مخاوف من ظهور “سوريا كبتاغون” جديدة

الحرة's avatar الحرة2026-01-08

لم تعد ضبطيات المخدرات في السودان تُعامل كحوادث أمنية معزولة. الكميات الكبيرة التي أعلنت السلطات مصادرتها في الأشهر القليلة الماضية من أطنان الآيس والكريستال، إلى ملايين الحبوب من الترامادول والكبتاغون، وكميات ضخمة من البنقو والشاشمندي، باتت تشير إلى تحوّل أوسع فرضته الحرب وانهيار أجهزة الرقابة.

تقول مصادر أمنية وخبراء تحدثوا مع “الحرة” إن هذه الكميات تفوق بكثير ما يمكن ربطه بالاستهلاك المحلي، ما يعزز المخاوف من أن البلاد لم تعد مجرد محطة عبور، بل ساحة نشاط متنامٍ لشبكات تهريب وتصنيع، مستفيدة من الصراع وتفكك مؤسسات الدولة.

غير أن هذا التحول، رغم خطورته، لا يُقرأ بمعزل عن واقع الحرب، ولا عن تداخل أدوار شبكات إجرامية عابرة للحدود، وفصائل مسلحة تسيطر على مناطق واسعة، وأجهزة رسمية تقول إنها تحاول، رغم الاستنزاف، احتواء الظاهرة ومنع تحولها إلى مصدر تمويل دائم للصراع.

من العبور إلى التصنيع

تشير معطيات ميدانية إلى أن شبكات التهريب باتت تعمل عبر مسارات ثابتة تمر بعدة ولايات سودانية، مستفيدة من طول الحدود وضعف الرقابة عليها، ومن طرق قديمة استُخدمت سابقاً في تهريب الذهب والماشية.

لكن اللواء شرطة حقوقي د. محمد أحمد الأمين دفع الله، مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، يرفض توصيف الوضع على أنه انهيار شامل، ويقول إن ما يُضبط من شحنات هو دليل على استمرار عمل الأجهزة رغم الحرب.

ويقول للحرة إن “الشحنات من المخدرات التي تمر مهربة هي مكان ضبط، وليس من الواضح مرورها مرور الكرام”، مضيفا أن استراتيجية الحكومة في ضبط المعابر ونقاط التفتيش “مرنة جداً وتتجدد وفق الوضع الراهن”.

إلا أن التطور الأكثر إثارة للقلق، بحسب خبراء، لا يتعلق فقط بالتهريب، بل بظهور مؤشرات واضحة على تصنيع محلي المخدرات.

ففي يونيو 2023، أعلنت السلطات ضبط مختبر في إقليم النيل الأزرق بطاقة إنتاجية قُدّرت بنحو 7,200 حبة في الساعة. وبعد أقل من عام، في فبراير 2024، جرى الإعلان عن ضبط مختبر آخر في شمال الخرطوم قُدّرت قدرته بنحو 100 ألف حبة في الساعة.

وتقول رافاييلا ليبشيتز، الخبيرة في ملفات الجريمة والصراعات في معهد “نيولاينز”، إن هذه القفزة هي مصدر القلق الأساسي. وتضيف: “هذا ما أثار قلقنا في البداية عندما رأينا حجم هذا القفز الكبير من 7,200 حبة في الساعة في عام 2023 مقارنة بأحدث رقم الآن، وهو 100,000 حبة في الساعة”.

كيف دخلت المواد الكيميائية؟

يبقى السؤال الأبرز: كيف دخلت المواد الخام والمعدات اللازمة للتصنيع؟

هنا يلتقي تحليل الخبراء الدوليين مع الرواية الرسمية عند عامل واحد أساسي: الحرب.

تقول ليبشيتز إن الصراع يؤدي تلقائياً إلى “ضعف كبير في قدرات إنفاذ القانون”، مضيفة أن كثيراً من المواد المستخدمة في تصنيع الكبتاغون “ذات استخدام مزدوج”، وهذا يجعل تمريرها عبر الموانئ والحدود أسهل في ظل الفوضى الأمنية.

في المقابل، يشدد اللواء دفع الله على أن وجود هذه المواد لا يعني غياب الدولة. ويقول إن جهاز مكافحة المخدرات ما زال يعمل رغم تدمير جزء كبير من بنيته التحتية

“السودان الآن فيه جهاز لمكافحة المخدرات … ينتشر في كل ربوع السودان للعمل على منع انتشار المخدرات وعرضها وطلبها”.

ويؤكد أن لجنة قومية عليا تنسق الجهد المدني والأمني، وأن الضبطيات المتتالية “خير دليل” على أن السودان طرف في مواجهة المشكلة لا راعياً لها.

سوريا أخرى على خريطة الكبتاغون؟

كثّفت بعض التقارير في الأشهر الماضية المقارنة بين السودان وسوريا، التي تحولت فيها تجارة الكبتاغون إلى صناعة منظمة برعاية رسمية خلال سنوات الحرب.

لكن ليبشيتز ترى أن المقارنة تبقى محدودة، موضحة أن الفارق الجوهري يكمن في غياب الغطاء المؤسسي للمخدرات في السودان. وتقول “في سوريا، كان الإنتاج برعاية الدولة… بينما في السودان لا نرى نفس الدرجة من الرعاية الحكومية”.

ويرفض اللواء دفع الله، بدوره تصنيف السودان كـ”دولة راعية للمخدرات”، معتبراً أن هذا الطرح “لا أساس له من الصحة”.

ومع ذلك، تشير بيانات الضبطيات إلى أن عدداً من المختبرات المكتشفة كانت تقع في مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وتقول ليبشيتز إن “من الصعب تصديق أن هذه المختبرات الكبيرة كانت تعمل دون علم القوات المسيطرة على الأرض”.

موقع جديد على خريطة التهريب

جغرافياً، يكتسب السودان أهمية متزايدة في شبكات التهريب الإقليمية، خاصة بعد تعطل جزء من الإنتاج في بلاد الشام.

وتقول ليبشيتز إن السودان، إلى جانب اليمن، بات محط اهتمام المهربين لقربه من أسواق الخليج، وامتلاكه منفذاً على البحر الأحمر، وحدوداً واسعة يسهل اختراقها.

لكن هذا الدور، بحسب تقديرات رسمية ودولية، لا يعني أن السودان تحول بعد إلى مركز إنتاج رئيسي، بل إلى ساحة ناشئة فرضتها ظروف الحرب والانفلات الأمني.

وترى ليبشيتز أن الكبتاغون لا يمثل المصدر الرئيسي لتمويل الحرب، بل “مكافأة إضافية”، لا سيما لقوات الدعم السريع التي تعتمد على موارد أكبر مثل الذهب. لكنها تحذر من أن تراكم هذه العائدات يمكن أن يساهم في إطالة أمد الصراع.

ويتوافق هذا التحذير مع دعوة اللواء دفع الله للمجتمع الدولي، ولا سيما مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلى رفد السودان بدعم عاجل فني ولوجستي، مؤكدا أن دولة أنهكتها الحرب لا يمكنها مكافحة  “جريمة منظمة عابرة للحدود” كالمخدرات، بمفردها.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading