فرضت قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، بمختلف تشكيلاتها، سيطرتها على معظم مناطق جنوب اليمن، بعد سلسلة معارك، وانسحابات لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، في أعقاب تدخل مباشر لطيران التحالف الذي تقوده السعودية.
التحول السريع أعاد رسم الخريطة العسكرية في الجنوب خلال أيام، وأنهى تمددا ميدانيا كان الانتقالي قد حققه في أواخر 2025.
ولفهم الأحداث، لا بد من معرفة شكل توزيع القوى وتسمياتها.
القوى الفاعلة على الأرض
تتوزع القوة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا (تضم قوات وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية، وتشكيلات مثل قوات درع الوطن وقوات الطوارئ)، وبين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح والمنتشرة على الساحل الغربي.
وإلى جانب الانتقالي، تنشط في جنوب اليمن قوى عسكرية جنوبية كانت تُعد تاريخيا ضمن المعسكر القريب من أبوظبي، لكنها ليست جزءا منه تنظيميا وتملك هياكل قيادة مستقلة؛ أبرزها قوات العمالقة الجنوبية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن أبو زرعة المحرّمي، إضافة إلى قوات النخبة الحضرمية.
وخلال التصعيد الأخير وما رافقه من خلافات داخل التحالف بين السعودية والإمارات، برزت مؤشرات على إعادة تموضع بعض هذه التشكيلات سياسيا وعسكريا باتجاه ترتيبات أقرب إلى الرياض، سواء عبر استدعاء قياداتها إلى الرياض أو إدماجها ضمن ترتيبات أمنية جديدة، وهو المسار نفسه الذي سُجّل أيضا في حالة قوات طارق صالح (المقاومة الوطنية)، دون أن يعني ذلك بالضرورة قطيعة كاملة مع داعميها السابقين.
وفي الشمال، تسيطر جماعة أنصار الله (الحوثيون) على صنعاء ومناطق واسعة، وتتهمها الحكومة والتحالف بتلقي دعم من إيران، بينما تلعب القوى القبلية والمحلية في حضرموت والمهرة وشبوة دورا مرجّحًا بحسب توازنات الأرض.
الوضع الميداني وخريطة السيطرة العسكرية خلال 48 ساعة
شهدت المحافظات الجنوبية تحولا سريعا وجذريا في موازين القوى الأمنية، حيث استعادت الحكومة الشرعية سيطرتها على مواقع حيوية. وكانت عدن في صدارة هذا التحول، بعد دخول قوات “درع الوطن” إليها اليوم الخميس إثر ترتيبات أمنية منظمة. تمثلت هذه الترتيبات في تسليم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لمواقعها، بشكل مؤقت، إلى قوات العمالقة الجنوبية، ما مهد الطريق لدخول “درع الوطن” دون اشتباك على عكس ما حدث في حضرموت.
هذا التطور سمح للحكومة اليمنية باستعادة السيطرة على مواقع إستراتيجية مثل المطار والقصر الرئاسي. وعلى الرغم من حديث الانتقالي على استمرار سيطرته، إلا أن الوقائع الميدانية تؤكد أن القوات المدعومة من السعودية أصبحت تتحكم في المفاصل الأمنية الرئيسية بالعاصمة المؤقتة حتى لحظة كتابة المقال.

تكرر المشهد في أبين ولحج وشبوة.
ففي أبين، أعلنت قيادات محلية الولاء للحكومة والسماح لقوات درع الوطن بالدخول لتجنب مواجهة واسعة، وبحلول 8 يناير كانت قوات أمن موالية للرئاسة قد أحكمت السيطرة على المحافظة. وفي لحج، القريبة من عدن، انضمت القيادة الإدارية والأمنية إلى ترتيبات الحكومة، فيما انحسر نفوذ المجلس الانتقالي في وحدات انسحبت باتجاه ردفان (في لحج) ومحيط الضالع، مسقط رأس عيدروس الزبيدي.
أما في حضرموت والمهرة فلم يأتِ التحول بالسهولة نفسها، إذ جاء بعد إحكام المجلس الانتقالي سيطرته عليهما قرابة شهر.
فبعد هجومه مطلع ديسمبر 2025 وسيطرته على أجزاء واسعة من وادي حضرموت ومدن بينها سيئون، وتمدده شرقا باتجاه المهرة على حدود عُمان، شنت القوات الحكومية هجوما معاكسا في 2 يناير 2026 بغطاء جوي سعودي. وبحلول 4 يناير استعادت قوات موالية للحكومة السيطرة على المكلا ومناطق نفطية، وتراجعت قوات الانتقالي.
وفي المهرة، استعادت القوات الحكومية الغيضة ومعابر حدودية رئيسية. ومع انسحاب قوات الانتقالي، عادت حضرموت والمهرة بالكامل إلى إدارة الحكومة الشرعية خلال أيام قليلة.

الضالع.. مسار آخر
سُجّلت أعنف التوترات خلال اليومين الماضيين في محافظة الضالع، التي تُعد معقلاً لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزُبيدي، حيث دفع الانتقالي بتعزيزات عسكرية واسعة عقب أنباء عن مغادرة الزبيدي مدينة عدن.
وفي فجر 7 يناير، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية تنفيذ أكثر من 15 ضربة جوية وصفت بـ”الاستباقية”، استهدفت تجمعات لقوات الانتقالي في الضالع، بهدف منع تصعيد عسكري محتمل، وفق بيان التحالف.
ووفق تقديرات أعلنها قادة في المجلس الانتقالي، أسفرت الغارات الجوية منذ ديسمبر عن سقوط نحو 80 قتيلاً وجريحاً في صفوف قواتهم، إضافة إلى تدمير آليات عسكرية. وقد ندد المجلس الانتقالي بهذه الغارات، واعتبرها “غير مبررة”.
مواقف الحكومة اليمنية والتحالفات السابقة
تبنّت القيادة اليمنية برئاسة رشاد العليمي موقفا حازما، حيث أصدر المجلس الرئاسي في 7 يناير قرارا بإقالة عيدروس الزبيدي من منصب نائب رئيس المجلس واتهامه بـ”الخيانة العظمى” لقيامه بـ”تمرد مسلح”، كما أُقيل محافظ عدن أحمد لملس وأُحيل للتحقيق بتهمة تأييد تحركات الزبيدي.
ودعت الحكومة على ضرورة توحيد القوات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية وإنهاء وجود أي “مليشيات” خارجة عن سيطرة الدولة، مع التأكيد في الوقت نفسه، على أن المجلس الانتقالي لا يزال شريكا مبدئيا كونه ممثلا بعضوين في مجلس القيادة الرئاسي، لكنها ميّزت بين الشراكة وضرورة التصدي لـ”تمرد” الزُبيدي.
ومع تراجع حضور الزبيدي في المشهد خلال هذه الأيام وحديث التحالف عن “فراره” إلى أبوظبي، برز عبدالرحمن أبو زرعة المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي ونائب رئيس المجلس الانتقالي وقائد قوات العمالقة الجنوبية، كأحد الوجوه الأكثر حضورا في ترتيبات ما بعد التصعيد، بحكم دوره العسكري في ملف تأمين عدن، واتصالاته السياسية في الرياض، بما في ذلك لقاؤه المعلن مع السفير الأميركي لدى اليمن ومن الرياض.

عودة الخريطة القديمة بشروط جديدة
مقارنة بما كان عليه الوضع أواخر 2025، يمكن القول إن مكاسب المجلس الانتقالي العسكرية والسياسية تلاشت سريعا. فبعد أن فرض واقعا جديدا مطلع ديسمبر وسيطر خلال أسابيع على معظم الجنوب، بما في ذلك وادي حضرموت والمهرة مُستعيدا بذلك حدود الدولة الجنوبية قبل عام 1990، انقلب المشهد مطلع يناير 2026 مع تدخل سعودي مباشر أعاد رسم الخريطة الميدانية.
خسر الانتقالي حضرموت والمهرة، وتراجع نفوذه في عدن وشبوة وأبين ولحج، لينحصر حضوره في الضالع ويافع وبعض الجيوب الريفية.
عمليا، عادت الخريطة إلى ما يشبه ما قبل أغسطس 2019، لكن مع فارق جوهري: انهيار شراكة “اتفاق الرياض” وانعدام الثقة بين الشرعية والانتقالي.
ومع أن هذا التحول أضعف الانتقالي ميدانيا، فإنه لم يُنهِ جذور “القضية الجنوبية”، التي عادت إلى مربعها السياسي بوصفها ملفا مؤجّلا لا مشروعا قابلا للفرض بالقوة.



