لو كنتُ خامنئي

جمانة حداد's avatar

نُشرت هذه المادة مترجمة من اللغة الإنجليزية

لو كنتُ خامنئي، لما نمتُ جيداً هذه الأيام. لا بسبب الشعور بالذنب — فالطغيان نادراً ما تثقله وخزات الضمير — بل لأن الخوف، حين يزورك مرة، سرعان ما يتحوّل إلى رفيق سكن هوسيّ ولزج: الخوف من اللحظة التي تتردّد فيها الأزياء العسكرية. حين تتأخر الأوامر. حين تكتسب آلة القمع ضميراً. حين يتغيّر إيقاع الهتاف ويغدو غير قابل للرجوع.

لو كنتُ خامنئي، لخفتُ من الزمن. لا الزمن المجرّد الفلسفي، بل نسخته العملية الخادعة. الزمن الذي يلوّن اللحى. الزمن الذي يُقوّس الظهور. الزمن الذي يحوّل الصور إلى آثار، والشعارات إلى كليشيهات منهكة. كنتُ لأسمع دقّاته لا من ساعة، بل من داخل رأسي: صوت زمن لم يعد في خدمتي. كل ثانية انشقاق صغير. وكل دقيقة تذكير بأن حتى السلطة المطلقة لها تاريخ انتهاء.

لو كنتُ خامنئي، لخشيتُ الضحك أكثر من الشعارات. فالشعارات يمكن حظرها؛ أما الضحك فيتسرّب. يتسلّل تحت الأبواب. يُغافل الحرّاس. ينخر الجديّة التي يقوم عليها كل مستبد. وكنتُ لأخاف السخرية أكثر من أي شيء، لأنها ذكاء توقّف عن طلب الإذن.

لو كنتُ خامنئي، لاضطربتُ بشدّة من الطريقة التي تتداول بها صورتي اليوم. لا بوصفها أيقونة، بل «ميم». مُختزلة. مشوّهة. مُصغَّرة. وجهٌ كان يُراد له أن يثير الرهبة فبات يثير التهكّم. لا عودة من ذلك. حين تصبح السلطة مضحكة، تكون قد بدأت تنزف حتى الموت.

كنتُ لأتذكّر أن لا مُضطهِد ينجو من السخرية. التبجيل يحنّطهم؛ الضحك يقطّعهم إرباً. كل نكتة بروفة صغيرة للعصيان. وكل همسة ساخرة شرخ في الجدار.

وكنتُ سأتجنّب المرايا. فالمرايا خطرة حين تظهرك كما لو أنك مهرج. وحين يبدو وكأن وجهك يحكم رغم انهيار شعبيتك. إنها تكشف ما تعمل الدعاية والنعوت القلِقة مثل «المرشد الأعلى» على إخفائه: عمر بلا كرامة، دوام بلا شرعية، غرور بلا ثقة. جسد مُبقي عليه بعد أن فُصلت عنه أسلاك الدعم.

لو كنتُ خامنئي، لاستمريتُ في التظاهر بالقوة. ولتحدّثتُ بلغة اليقين. فالدكتاتوريون لا خيار لهم. الإنكار هو زيّهم الأخير، ومحاولتهم الأخيرة لتمرير السلطة على أنها قدر. لكنني، في العمق، سأعرف أن شيئاً ما قد تغيّر. شيئاً أساسياً. لقد انكسر سحر الحتمية.

كنتُ سأتشبّث بالطقوس بهوس. فالطقس ملاذ الفراغ. سأكرّر الإيماءات والعبارات والبركات والإدانات — أي شيء يصنع وهم الاستمرارية. يخلط الطغاة بين التكرار والديمومة. لا يدركون أن التكرار غالباً ما يكون صدى الشك الذاتي في غرفة خاوية.

كنتُ سأتحدّث بلا انقطاع عن الأعداء. فالمستبد الآفل يحتاج إلى الأعداء كما احتاج الملوك القدامى إلى المهرّجين: تطمين دائم بأن هناك، في مكان ما، من لا يزال يلتفت إليه. سأصرّ على أن المشكلة «تدخّل أجنبي». أيادٍ أجنبية. مؤامرات أجنبية. أفكار أجنبية مهرّبة مثل أملٍ مُهرَّب.

ولن أعترف أبداً بأن أخطر ما يُنتَج داخل إيران اليوم هو الشجاعة، وأنها مُنتَج محلّي. منزلي. عضوي. ينتقل من أم إلى ابنة، ومن صديق إلى صديق، ومن جرح إلى جرح، ومن زنزانة إلى زنزانة. وأن أعدائي الأخطر ليسوا عبر الحدود؛ بل داخل المطابخ، والفصول الدراسية، وصالونات التجميل، وسيارات الأجرة… نساء يفككن أوشحهن بتمرّدٍ متعمّد، ورجال لم يعودوا يخفضون أصواتهم في المقاهي.

لو كنتُ خامنئي، لما فهمتُ النساء. لا لأنهن معقّدات، بل لأنهن مزعجات — يرفضن البقاء مجرّد استعارات تحت السيطرة. سأقضي أيامي أشرّع سنتيمترات الشعر وميليمترات الجلد، لأنه دائماً أسهل قمع الأجساد من إقناع العقول. (وسأنسى، كما ينسى أمثالي دائماً، أن لا شيء يفضح العجز مثل الهوس بالجسد).

وسأسمي ذلك احتشاماً. وسأسميه أخلاقاً. وسأسميه تديّناً. ولن أسمّيه باسمه الحقيقي: هلعاً. هلعاً في مواجهة نساء أدركن أن الطاعة ليست فضيلة، وأن الصمت ليس قداسة، وأن الخضوع ليس إيماناً ولا قدَراً. هلعاً أمام فتيات يرقصن في الشوارع بينما تتردّد خطبي، الآخذة في الفراغ، على جدران قناعات خاوية.

بل إنني، لو كنتُ خامنئي، لكنتُ أخاف النساء أكثر من أي شيء، لأنهن أرشيف الذاكرة. يتذكّرن من ضُرب، ومن اختفى، ومن كذب، ومن أطاع. وينقلن هذه المعرفة بهدوء وكفاءة من جيل إلى جيل. يستطيع الدكتاتور إعادة كتابة الكتب المدرسية، لكنه لا يستطيع إعادة كتابة الأمهات. سأخاف شجاعتهن تحديداً لأنها ليست بطولية على الطريقة السينمائية؛ إنها منزلية، عنيدة، بلا بهرجة. ترتدي الجينز والكحل، وتأتي كل يوم، كل يومٍ لعين.

لو كنتُ خامنئي، لادّعيتُ أن الدين يتعرّض لهجوم، بينما هو في الواقع يُستَخدم درعاً لعري السلطة. سألفّ نفسي بالله كما يلفّ الرجال المتوسطون أنفسهم بالألقاب. وسأنسى — عن سابق قصد — أن الإيمان المفروض بقوة السلاح ليس إيماناً. إنه احتجاز رهائن.

سأسمي الاعتراض كفراً. لا بدّ من ذلك. فأن أسميه اعتراضاً يتطلّب الاعتراف بحق الناس في الاختلاف. والحقوق مُعدية. حق يقود إلى آخر. أولاً حق الكلام. ثم حق الاختيار. ثم حق العيش من دون طلب إذن من رجال طاعنين ترتجف أيديهم وتفوح من عقائدهم رائحة الازدراء.

لو كنتُ خامنئي، لأحسستُ أن كلماتي لم تعد تقع كما كانت من قبل. ترتدّ صدىً قصيراً، ثم تسقط مفلطحة، كشعارات عتيقة تُصرخ في وجه مستقبل حرّر أذنيه. سأتكلم وأرى الوجوه بلا حراك. سأطلق التهديدات وألاحظ هدوء استقبالها. وسأعرف أن مشكلتي لم تعد تمرّداً؛ بل انفصالاً. الناس لم يعودوا غاضبين فقط. لقد بدأوا يمضون قُدُماً.

وسأبالغ في التعويض. بالطبع سأفعل. سأشدّد القسوة، والإعدامات، والمواعظ الأخلاقية التي يلقيها رجال ينتهكون كل وصية يدّعون الدفاع عنها، باستثناء تلك التي اخترعوها لأنفسهم. حين تتآكل السيطرة، تندفع الوحشية لملء الفراغ. العنف هو لغة السلطة التي فقدت شرعيتها.

ومع ذلك — في العمق، في المكان الذي لا تصل إليه الأيديولوجيا — سأعرف أن العنف لم يعد يعمل كما كان. أنه ينتج كراهية لا طاعة. وأن كل قيد يقصّر عمري بدلاً من أن يطيله. الطغاة يتعلّمون هذا دائماً متأخرين.

لو كنتُ خامنئي، لأرّقتني الأشباح. لا أشباح الموتى — فالدكتاتوريون يقتاتون على الجثث — بل أشباح الأحياء. حلفاء سابقون باتوا صامتين. جنرالات يتردّدون نصف ثانية أطول مما ينبغي. بيروقراطيون يبدأون الجمل بـ«ربما». يبدأ سحب الولاء لا بالتمرّد، بل بالتردّد.

وسأراقب دائرتي المقرّبة بحذر شديد. شديد جداً. فجنون الارتياب هو عقوبة من يرفض الواقع. سأتساءل من المخلص، ومن ينتظر، ومن يخطّط بالفعل للخروج من ظلي. أذلّ إدراك لدى المستبد هو أن حتى شركائه سئموا التظاهر.

لو كنتُ خامنئي، لتحدّثتُ بلا انقطاع عن الشهداء. فالشهداء مفيدون: لا يجادلون. لا يحتجّون. لا يسألون لماذا تُضرَب أخواتهم بسبب شعرٍ مكشوف، بينما من ماتوا لأجلهم يسرقون مستقبلاً كاملاً على مرأى من النهار. الشهداء هم المواطنون المثاليون في الأنظمة الاستبدادية: صامتون، مُستَغَلّون، وغائبون على نحو مريح.

لو كنتُ خامنئي، لرهبتُ مسألة الخلافة. لا لأنني أكترث لمستقبل البلاد (فمثل كل النرجسيين والمهووسين بالعظمة، لا أكترث إلا لنفسي). بل لأن الخلافة تكشف الكذبة الكامنة في قلب كل سلطة مطلقة: أنها لم تكن أبدية يوماً، بل مُستعارة. سؤال «من التالي؟» هو السؤال الأكثر تخريباً لمن يطاردون وهم الخلود.

لكنني سأتظاهر بعدم سماعه. سأصرّ على الاستمرارية، والاستقرار، والتزكية الإلهية. فالله مفيد على نحو خاص حين تنتهي حججك. لكن حتى أشدّ المؤمنين حماسةً يبدؤون بالارتياب حين يُستدعى الله مراراً لتبرير الهراوات والسجون.

لو كنتُ خامنئي، لشعرتُ بأن التاريخ يعيد ترتيبي. يُصغّرني. يضعني في خانة «انهيار محتوم». التاريخ قاسٍ هكذا. لا يجادل؛ بل يحرّر. يوماً تكون فصلاً. في اليوم التالي هامشاً. ثم حكاية تحذيرية يرويها الآباء لأطفال يظنون أن الامتثال يعني الأمان.

ولو كنتُ خامنئي، لعرفتُ هذه الحقيقة الأخيرة، التي لا يفلت منها أي متنمّر: ليست الضربة المدوّية ما ينهي الهيمنة، بل انعدام الصلة. ينتهي حكمك في اللحظة التي تظل فيها تتكلم، لكن لا شيء يتحرّك بعد الآن. حين تتردّد تهديداتك فقط بين من يتقاضون أجراً ليومئوا ويرتجفوا. حين يكون الجمهور قد غادر القاعة عاطفياً منذ زمن.

لو كنتُ خامنئي، لكنتُ أعلم، قبل سقوط التماثيل، وقبل تغيّر الحدود، وقبل إعادة كتابة كتب التاريخ، أن نهايتي قد بدأت بالفعل. وأن الخوف سيكون هناك كل ليلة، ممدّداً إلى جانبي كعاشق غير مدعو.

لكن لحسن الحظ، لستُ خامنئي.

أنا امرأة أراقب نساء يرفضن المحو. أنا إنسانة تشاهد بشراً يقولون «كفى». أنا صوت يدرك أن الـ«لا» الأكثر جذرية ليست صاخبة، ولا مسلّحة، ولا استعراضية — بل مُصِرّة. امرأة تقف سافرة الرأس في الشارع، تقول بجسدها ما تخشاه أنظمة كاملة أن تسمعه: أنت لا تملكني.

وهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو سبب رُعبي، لو كنتُ خامنئي، في هذه اللحظة. لأن لا شيء ينبغي أن يُرعب طاغيةً دينياً أكثر من امرأة لم تعد تخافه.

 

جمانة حداد

جمانة حداد هي كاتبة وصحفية وناشطة من لبنان


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading