في عالم اليوم، لا تكون الطائرة المقاتلة مجرد طائرة مقاتلة. فالمقاتلات الحديثة تقع في صميم منظومات تكنولوجية معقدة.
الدولة التي تشتري طائرات من دولة أخرى لا تشتري مجرد هياكل طائرة. إنها تلتزم أيضًا بعقود صيانة، وجداول توريد قطع الغيار، وأنواع مختلفة من التسليح المصمم ليتلاءم مع الطائرة المعنية، إضافة إلى أنظمة بيانات تحتاج إلى ضبط وتحديث دوري. وسيقوم المُصنِّع بإيفاد مهندسين وفنيي صيانة ومستشارين عسكريين إلى الدولة الزبونة لسنوات بعد تسليم الطائرات؛ وفي الاتجاه المعاكس، سيتوجه طيارون وفنيون من الدولة المشترية للتدريب لدى الدولة المُورِّدة.
هذه الصفقات تخلق، بالتالي، علاقات اعتماد معقدة بين المشتري والمورّد. فلا يمكن شراء سرب من الطائرات المقاتلة وتوقع البقاء على مسافة من الدولة التي زودتك بها.
لهذا السبب، يجدر التوقف عند التقارير الأخيرة التي تفيد بأن باكستان تخطط لبيع مقاتلات JF-17 متعددة المهام إلى السعودية. فهذه الطائرة، التي تُنتج في باكستان، طُوِّرت بشكل مشترك مع الصين. وقد ازدادت قابلية تسويقها منذ الحرب القصيرة بين الهند وباكستان العام الماضي، حين أثبتت طائرات JF-17 قدرتها على الصمود في مواجهة مقاتلات غربية متقدمة زودت فرنسا بها الهند. ويُقال أيضًا إن هذه الطائرات الصينية-الباكستانية أكثر جدوى من حيث التكلفة مقارنة بالعديد من نظيراتها الغربية.
لكن أهمية هذه الصفقة، التي قد تصل قيمتها إلى نحو أربعة مليارات دولار، تتجاوز بكثير الجانب التكنولوجي. فقد أشار تقرير لوكالة رويترز حول الصفقة إلى أن «اتفاق الدفاع المتبادل جرى توقيعه عقب الضربات الإسرائيلية التي قالت إنها استهدفت مواقع لحماس في الدوحة، وهو هجوم هزّ منطقة الخليج». وقد صُدم حلفاء الولايات المتحدة في الخليج عندما علموا أن واشنطن أعطت، على ما يبدو، الضوء الأخضر لتلك الضربات. وبينما كانت السعودية، على وجه الخصوص، تُوازن خياراتها منذ فترة، دفعت الهجمات الإسرائيلية إلى إعادة حسابات استراتيجية أعمق. وفي 17 سبتمبر/أيلول، أعلن السعوديون والباكستانيون التوصل إلى اتفاق دفاع متبادل واسع النطاق، قيل إنه كان قيد النقاش منذ سنوات.
وقد نسج البلدان علاقات وثيقة على مدى عقود، لكن اتفاق الدفاع الاستراتيجي المتبادل وسّع تعاونهما العسكري إلى حد كبير، محولًا العلاقة عمليًا إلى تحالف كامل الأركان — وربما شمل ذلك أيضًا امتداد المظلة النووية الباكستانية إلى المملكة.
وتعزز صفقة المقاتلات الجديدة كذلك دور الصين ضمن استراتيجية التنويع هذه. وليس من الصعب فهم حماسة بكين لذلك. فحليف الصين الإقليمي الرئيسي، إيران، يُظهر هذه الأيام نقاط ضعفه، بعدما لجأ مؤخرًا إلى حملة قمع قاسية لإخماد انتفاضة شعبية واسعة. كما أن الصينيين حريصون على فعل كل ما في وسعهم لمواجهة النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.
وستسهم صفقة JF-17 في ذلك. فعلى الرغم من أن الطائرات تُجمَّع في مجمع الطيران الباكستاني في كامرا بباكستان، فإن المكونات الرئيسية تُصنَّع في شركة تشنغدو لصناعة الطائرات الصينية. كما أن الأنظمة الإلكترونية والأسلحة تُنتَج في الصين.
وقد بنت الصين علاقة استراتيجية مع السعودية منذ أن باعتها في عام 1988 صواريخ DF-3 الباليستية متوسطة المدى ذات الوقود السائل، التي يبلغ مداها 3,000 كيلومتر. وفي عام 2007، تبعت بكين ذلك بتسليم صواريخ DF-21 العاملة بالوقود الصلب.
وتستخدم السعودية أيضًا طائرات استطلاع مسيّرة صينية بعيدة المدى، وصواريخ دفاع جوي قصيرة المدى، إضافة إلى سلاح الليزر المضاد للمسيّرات المعروف باسم “Silent Hunter”.
لكن التداعيات الاستراتيجية لبيع عدد كبير من مقاتلات JF-17 Block III أوسع بكثير. فإذا مضت الصفقة قدمًا، سيجد العديد من الضباط والطيارين وأفراد الصيانة السعوديين أنفسهم قريبًا في مدينة تشنغدو للتدريب. كما ستوفر الصفقة مجالًا لتفاعل أكبر بكثير بين القيادات العسكرية السعودية ونظرائها في جيش التحرير الشعبي الصيني.
إن شراء طائرات JF-17 يكرّس الاعتماد على التحديثات الإلكترونية والأسلحة الصينية، ما يمهّد الطريق لصفقات محتملة لطائرات دعم إلكتروني، فضلًا عن مقاتلات الجيل الخامس مثل Shenyang J-35.
ومن المرجح أيضًا أن تستضيف السعودية مناورات مع سلاح الجو التابع لجيش التحرير الشعبي، على غرار مناورات «أجنحة الحضارة» الجوية بين مصر والصين التي جرت في أبريل/نيسان–مايو/أيار 2025. ومن شأن مثل هذه المناورات العسكرية الثنائية أن تعزز بدورها حجة السعودية للانتقال من صفة «شريك حوار» إلى عضو كامل، لتنضم إلى باكستان داخل منظمة شنغهاي للتعاون التي تهيمن عليها الصين، والتي تتمثل أبرز أنشطتها في مناورات «مهمة السلام» العسكرية متعددة الأطراف واسعة النطاق.
وبالنسبة للرياض، فإن توسيع علاقتها العسكرية الثنائية مع الصين يؤكد حجم العلاقة الاقتصادية بين البلدين، وسيعزز تصميم بكين على دعم الترسانة الصاروخية النووية الباكستانية، التي قد ينتهي بها الأمر — كما ذُكر — إلى إفادة السعوديين أيضًا.
أما بالنسبة للصين، فيأتي توقيت الصفقة مؤاتيا. فقد يثبت توسيع حضورها الأمني في الشرق الأوسط عبر اتفاق الدفاع المتبادل السعودي-الباكستاني فائدة أكبر من علاقتها الاستراتيجية مع النظام الديني الإيراني المعزول دبلوماسيًا.
وتسعى الصين إلى زيادة مشاركة دول الشرق الأوسط في منظمة شنغهاي للتعاون، بما يتيح لها تحقيق أهدافها الاستراتيجية بقدر أكبر من الشرعية والانفتاح، والترويج لمناورات عسكرية متعددة الأطراف واسعة النطاق، وتأمين وصول رسمي إلى قواعد عسكرية في المنطقة.
ومن غير المرجح أن تنظر واشنطن بعين الرضا إلى هذا الاحتمال. فالصين ستستخدم على الأرجح أي حضور موسع لتكثيف أنشطة التجسس ضد أنظمة السلاح الأميركية الرئيسية، مثل مقاتلات F-35A من شركة لوكهيد مارتن، التي تعتزم الولايات المتحدة بيعها للسعودية.
وإذا لم تتمكن الرياض من العمل مع واشنطن لوضع تدابير تحد من عمليات التجسس الصينية، فقد لا يكون أمام الولايات المتحدة خيار سوى إعادة تقييم قراراتها بشأن صفقات السلاح الكبرى. وهو ما سيُسعد بكين بدوره.
هذه المقالة مترجمة من الإنجليزية.

ريتشارد فيشر
ريتشارد د. فيشر الابن زميل أول في "المركز الدولي للتقييم والاستراتيجية"


