مؤهلات دينية بمستوى ”المرجع”.

وكان كثير من المراقبين يتوقعون أن يقع الاختيار على فقيه أكثر رسوخا مثل غلام حسين محسن أرجي أو علي لاريجاني، أو حتى حسن الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، أو ربما اعتماد صيغة قيادة جماعية داخل النظام.  

لكن التحولات السياسية والأمنية التي تمر بها إيران دفعت بعض دوائر السلطة إلى إعادة النظر في هذه الحسابات.  

ويشير ألفيس إلى أن أجواء الحرب والضغوط الخارجية والفراغ القيادي المحتمل دفعت مجلس القيادة والنخب الأمنية إلى التوجه نحو شخصية تمثل ”الاستمرارية”، وتتمتع بثقة عميقة لدى الحرس الثوري، وتكون مندمجة بالفعل داخل بنية النظام.  

وبحسب هذا التحليل، فإن طرح اسم مجتبى خامنئي في هذا التوقيت يعود إلى أنه يوفر للتيار المتشدد داخل النظام شخصية موالية قادرة على حماية الدولة الأمنية في لحظة تشهد ضغوطا خارجية حادة وأزمة داخلية، مستفيدا من علاقاته القوية مع أجهزة الاستخبارات في الحرس الثوري ومع الأوساط الدينية المحافظة.  

على عكس كثير من الشخصيات السياسية الإيرانية، يحرص مجتبى خامنئي على البقاء بعيدا عن الإعلام والظهور العلني. فظهوره العام نادر، وغالباً ما يُنظر إليه داخل الأوساط السياسية الإيرانية باعتباره ”رجل الظل” الذي يمارس تأثيره من خلف الكواليس.  

بين دعمه للسياسات المتشددة، ومواقفه العلنية ضد الغرب، ودوره المثير للجدل في الانتخابات ومواجهة الاحتجاجات، وبروز اسمه في لحظة انتقال السلطة، يظل مجتبى خامنئي شخصية محورية في مستقبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية.  

رغم نقص الرتبة الدينية الرسمية، فإن شبكة تعلقه بالحرس الثوري والأجهزة الأمنية وتجذّر اسمه بين المحافظين جعلته أحد الأسماء الأكثر تأثيرا، وربما الأوفر حظا في مفترق القيادة المقبلة، مما يطرح تحديا مباشرا لمبدأ التوريث والسياسات التقليدية للنظام.

رندة جباعي

رندا جباعي صحافية استقصائية تتمتع بخبرة مهنية تزيد على عشرين عامًا في العمل الإعلامي. انضمت عام 2020 إلى فريق التحقيقات في قناة الحرة كمراسلةاستقصائية، حيث نال عملها في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) جوائز عدة في مسابقات دولية مرموقة، من بينها AIB وNew York Festivals TV & Film Awards وTelly Awards. شغلت سابقًا مناصب متعددة، منها منتجة في تلفزيون المستقبل، ومراسلة في صحيفة السفير، ورئيسة تحرير لعدة مواقع إلكترونية ومجلات ومقدمة برامج في إذاعة صوت لبنان. تحمل درجتي ماجستير في الحقوق من الجامعة اللبنانية وفي الصحافة من جامعة باريس 2 بانتيون–أساس.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading