بعد مادورو.. هل تتغير خرائط النفط؟

عادت فنزويلا إلى واجهة أسواق النفط العالمية هذا الأسبوع، لا بوصفها منتجا كبيرا كما كانت في السابق، إنما كمصدر محتمل لإمدادات إضافية قد تزيد الضغوط على سوق يعاني أصلا هشاشة في التوازن بين العرض والطلب.

وأعاد سقوط الرئيس نيكولاس مادورو وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن ترتيبات مع كاراكاس لتوجيه ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات إلى السوق الأميركية، فتح ملف النفط الفنزويلي خارج أطر العقوبات التقليدية.

وقد انعكس الإعلان سريعا على حركة الأسعار، إذ تراجع خام برنت إلى ما دون 60 دولارا للبرميل، بينما واصل خام غرب تكساس الوسيط خسائره للجلسة الثانية، مع إعادة تقييم المستثمرين لاحتمال زيادة المعروض في أكبر سوق استهلاكي للنفط في العالم.

لكن خبراء في أسواق الطاقة تحدثوا مع “الحرة”، قالوا إن القلق من اضطراب كبير في السوق قد يكون مبالغا فيه، على الأقل في المدى القريب.

ويقول علي الريامي، خبير شؤون الطاقة، إن الحديث عن عودة وشيكة وقوية لفنزويلا إلى الإنتاج لا يزال سابقا لأوانه.

“التصريحات السياسية وحدها لا تخلق بيئة استثمارية مستقرة. القطاع يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني، وحكومة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية، واستثمارات بمليارات الدولارات لإعادة تأهيل بنية تحتية متضررة بشدة”، بحسب الريامي.

وتراجع إنتاج فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم بنحو 303 مليارات برميل، إلى ما بين 800 ألف ومليون برميل يوميا، بعد أن كان يتجاوز 3 ملايين برميل في أوائل الألفية. ويرى خبراء أن استعادة تلك المستويات تتطلب سنوات، لا أشهرا.

ويقول جاستن دارغان، الزميل الأول في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، إن القطاع النفطي الفنزويلي “متخلف منذ أكثر من عقد” بسبب الإهمال والفساد ونقص الاستثمار.

ويضيف: “السيناريو الوحيد الذي يمكن فيه للنفط الفنزويلي أن ينافس المنتجين الآخرين هو وجود هيكل حوكمة مستقر واستثمارات بمليارات الدولارات… حتى تصبح فنزويلا منتجا موثوقا”.

ويرى دارغان أن إنتاج فنزويلا لن يصل إلى مستويات تسمح له بالتأثير الجوهري في ميزان السوق العالمية خلال السنوات الخمس إلى السبع المقبلة.

“ما نتحدث عنه هو القدرة على التأثير في الأسعار، لا السيطرة على السوق. لا يمكن لأي دولة أن تسيطر على سوق النفط العالمي”، يقول.

ويشير الريامي إلى أن رفع الإنتاج حتى فوق مليون برميل يوميا لن يشكل تحولا كبيرا في توازنات العرض والطلب عالميا في المدى القريب أو المتوسط.

“أي عودة تدريجية للإنتاج ستبقى عاملا كامنا أكثر منها متغيرا ضاغطا، وتأثيرها الحقيقي، إن حصل، سيكون طويل الأمد ومشروطا بمسار سياسي واقتصادي معقد”، يقول.

وتتمثل إحدى القيود الأساسية أيضا في طبيعة الخام الفنزويلي نفسه، وهو من أثقل أنواع النفط وأكثرها احتواء على الكبريت والمعادن. و”هذا النفط يفرض تحديات تقنية كبيرة في التكرير، ويحد من عدد المصافي القادرة على استيعابه”، وفق الريامي، الذي يضيف أن صادرات فنزويلا تركزت تاريخيا في أسواق محدودة مثل الولايات المتحدة والصين، حيث توجد مصاف مصممة لمعالجة النفوط الثقيلة.

أما بالنسبة لدول الخليج، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على إيرادات النفط، فيرى الريامي أن عودة فنزويلا لا تمثل تهديدا مباشرا لمداخيلها. “التحدي الحقيقي ليس المنافسة بحد ذاتها، بل مستوى الأسعار العالمية. إذا بقيت الأسعار مستقرة أو مرتفعة نسبيا، تظل الأوضاع قابلة للإدارة بغض النظر عن هوية المنافس”.

ومن جانبه، يرى دارغان أنه حتى في حال تحسن الإنتاج الفنزويلي مستقبلا، فإن التأثير الأكبر سيكون على الأسعار. “إذا تمكنت فنزويلا على المدى الطويل من العودة إلى مستويات تقارب ثلاثة ملايين برميل يوميا، فقد نشهد ضغوطا على أسعار النفط وقد يخلق ذلك تحديات اقتصادية لدول في أوبك وأوبك بلس التي تعتمد على العائدات النفطية”، يقول.

ويرى محللون أن خطة ترامب لتوجيه عشرات الملايين من البراميل إلى المشترين الأميركيين قد تؤثر في الأسعار على المدى القصير، لكنها لا تعني فتحا فوريا للقطاع أمام استثمارات واسعة.

وفي المدى القصير، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية، يرى جيمس غلاسمن، وكيل وزارة الخارجية الأميركية السابق للدبلوماسية العامة والشؤون العامة، أن أحد دوافع التحرك الأميركي تجاه فنزويلا يتمثل في السعي إلى دفع أسعار النفط إلى مستويات أدنى.

لكنه يحذر من أن هذا التوجه قد لا يخدم صناعة النفط الأميركية نفسها. “عدد الحفارات في الولايات المتحدة تراجع في 2025، وعند هذه المستويات السعرية لن تكون شركات النفط الأميركية متحمسة للاستكشاف والحفر”، يضيف.

ويرى غلاسمن أن الولايات المتحدة ستبقى وجهة أكثر جاذبية للاستثمار النفطي من فنزويلا، حتى في حال تحسن الظروف السياسية هناك.

ولا يمكن فصل عودة النفط الفنزويلي، حتى بشكل محدود، عن ملف إيران، التي لا تزال صادراتها النفطية مقيدة بالعقوبات الأميركية رغم استمرار تدفقها بطرق تهريب إلى بعض الأسواق، وعلى رأسها الصين.

ويقول دارغان إن الحديث عن أن النفط الفنزويلي قد “يحل محل” النفط الإيراني أو يضعف موقع طهران مبالغ فيه. “كل من فنزويلا وإيران تعانيان من مشكلات متشابهة: عقوبات، نقص استثمار، وبنية تحتية متقادمة. فكرة أن النفط الفنزويلي سيزاحم النفط الإيراني على نطاق واسع لا تستند إلى واقع السوق حاليا”، بحسب دارغان.

ويضيف أن أي زيادة محتملة في الإمدادات من فنزويلا، إلى جانب النفط الإيراني والروسي، تعقد حسابات واشنطن في إدارة المعروض العالمي. إذ “يمكن للولايات المتحدة  التأثير على السوق عبر البراميل المتاحة، لكنها لا تستطيع التحكم فيها. ما يحدث هو إعادة توزيع بطيئة للمعروض بين نفوط خاضعة للعقوبات بدرجات مختلفة”، يقول.

كما أن استخدام النفط كورقة ضغط جيوسياسية، خاصة تجاه الصين، يبدو محدود الأثر. “الصين تحصل على نحو 5% فقط من احتياجاتها النفطية من فنزويلا، ما يجعل قدرة كاراكاس على استخدام النفط كسلاح جيو-اقتصادي محدودة”، بحسب دارغان.

وبينما تبقى الأسواق حساسة لأي إشارات على زيادة المعروض، يتفق الخبراء على أن العامل الحاسم في المرحلة الحالية يظل مستوى الأسعار العالمية، لا مجرد احتمال عودة لاعب متعثر إلى المشهد النفطي.

“أسواق النفط اليوم تعاني فائضا طفيفا وهشاشة في التوازن. أي براميل إضافية تضغط على الأسعار نفسيا، لكن التحول الحقيقي يحتاج سنوات، لا بيانات سياسية”، يوضح الريامي.

سكينة المشيخص

كاتبة و باحثة و مقدمة برامج سعودية

هدى البوكيلي

هدى البوكيلي صحفية استقصائية مغربية مقيمة في الولايات المتحدة، حائزة على عدة جوائز دولية. تحمل شهادة ماجستير في الصحافة والإعلام المؤسساتي من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، وإجازة في علوم الاقتصاد من جامعة القاضي عياض بمراكش.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading