غزة: عقدة المرحلة الثانية

تتأرجح غزة على خيط رفيع في الطريق إلى المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار المدعومة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

جرى ترحيل تطبيق المرحلة الثانية من الخطة إلى ما بعد رأس السنة، مع وجود تباينات في المواقف وصعوبات تتعلق بتشكيل قوة الاستقرار الدولية التي ستتولى ضبط الأمن وسحب سلاح حماس. فما كان يُعتبر عملية بسيطة نسبيا في المرحلة الأولى، المتمثلة بتسليم الرهائن، تكشّفت عنه تعقيدات تتعلق بالمرحلة الثانية، التي يصفها الباحث في شؤون الأمن القومي والعميد المتقاعد في الجيش الاسرائيلي، آساف أوريون، بأنها “أكثر تعقيدا بكثير”، ومليئة بالفجوات العميقة في الأولويات والرؤى.

ملف قوة الاستقرار الدولية يأتي في قلب التباينات، وهي وحدة حفظ سلام يُفترض أن تحل محل حماس وتحافظ على النظام والأمن داخل القطاع. لكن حتى الآن لم تعلن أي دولة عربية إقليمية عن التزامها بإرسال قوات على الأرض. ولمحاولة إيجاد حلول عملية، استضافت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) مؤتمرا في الدوحة هدفه تحريك عجلة التخطيط لهذه القوة بعد أشهر من الركود.

تضع دول مثل السعودية والإمارات ومصر خطا أحمر بشأن طبيعة القوة الدولية، إذ تصر هذه الدول على أنها لن تشارك إلا إذا كانت السلطة الفلسطينية جزءا من منظومة الحكم، وهو شرط يرفضه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تماما. ووفقا لأسامة السعيد، وهو رئيس تحرير صحيفة “الأخبار” المصرية، فإن “الحكومة اليمينية في تل أبيب” ترى في استمرار الحرب “الضمانة الأساسية لبقائها في السلطة”، ما يجعلها مترددة في قبول أي خطة تتضمن التنازل عن السيطرة لصالح السلطة الفلسطينية.

ومن المثير للاهتمام أن إيطاليا تقدمت مؤخرا بإشارات تدل على استعدادها للتطوع في قوات حفظ سلام دون اشتراط وجود السلطة الفلسطينية، وهو ما يأمل المسؤولون الأمريكيون أن يكسر الجمود الدبلوماسي. مع ذلك، يرى كوبي مايكل، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي ومعهد ميسكاف، أن غياب المشاركة العربية يضع القوة في أزمة شرعية حقيقية، مؤكدا أن الولايات المتحدة ليست “مستعدة” ولا “قادرة” على محاربة حماس بنفسها، وإذا لم يتقدم أحد، فإن مهمة نزع السلاح ستقع بالكامل، مجددا، على عاتق الجيش الإسرائيلي وحده.

ووفقا لما نقلته صحيفة “جيروزاليم بوست” عن مصادر وصفتها بالمطلعة، فإن الموقف الإيطالي الأخير الذي أبدى استعدادا للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية، دون اشتراط إشراك السلطة الفلسطينية، قد يؤدي إلى كسر “وحدة صف” الدول الرافضة، وتغيير حسابات الأطراف التي كانت تراهن على تراجع إسرائيل للسماح بدور للسلطة.

ومع ذلك، تشير المصادر للصحيفة الإسرائيلية، إلى أن المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين ربما أفرطوا في التفاؤل بشأن إمكانية إقناع الدول العربية بالمشاركة دون أفق سياسي، خاصة بعد تأكيد السعودية للرئيس ترامب أن التطبيع مشروط بإقامة دولة فلسطينية. ويحذر هؤلاء من أن القوة الدولية قد تواجه عجزا عدديا كبيرا، إذ قد لا يتجاوز قوامها 5,000 جندي مقارنة بالهدف الأصلي (10,000-20,000)، فضلا عن افتقارها للشرعية الإقليمية في غزة في حال غياب التمثيل العربي.

أوريون يشرح لـ”الحرة” أنه وعلى الرغم من اعتراف كثيرين بالسلطة الفلسطينية كبديل شرعي لحكم حماس، يعترف الجميع في الوقت ذاته بضرورة إجراء إصلاحات عميقة فيها، وأن قدرتها محدودة وغير كافية للتفوق على حماس. كما ترفض إسرائيل تماما إدخال السلطة الفلسطينية إلى غزة لأسباب سياسية واستراتيجية. وتختلف الولايات المتحدة وإسرائيل حول الأولويات والتسلسل الزمني ودرجة الإلحاح، وهو ما يعقّد الأمور بحسب الباحث الإسرائيلي.

ولا يبدو أن حركة حماس تساعد على تسهيل الحل، بل يبدو أن توجهها هو رفض شرط نزع السلاح بالكامل. فقد وجه القيادي في حماس ورئيس مكتبها السياسي في الخارج، خالد مشعل، ضربة قوية لهذه المساعي في حوار أجراه قبل يومين، رافضا صراحةً الشرط الأساسي المتعلق بنزع السلاح، وجادل مشعل بأن “نزع السلاح للفلسطيني يعني انتزاع روحه”. واقترح بدلا من ذلك أن الحركة قد تفكر فقط في “تجميد” أو “تخزين” أسلحتها. كما أكد أن حماس “تقبل بقوة دولية على الحدود للفصل والمراقبة”، لكنها “ترفض أي قوات أجنبية داخل غزة” لسحب السلاح.

وهذا هو بالضبط ما تخشاه الأوساط الأمنية الإسرائيلية. إذ يحذر مايكل في حديثه مع “الحرة”، من أنه إذا لم يتم القضاء على حماس ونزع سلاحها بالكامل، فإنها ستعمل ببساطة على “إعادة بناء نفسها” تمهيدا لهجوم آخر، وستعتبر بقاءها “انتصارا مطلقا”، وسيستفيد من ذلك المحور الإيراني.

في القاهرة، المعنية عن قرب بتطبيق المرحلة الثانية من الخطة، تتسم الرؤية بالحذر، حيث يشير محمد مصطفى أبو شامة، وهو مدير مركز استراتيجي مصري ومقرب أيضا من دوائر القرار، إلى أن المشاحنات العلنية بين واشنطن وتل أبيب غالبا ما تكون مجرد “ألعاب سياسية” لا تغير من الالتزام الأميركي الأساسي بأمن إسرائيل.

تظل مصر منفتحة على قمة رفيعة المستوى بين الرئيس السيسي ونتنياهو، مع حديث الاعلام الإسرائيلي عن زيارة محتملة لنتنياهو إلى مصر، ولكن فقط إذا كانت هناك “نتائج حقيقية”؛ بحسب المحللين المصريين الذين تحدثت إليهم “الحرة”. فمصر غير مهتمة بـ “لقاء بروتوكولي” يهدف فقط لتحسين صورة نتنياهو الداخلية. وبحسب أبو شامة والسعيد، فإن أي اتفاق يجب أن يتضمن مكاسب ملموسة للقاهرة، مثل تأمين محور فيلادلفيا وضمان عدم استخدام معبر رفح لتهجير الفلسطينيين في اتجاه واحد.

رامي الأمين

كاتب وصحافي لبناني يعيش في الولايات المتحدة الأميركية. حائز درجة ماجستير في العلاقات الإسلامية والمسيحية من كلية العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف في بيروت. صدر له ديوان شعري بعنوان "أنا شاعر كبير" (دار النهضة العربية - 2007)، وكتيب سياسيّ بعنوان "يا علي لم نعد أهل الجنوب" (خطط لبنانية - 2008)، وكتاب عن مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان "معشر الفسابكة" (دار الجديد - 2012) وكتاب بعنوان "الباكيتان- سيرة تمثال" (دار النهضة العربية- ٢٠٢٤)


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading