منذ العام الماضي، بات بوسع سكان دبي الاستعانة بطائرة مسيّرة صينية الصنع لتوصيل كوب قهوة لاتيه من ستاربكس.
قد يبدو ذلك ترفًا بسيطًا، لكنه في الوقت نفسه بليغ الدلالة على ما هو أعمق. فهذه الطائرة تعكس طموح الصين الأوسع: إدماج منتجاتها التكنولوجية — من شبكات الألياف الضوئية والهواتف المحمولة إلى خدمات توصيل الطعام — في تفاصيل الحياة اليومية بدول الخليج، التي برزت كساحة رئيسية في تنافسها بين القوى العظمى مع الولايات المتحدة.
وقالت مؤسسة راند في تقرير حديث: «الولايات المتحدة منخرطة في منافسة استراتيجية مع الصين حول طبيعة النظام العالمي. وفي صميم هذه المنافسة تكمن التكنولوجيا».
وكما يُظهر الإصدار الخامس هذا الأسبوع من «مرصد النفوذ الصيني» التابع لشبكة MBN، فقد رسّخت شركات التكنولوجيا الصينية وجودها في أنحاء المنطقة منذ أن أعلن الرئيس شي جين بينغ عام 2015 «طريق الحرير الرقمي»، وهو النظير التكنولوجي لمبادرة «الحزام والطريق» القائمة على البنية التحتية التقليدية.

تعوّل الصين على تقنياتها الأرخص نسبيًا في مجال الاتصالات — من الجيل الخامس إلى الهواتف المحمولة — لكسب موطئ قدم، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى استثمار تفوقها في الذكاء الاصطناعي. لكن ثمة تداخلًا بين المجالين، إذ تتنافس القوتان على النفوذ لدى حكومات المنطقة في قضايا التكنولوجيا، كما تتنافسان على الحصص السوقية.
وتُعدّ السعودية والإمارات العربية المتحدة جذابتين بشكل خاص لهذين الخصمين العالميين. فكلا البلدين يمتلكان موارد مالية ضخمة ووفرة في الطاقة، وهما شرطان أساسيان لبناء البنية التحتية الرقمية المكلفة والشديدة الاستهلاك للطاقة التي ستعتمد عليها تقنيات المستقبل.
الأخ الأكبر من بكين
لعل أوضح مجالات التفوق الصيني يتمثل في تصدير العناصر الأرضية النادرة ومشتقاتها، وهي مكونات أساسية في كل شيء تقريبًا، من توربينات الرياح إلى أشباه الموصلات.
ولا يُعد هذا التفوق مفاجئًا، بالنظر إلى الحصة العالمية التي تهيمن عليها الصين في سوق المعادن الأرضية النادرة. غير أن دوافع استيراد دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لهذه المواد تكشف الكثير عن طموحاتها. فتركيا، أكبر مشترٍ في المنطقة بفارق كبير، تستخدم هذه العناصر لتغذية قاعدة صناعية واسعة ودعم صناعتها الدفاعية. أما الإمارات، فغالبًا ما تؤدي دورها التقليدي كمركز تجاري، إذ تعيد تصدير جزء كبير من منتجات العناصر الأرضية النادرة التي تستوردها.

ووفقًا لمرصد النفود الصيني، تحظى تقنيات المراقبة الصينية أيضًا بطلب مرتفع، مدفوعة جزئيًا بمبادرة «الأمن العالمي» التي أعلنها شي عام 2022. ومنذ ذلك الحين، شهدت صادرات الصين من تقنيات المراقبة إلى المنطقة زيادة مطّردة، ما أثار مخاوف غربية من أن تُسهم هذه التقنيات في ترسيخ أنماط الحكم السلطوي.

وكانت الإمارات وتركيا والسعودية من أكبر المشترين. كما تُعد إيران من الزبائن، وقد ارتبطت التكنولوجيا الصينية وبرامج التدريب المرتبطة بها بحملة القمع العنيفة التي نفذتها طهران ضد المتظاهرين وأسفرت عن مقتل الآلاف.
ومن المشاريع الصينية البارزة الأخرى مبادرة «المدن الذكية». تجمع المدن الذكية بين أجهزة الاستشعار والكاميرات وغيرها من أدوات المراقبة، وبين تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي، لتحسين الخدمات الحكومية. وتواجه المراكز الحضرية تحديات مزمنة مثل الازدحام المروري والجريمة والتلوث، يمكن إدارتها من خلال البيانات التي تجمعها الأجهزة المتصلة عبر «إنترنت الأشياء».
وقال هوارد شاتز، كبير الاقتصاديين في مؤسسة راند وأحد المشاركين في إعداد تقريرها حول مبادرة المدن الذكية الصينية، في رسالة إلكترونية: «معدات الصين فعّالة من حيث التكلفة، وتؤدي أداءً جيدًا — أو جيدًا بما يكفي على الأقل — كما أن التعامل معها سهل نسبيًا، إذ لا تتطلب التزامات غير اقتصادية كثيرة».
وتُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر شبابًا وتحضّرًا من المتوسط العالمي، ما يجعلها بيئة جذابة على نحو خاص لمشاريع المدن الذكية. فدبي وأبو ظبي، على سبيل المثال، تُصنّفان بين أذكى مدن العالم.
لكن، كما يشير تقرير راند، يمكن استخدام التقنيات نفسها لقمع المعارضة، ومراقبة المدنيين، وتقويض الخصوصية.
الرد الأميركي
دفعت المخاوف الأمنية إدارة الرئيس بايدن إلى ممارسة ضغوط على حلفائها لمنع شركة هواوي من بناء شبكات الجيل الخامس، معتبرة أن ذلك قد يجعل الدول عرضة للتجسس الصيني. وقد حققت هذه الجهود نجاحًا أكبر في أوروبا مقارنة بالشرق الأوسط. ومع ذلك، قال شاتز إن وزير الإعمار العراقي صرّح مؤخرًا، خلال منتدى الشرق الأوسط للسلام والأمن في دهوك بالعراق، بأن بلاده تراجعت عن بعض أوجه التعاون التكنولوجي مع الصين بسبب تحذيرات أميركية.
وفي الصيف الماضي، كشفت إدارة ترامب عن رؤيتها الخاصة للهيمنة التكنولوجية من خلال «خطة العمل الأميركية للذكاء الاصطناعي». وجاء في الوثيقة:
«من يمتلك أكبر منظومة للذكاء الاصطناعي سيضع المعايير العالمية لهذا المجال، وسيجني فوائد اقتصادية وعسكرية واسعة».
وقد بدأت هذه الاستراتيجية تتخذ شكلًا ملموسًا بالفعل. فمن خلال مشروع «ستارغيت الإمارات»، تدعم الولايات المتحدة وشركاؤها إنشاء مراكز بيانات ضخمة ومهيأة للذكاء الاصطناعي في الخليج. وقالت شركة مايكروسوفت إنها تخطط لاستثمار 15 مليار دولار في الإمارات لتوسيع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي هناك، كما اشترت العام الماضي حصة أقلية في شركة الذكاء الاصطناعي «G42» التي تتخذ من أبو ظبي مقرًا لها.
حتى الآن، لا يوجد فائز واضح. وقال شاتز من راند: «كلا الطرفين يحقق أداءً جيدًا».
لقد مكّنت سرعة الصين في نشر البنية التحتية الرقمية، وحرصها على تجنب التشابكات السياسية والثقافية، شركة هواوي من بناء مراكز بيانات سحابية في الرياض، وشركة ZTE من مدّ كابلات ألياف ضوئية في الجزائر. وفي المقابل، تُبدي إدارة ترامب اهتمامًا أقل بقيود التصدير، وحرصًا أكبر على إبرام صفقات مع حلفائها في الشرق الأوسط.
وهكذا يجد قادة دول الخليج أنفسهم في مقعد القيادة الرقمية، قادرين على انتقاء تكنولوجيا أي من البلدين — ليس فقط لتوصيل القهوة بأسرع وقت، بل لإحداث تحول اقتصادي أوسع نطاقًا أيضًا.
جيم سنايدر
جيم سنايدر هو صحفي ومحرر استقصائي سابق في إذاعة آسيا الحرة
بول وانغ
بول وانغ يشغل منصب محرر البيانات في «مرصد النفوذ الصيني» ضمن شبكة MBN، مختص بتحليل التقاطعات بين البيانات والسياسة والتكنولوجيا.

