ماذا يحدث في كاليفورنيا؟

الحرة's avatar الحرة2025-06-09

تعيش ولاية كاليفورنيا الأميركية واحدة من أكثر فتراتها اضطرابا منذ عقود، مع تصاعد التوترات بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والمسؤولين الديمقراطيين في الولاية، على خلفية سياسة الهجرة، والاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت شوارع لوس أنجلوس منذ السادس من يونيو الجاري.

لكن ما يحدث في كاليفورنيا، إلى جاٍنب الأبعاد السياسية، يتكشف عن صدام دستوري بين السلطات الفيدرالية وحكومة الولاية، يعيد طرح سؤال قديم في السياسة الأميركية: من يمٍلك القرار النهائي؟ وهل يحق للرئيس فرض إرادته على ولاية دون موافقتها؟ وما هي حدود استخدام القوة ضد المواطنين الأميركيين في حالات كهذه؟

من يحكم من؟

الولايات المتحدة قائمة على نظام فيدرالي، أي أن كل ولاية تتمتع بسيادة دستورية واسعة، ولها حكومتها الخاصة، وبرلمانها، وقوانينها.

وفق الدستور الأميركي، تتولى الولايات مسؤوليات مثل إدارة الشرطة، التعليم، الانتخابات، وبعض نواحي الهجرة. وتركز الحكومة الفيدرالية على السياسة الخارجية، الأمن القومي، وتنظيم التجارة مع الدول الأخرى وبين الولايات.

هذا التوازن بين الفيدرالية والمحلية حساس جدا، وغالبا ما تتخلله توترات سياسية أو قانونية، لكنه نادرا ما يصل إلى تهديد صريح باعتقال حاكم ولاية، كما حدث حين قال ترامب، الاثنين، إنه سيدعم “اعتقال جافين نيوسوم” بسبب اعتراضه على إجراءات الهجرة الفيدرالية.

نيوسوم وصف هذا التهديد بأنه “خطوة لا لبس فيها نحو الاستبداد”، وهو تصريح ملفت في بلد يفتخر مواطنوه بالحماية التي تتمتع بها المؤسسات الدستورية.

“إرسال قوات إلى ولاية دون موافقتها”

في حالات استثنائية، يحق للرئيس الأميركي نشر قوات فيدرالية، لكن ضمن قيود صارمة. يسمح قانون التمرد (Insurrection Act)، الصادر عام 1807، للرئيس باستخدام الجيش داخل الأراضي الأميركية لإنفاذ القوانين أو قمع تمرد إذا طلبت ولاية من الولايات ذلك، أو إذا عجزت أو تقاعست عن إنفاذ القانون تماما.

لكن في حالة كاليفورنيا، لم تطلب الولاية التدخل، بل عارضته صراحة. ويصر حاكمها جافين نيوسوم على أن نشر الحرس الوطني دون موافقة الولاية يشكل انتهاكا واضحاً للدستور، بل وهدد نيوسوم بمقاضاة إدارة ترامب بتهمة “الاستيلاء غير القانوني على سلطات الولاية”، وقال إن الحفاظ على النظام الداخلي هو مسؤولية سلطات الولاية، ما لم تُعلن حالة طوارئ وطنية.

ويرى مايكل ميلر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، في حديث مع “الحرة” أن ثمة حدودا حقيقية لما يمكن أن يفعله حكام الولايات ورؤساء البلديات لعرقلة الإجراءات الفيدرالية، ويبدو أن ترامب عازم على جعل كاليفورنيا عبرة لغيرها” من الولايات.

ولا يتوقع ميلر أن تتمكن المحاكم من حسم الخلاف القانوني قريبا لأن “هذه العملية بطيئة، ويبدو من غير المرجح أن تُكبح جماح الحكومة الفيدرالية حقا”.

حرية التعبير والتعديل الأول؟

يحمي الدستور الأميركي، في تعديله الأول، حرية التعبير وحق التظاهر السلمي وحرية الصحافة. لذلك، فإن وصف ترامب للمحتجين بأنهم “غوغاء متمردون”، وتبريره لاستخدام القوة ضدهم، يثير جدلا دستوريا، إلى جانب الخلاف السياسي.

ويعبر أميركيون عن القلق من أن تتم معاملة التظاهرات السلمية على أنها تمرد مسلح، وهو ما يبرر انتشار القوات والتشدد في التعامل مع المحتجين. وهذا يقود إلى سؤال أكبر: هل يمكن أن يصبح التظاهر ضد قرارات الرئيس جريمة؟

يشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية سان دييغو، بنيامين جونزاليس أوبراين، إلى أن الولايات المتحدة شهدت احتجاجات على سياسة الهجرة على مدى العقود القليلة الماضية، مدفوعة جزئيا على الأقل بعجز النواب المنتخبين عن إقرار أي نوع من الإصلاحات الشاملة للهجرة.

و”ما شهدناه من الإدارات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء منذ ثمانينيات القرن الماضي، هو إجراءات عقابية متزايدة وفرض عقوبات تهدف إلى ردع الهجرة غير الموثقة إلى الولايات المتحدة،” يضيف أوبراين في تصريح لـ”الحرة”.

مبدأ الحصانة للسلطات المنتخبة

التصريح بدعم اعتقال حاكم ولاية أو عمدة مدينة منتخبين، كما قال ترامب عن نيوسوم وكارين باس، يرى فيه البعض تجاوزا غير مسبوق في السياق الأميركي.

لا يسمح الدستور باعتقال المسؤولين المنتخبين إلا في حالات جنائية موثقة ومعروضة أمام القضاء، أما التهديد السياسي باعتقالهم فقط لمعارضتهم، فيُعتبر قانونيا تهديدا لمبدأ الفصل بين السلطات.

ويقلق هذا التوجه حتى بعض أعضاء الكونغرس، الذين يرون في هذه الخطوات محاولة لتطويع السلطات المحلية عبر التهديد الفيدرالي، وهو ما قد يخلق سابقة دستورية خطيرة.

أزمة توازن سلطات؟

ما يجري في كاليفورنيا يفتح الباب أمام سيناريو غير مألوف في التاريخ الأميركي الحديث: مواجهة مباشرة بين حكومة ولاية والحكومة الفيدرالية، تتعلق بمن له الكلمة الأخيرة في قضايا الأمن والهجرة والاحتجاج، وتطرح تساؤلات حول صحة مبدأ “حكم القانون” في لحظة سياسية تشهد استقطابا شديدا.

إن تمادت الحكومة الفيدرالية في فرض سلطتها بالقوة، فقد يؤدي ذلك إلى معارك قانونية حاسمة أمام المحكمة العليا، بل وربما يُمهّد الطريق لإعادة تعريف العلاقة بين العاصمة والولايات.

خلاف دستوري مفتوح

مع احتدام الأزمة، دخلت كاليفورنيا في نزاع قانوني ضد إدارة ترامب بشأن نشر الحرس الوطني، على أساس أن إجراءاته في هذا المجال تشكل خرقا للدستور وتعديا على سيادة الولاية.

ويرى مراقبون أن ما يجري يختبر حدود السلطة الفيدرالية مقابل الحكم المحلي، في لحظة سياسية تعيد إلى الأذهان أزمات مشابهة مثل أعمال الشغب عام 1992 في لوس أنجلوس، حين استُخدم قانون التمرد لنشر الجيش الفيدرالي.

ورغم أن إدارة ترامب لم تُفعّل رسمياً قانون التمرد لعام 1807 حتى الآن، فإن تصريحات مسؤولين عسكريين بشأن جاهزية القوات “خلال 24 ساعة” أثارت مخاوف من تصعيد غير مسبوق. ويمنح هذا القانون الرئيس الحق في نشر القوات المسلحة لفرض النظام داخليا، وهو ما يُعتبر في الديمقراطية الأميركية ملاذا أخيرا لا يُستخدم إلا في حالات الطوارئ القصوى.

كيف بدأت الاحتجاجات؟

في مساء الجمعة، 6 يونيو، نفذت وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) مداهمات مكثفة في أحياء عدة في مدينة لوس أنجلوس، أسفرت عن اعتقال ما لا يقل عن 44 شخصا بتهم تتعلق بانتهاك قوانين الهجرة.

لكن ما بدأ كعملية أمنية اتحادية سرعان ما تحول إلى احتجاجات شعبية واسعة، شابتها أعمال عنف واشتباكات مع الشرطة، خصوصا في منطقتي باراماونت ووسط المدينة، حيث ردد المتظاهرون هتافات منددة بالحملة على المهاجرين، ورفع بعضهم أعلام المكسيك.

ردت شرطة لوس أنجلوس بإعلان وسط المدينة منطقة محظورة على التجمعات، واعتقلت عشرات الأشخاص الذين رفضوا الانصياع لأوامر عدم التجمع.

وقالت الشرطة في بيان إن بعض المتظاهرين استخدموا العنف وألقوا الزجاجات والحجارة على عناصر الشرطة.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading