نبيه بري في مواجهة الكونغرس: هل انقلب السحر على الساحر؟

من وجهة نظر واشنطن، لم تعد الأزمة اللبنانية تتعلق بحزب الله فحسب، بل باتت تتعلق بـ “حراس الهيكل” السياسيين الذين يجعلون الإصلاح مستحيلاً، ويتربع نبيه بري، رئيس المجلس النيابي اللبناني، على رأس تلك القائمة.

تبلور هذا التقييم الأسبوع الماضي في الكونغرس، عندما قام النائب داريل عيسى بتفكيك الصورة التي رسمها بري لنفسه طويلاً كـ “صمام أمان” للمؤسسات. وقال عيسى: “السيد بري في منصبه منذ 34 عاماً، وقد تركه الجميع وشأنه لأجيال، بينما تتركز ثروته الهائلة لدى أقاربه في ديربورن بميشيغان”. لم تكن هذه الملاحظة مجرد بلاغة خطابية، بل مثّلت بداية تحرك تشريعي لتحويل السياسة الأمريكية تجاه لبنان من التركيز على الجهات المسلحة وحدها إلى استهداف “سماسرة السلطة” المدنيين الذين يوفرون الحماية لها.

قدم عيسى مع زميله دارين لحود مشروع قانون لـ “نزاهة الانتخابات في لبنان وحماية تصويت المغتربين لعام 2026” في الثاني من فبراير الجاري، ويضع رأس الهرم التشريعي اللبناني في مرمى العقوبات المباشرة، معتبرا أن حماية حقوق الناخبين اللبنانيين، بمن فيهم أولئك الموجودون في الخارج، هي “مصلحة للأمن القومي للولايات المتحدة”.

وصرح مسؤول رفيع في وزارة الخارجية لـ”الحرة”،  بأن هذا التحول يتم صياغته بوضوح: “الأمر لا يتعلق بالشخصيات بقدر ما يتعلق بـ”النقاط العالقة”، التي تخنق التغيير. من منظور واشنطن، تعتبر انتخابات 2026 لحظة مفصلية، وأي شخص يعيقها يصبح مشكلة سياسية”. وأضاف المسؤول أن بري، الذي يسيطر على البوابة التشريعية التي يجب أن يمر عبرها الإصلاح الانتخابي، لم يعد يُنظر إليه كوسيط، بل كـ”عقبة”.

ويُقدر عدد اللبنانيين المنتشرين حول العالم بأكثر من عشرة ملايين، غير أن من يملكون حق الاقتراع فعليا لا يتجاوزون نحو مليون ونصف المليون، بسبب قيود قانونية تتصل بالتسجيل والأوراق الثبوتية، وفق ما يوضح الأستاذ في القانون الدولي والناشط السياسي علي مراد. ويبقى ثقل الاغتراب السياسي، خصوصا بعد موجة الهجرة الواسعة منذ انتخابات 2022، مرهونا بتعديلات قانون تصويت المغتربين المعلق بقرار مجلس النواب ورئيسه نبيه بري.

في انتخابات العام 2022، سجّل حوالي 225 الف لبناني أسماءهم للمشاركة في الانتخابات، لكن لم يقترع منهم إلا حوالي 141 الفا، يقول مراد لـ”الحرة،” وإذا تسنى للمغتربين اللبنانيين أن يقترعوا هذه المرة، فإن الأعداد ستكون أكبر، خصوصا أن أكثر من 450 ألف لبناني غادروا لبنان منذ الانتخابات الماضية وهؤلاء يريدون محاسبة الطبقة السياسية، كما يقول مراد.

وكان داريل عيسى قد شارك، كمواطن لبناني، في التصويت في الانتخابات النيابية اللبنانية الماضية التي جرت صيف العام 2022، والتي سُمح فيها للمغتربين بالتصويت، كما قال في جلسة الاستماع التي شهدتها لجنة الخارجية في الكونغرس.

الجلسة حملت عنوان “السياسة الأميركية تجاه لبنان: عقبات تفكيك قبضة حزب الله على السلطة”. شارك فيها ثلاثة باحثين من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وتناولت دور الجيش اللبناني والمساعدات الأميركية وناقشت بشكل مفصّل دور برّي “التعطيلي” كما وصفه الباحث والمساعد السابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد شينكر.

خلال جلسة الاستماع، أجمع الباحثون المشاركون بشكل تام على أن بري يشكل العائق الرئيسي أمام أي عملية إصلاحية في لبنان. وأكد الباحثان شنكر وزميلته حنين غدار أن بري، الذي يشغل منصبه منذ عقود، قد برع في “تشويه الدستور” وعرقلة تنفيذ القوانين التي تضمن قيام ديمقراطية حقيقية.

وركز باحثو معهد واشنطن في شهاداتهم، أيضا، على أن بري هو “حارس بوابة” المنظومة التي تمنع إصلاح قانون الانتخابات، وتحديدا ما يتعلق بضمان حق ملايين اللبنانيين في الاغتراب من التصويت بحرية، معتبرين أن استمراره في هذا النهج يستوجب ضغوطا أميركية، بما في ذلك فرض عقوبات لردع سياسة التعطيل الممنهج التي يتبعها.

حكاية بري مع أميركا والغرب ليست وليدة اليوم. بري، الذي ولد في سيراليون عام 1938، نشأ في بيئة شيعية جنوبية ترى في الاغتراب نافذة على العالم. وكما يصفه روبرت فيسك في كتابه “ويلات وطن”، فإن بري هو “وليد الأعراف اللبنانية”؛ ذاك الشاب الذي درس الحقوق وحمل أفكارا بعثية قبل أن يسحره الإمام موسى الصدر، ظل دائما “متذوقا للحضارة الغربية”.

في الستينييات والسبعينيات، كما يلاحظ فيسك، كان برّي يرتدي الألبسة الغربية الأنيقة، ويفضل السجائر الفرنسية، بل وحصل على بطاقة الإقامة الأميركية، الغرين كارد، (ليس معروفا إذا كان لا يزال يحافظ عليها) بعد ان أقام فترة لدى أقاربه في ولاية ميشيغان، وعاش مع زوجته الأولى (ليلى) هناك، وأنجب منها خمسة أولاد بينهم بكره مصطفى وابنه الآخر عبدالله اللذان قد يلعبان ادوارا سياسية في خلافته مستقبلا.

لكن اليوم، يبدو ان أمورا كثيرة تتبدل. مشروع القانون الجديد المطروح أمام الكونغرس، يمنح الرئيس الأميركي سلطة فرض عقوبات على أي شخص أجنبي يقرر الرئيس أنه “شارك في، أو رعى، أو قدم دعما ماديا لأعمال تشكل عرقلة لتصويت المغتربين”. وبالنسبة لمقدمي المشروع، لم يعد بري “صمام أمان”، بل أصبح يجسد ما وصفه القانون بـ “النخب السياسية الفاسدة” التي مارست تاريخيا “تأثيرا سلبيا على العمليات السياسية في لبنان”.

ويعرّف القانون “عرقلة تصويت المغتربين” بدقة تشمل أي عمل “يمنع، أو يحد، أو يؤخر، أو يتلاعب بقدرة المواطنين اللبنانيين المقيمين في الخارج على التصويت”. وهذا يضرب مباشرة في صلب الاتهامات التي وجهها ديفيد شينكر لبري في جلسة الاستماع، واصفا إياه بالمسؤول عن عرقلة الإصلاح الانتخابي وتهميش ملايين المغتربين.

وقد يكون التحول الأبرز في التحرك ضد بري في الكونغرس، هو ملاحقة “ثروة” بري المرتبطة بأقربائه في ديربورن في ولاية ميشيغان، التي أشار إليها عيسى خلال مشاركته في الجلسة. ينص مشروع القانون تحت بند “تجميد الأصول” على منع وحظر جميع المعاملات في الممتلكات والمصالح إذا كانت هذه الممتلكات “في الولايات المتحدة، أو تدخل إليها، أو تقع تحت حيازة أو سيطرة شخص أميركي”.

خلف الكواليس، بدأ المسار المالي بالتحرك فعلياً. وقال موظف رفيع في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب إن وزارة الخزانة، بما في ذلك مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) وشبكة إنفاذ الجرائم المالية، تراجع حالياً الأصول والتدفقات المالية المرتبطة بالنخب السياسية اللبنانية والمعرضة للولاية القضائية الأمريكية. وكانت إشارة عيسى إلى الثروة التي تمتلكها العائلة في ميشيغان مقصودة، لإظهار وجود “اختراق قضائي” ونقاط ضعف ملموسة.

ويؤكد موظفو اللجنة أن العملية كانت منهجية؛ فقد تم إعداد سجل الجلسة والشهود والنص التشريعي بعناية لبناء مسار أدلة قوي بما يكفي للصمود أمام المراجعة القانونية في حال فُرضت العقوبات. وكانت الرسائل المرسلة إلى الكونغرس للتحذير من عرقلة الانتخابات جزءاً من هذا التراكم. فمن وجهة نظر الـ”كابيتول هيل”، هذا ليس تصعيداً نابعاً من نزوة، بل تصعيد مدروس.

بالإضافة إلى ذلك، فإن بري وأمثاله من “المعطلين” قد يواجهون بموجب مشروع القانون “عدم الأهلية للحصول على تأشيرات أو دخول الولايات المتحدة”، مع “إلغاء أي تأشيرة حالية فورا”.

أتقن نبيه بري لسنوات لعبة التوازنات في السياسة و”اللعب على حبلين” ببراعة في تعامله مع الداخل والخارج: يخاطب “حزب الله” بلغة “المقاومة”، وواشنطن بلغة الدستور والمؤسسات والدور البرلماني. مشروع القانون المطروح أمام الكونغرس يهدد بإنهاء هذه الازدواجية، ويطالب القانون، في حال إقراره، بتقديم تقرير خلال 60 يوماً يحدد كل شخص أجنبي تورط في هذه الأعمال، مع تقييم لدور “الكيانات المدعومة من إيران” في انتخابات مايو 2026.

لم يعد بري، كما يراه مشروع القانون، وباحثو معهد واشنطن “حلال المشاكل”، بل أصبح يجسد “المشكلة” نفسها. ومع ان برّي يوصف لبنانياً بأنه “ساحر” في تمكنه من التلاعب بالقوانين اللبنانية والالتفاف عليها في البرلمان اللبناني، الا ان “سحره” هذا لا ينفع داخل أروقة الكونغرس، ما قد يجعل السحر ينقلب على الساحر.

رامي الأمين

كاتب وصحافي لبناني يعيش في الولايات المتحدة الأميركية. حائز درجة ماجستير في العلاقات الإسلامية والمسيحية من كلية العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف في بيروت. صدر له ديوان شعري بعنوان "أنا شاعر كبير" (دار النهضة العربية - 2007)، وكتيب سياسيّ بعنوان "يا علي لم نعد أهل الجنوب" (خطط لبنانية - 2008)، وكتاب عن مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان "معشر الفسابكة" (دار الجديد - 2012) وكتاب بعنوان "الباكيتان- سيرة تمثال" (دار النهضة العربية- ٢٠٢٤)


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading